الرئيسية » 24 ساعة » مَتَى يُزْهِرُ الرَّبِيعُ عِنْدَنَا؟!

مَتَى يُزْهِرُ الرَّبِيعُ عِنْدَنَا؟!

 

نَنْثُرُ بُذُورَ التفاؤلِ والْأمل، ونُقاومُ الْإِحباطَ والْيَأْس، ونرفعُ شعاراتِ التنمية، ونَنْشُدُ لها الاستدامة.

ونلْتَمِسُ الغيثَ فتجودُ به السماء.

ولكنَّ الربيعَ يأبَى أنْ يُزْهِرَ عندنا، وكأنَّ لسانَ حاله يقول:

لَنْ تَنَالُوا الْإِزْهَارَ حَتَّى:

يصيرَ الحاكمُ والمحكومُ أمام القانون سواء.

وينالَ ابنُ الفقير والأجير والوزير نفسَ الحظِّ في التعليم.

ويُحَقِّقَ كُلُّ فَرْدٍ ذاته، وينالَ حظَّهُ من التَّأْهِيلِ والتَّشْغيل.

وتَنْتَقِلَ الْقِيَمُ الْمُتَوَارَثَةُ من الْحِفْظِ والترديد إلى الْمُمَارَسَةِ والتَّفْعِيل.

وَتُسْنَدَ المسْؤوليةُ لِمُسْتَحِقِّهَا، الْمُؤَهَّلِ لَهَا، والْمُحَاسَبِ عليها، دون تَحَكُّمِ انْتِمَاءٍ وَلَا تَدَخُّلِ وَسِيط.

وتتقاربَ الْهُوَّةُ بين المسؤولِ الكبير والْأَجِيرِ البسيط.

وتَنْتَفِيَ الْفَوَارِقُ الصَّارِخَةُ في الْخِدْمَاتِ الْأَسَاسِيَّةِ بين مدينةٍ وأُخْرَى، وقَرْيَةٍ وجارتها، وسَهْلٍ وواحةٍ وجبل.

وتَصِيرَ الْمُوَاطَنَةُ كَرَامَةً تُصَان، وَحُقُوقاً تُوَفَّر، قبل أنْ تكونَ واجباتٍ تُؤَدَّى، وَرُسُوماً تُسْتَخْلَص.

 

يَبْدُو الربيعُ عنيداً يُمْلِي شُرُوطاً كُلَّمَا مَنَّيْنَا النفسَ بِتَنْزِيلِهَا، تَرَاءتْ سَرَاباً بَعِيدَ الْمَنَال، وكُلَّمَا عَاتَبْنَاهُ على التَّبَاطُؤِ عنْدنا في الْإزْهَار، أجاب: انْظُرُوا كيف كان  الْإِزْهَارُ في العديدِ من الْأَمْصَار، إِنَّمَا الاِسْتِجَابَةُ تأتي على قَدْرِ هِمَمِ وعَزْمِ بناة الاوطان

هذا لِلْمُنْتَصِحِين

الذين يلْتمِسُون النُّصْحَ، ويَعْمَلون به

نُمْضِي الْعُمْرَ في كَدٍّ وعناء، والتماسِ المغفرة بالسَّعْي والرجاء، والإحسان والدُّعاء، نَرْكَبُ المراكب السهلة، فنُعدِّدُ القراءات، ونُكرِّرُ الزيارات، فنجعلُ من الحجة حجَّات، ومن العُمرة عُمرات، وقد نُسْهِمُ في بناء المساجد، ورفع المآذن، وكثيراً ما نكتفي بذلك.

وتطلُع علينا آية من الذكر الحكيم تدلنا على أصحاب الْمَيْمَنة، من الناجين المُقرَّبين، تُحدِّثنا أنهم من مُقتحِمي العقبة الذين لم يقنعوا بالسهل الْمُتاح الذي يكتفي به الكثيرُون، ممن يكادون يقفون عند إعلان الشهادتيْن، وأداءِ الشعائر، والتحلِّي بالمظاهر

فمَنْ هم مُقتحِمُو العقبة ؟

إنهم مَنْ يُسارعون إلى فك رقبةٍ من الرِّق والأسْر بتداعياته المختلفة: من الحاجَةِ، والدَّيْن، والأمية، والعطالة، وافتقادِ المسكن، والملبس، وقهْر الزمان.

وإنهم من يَحرصُون في يوم سَغَبٍ ومَجاعةٍ على إطعام اليتيم القريب، والمسكين الْمُمْلِق، ويُضيفون إلى ذلك التواصِيَ بالصبر والمَرْحَمَة.

ولو شئتَ لمعرفتهم اجتهاداً، ولمراتبهم تصنيفاً لألفيتَ في صدراتهم أولئك الذين “يُوثرون على أنفسهم ولو كان بهم خصاصة”، وأولئك الذين تحقق لهم بعضُ اليسار، فهدتهم الفطرة السليمة إلى مشاريع البر والإحسان، أما الذين أنعم الله عليهم بالغنى والثراء، والموقع والجاه، فلو غزت قلوبَهم مشاعرُ الرحمة والإشفاق، وهفت نفوسُهم إلى اقتحام العقبة، والتصنيف ضمن أصحاب الميمنة، لأنفقوا ولبالغوا في الإنفاق تبديداً لمظاهر الخصاص، وتيسيراً لأسباب الرفاه على كل بائس محتاج، ولأسهموا في مشاريع التعليم والإنماء حتى يعم البِرُّ كل العباد، ويشمل الخيرُ سائر أرجاء البلاد.

ويظلُّ هذا للمُنْتصحين، اهتداءً بقوله تعالى:”ثم كان من الذين آمنُوا وتواصوْا بالصبر، وتواصَوْا بِالْمَرْحَمة“.

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *