الرئيسية » 24 ساعة » أدوار مراكز الدراسات والأبحاث في تطوير منظومة البحث العلمي .

أدوار مراكز الدراسات والأبحاث في تطوير منظومة البحث العلمي .

نظم مركز تكامل للدراسات والأبحاث يوم الأحد 21 مارس 2021 على الساعة الثامنة مساء، مائدة مستديرة في موضوع “أدوار مراكز الدراسات والأبحاث في تطوير منظومة البحث العلمي”، حيث بثت أطوار هذه المائدة المستديرة مباشرة على الموقع الرسمي للمركز، وذلك بمشاركة الدكتور سعيد الصديقي مدير مختبر الدراسات السياسية والقانون العام؛ الدكتور عز العرب لحكيم بناني، أستاذ باحث في الفلسفة بكلية الآداب والعلوم الإنسانية، فاس؛ الدكتور أحمد مفيد، أستاذ باحث بكلية الحقوق، فاس؛ الدكتور عبد الرحيم العلام، منسق المجلس العلمي بمركز تكامل للدراسات والأبحاث؛ الدكتورة رقية أشمال، أستاذة القانون العام، جامعة محمد الخامس.

وقد افتتح هذا اللقاء العلمي بكلمة لمسيرة الجلسة الدكتورة رقية أشمال، رحبت من خلالها بالمتدخلين والمتابعين، ثم أعقبتها بالحديث حول سياق الندوة الذي يتزامن مع الذكرى السادسة لتأسيس مركز تكامل للدراسات والأبحاث، باعتبار هذه الذكرى مناسبة للوقوف على الأدوار التي تضطلع بها مراكز البحث والتفكير على الصعيد الوطني والدولي، خاصة في الجانب المتعلق بإنتاج المعرفة، وتجسير الهوة بين التخصصات، لتطرح عدة أسئلة متعلقة بمحاور النقاش، وأخرى ذات صلة بالمحور الأول من المائدة المستديرة، كأنواع هذه المراكز وطبيعتها، نوع المعرفة المنتجة، الغاية من البحث العلمي وأهدافه، دور المعرفة في تقدم المجتمعات، مراكز التفكير…

في هذا السياق، قال الأستاذ سعيد الصديقي بأن هناك أصناف عديدة من مراكز الدراسات والأبحاث، منها مراكز للبحث العلمي الضيق أو المحدود، ومراكز لمجموعة من الأساتذة الباحثين المتعاقدين الذين ينجزون دراسات متخصصة أو أبحاث ذات طابع استشاري أو تقني لمؤسسات خاصة، إضافة إلى مراكز تناصر إيديولوجية أو سياسة معينة تابعة لحزب أو جهة غير محايدة، فتنتج كل ما يخدم الجهة التابعة لها، ليخلص بأن مراكز الأبحاث بالمغرب ليست على مستوى واحد، فهناك المراكز الجادة والمستقلة، وهناك العكس؛ كما أشار الأستاذ بناني إلى أن التحدي الذي يواجه مراكز البحث بالمغرب هو إيجاد مراكز أو مؤسسات أو مختبرات تنعم بالحرية الأكاديمية والاستقلالية عن المؤسسات الحكومية أو غير الحكومية، من خلال اختيار أولويات البحث العلمي بناء على التنظيم الذاتي للمختبرات..

علاقة بنفس الموضوع، أكد الأستاذ أحمد مفيد بأن الثابت هو أن البحث العلمي ينبغي أن يكون محط إجماع وطني مهما اختلفت السياسات الحكومية، لأن بالعلم تتقدم المجتمعات، إذ لا يمكن الحديث عن دولة متقدمة بدون بحث علمي، بينما أكد الأستاذ العلام في مداخلته على مركزية العلم في نهضة الأمم، من خلال الإشارة إلى تجارب تاريخية لدول أنهكتها الحرب ودمرتها بشكل كامل، لكن انتصرت على تلك المآسي بالاستثمار في البحث العلمي والعودة إلى واجهة الساحة الدولية بقوة، نموذج اليابان وألمانيا بعد الحرب العالمية الثانية، لهذا لا يمكن التقدم إلا من خلال الاستثمار في البحث العلمي.

على غرار ذلك، خصص المحور الثاني لمستقبل مراكز البحث وأثرها على تطوير منظومة البحث العلمي، فقد تحدث الأستاذ الصديقي على أهمية مراكز التفكير، مشيرا إلى أن هذه المراكز تتطلب فلسفة عمل واضحة، لأن هناك بعض المراكز التي تحصل على الدعم بدون أثر، بينما هناك مراكز أخرى تقوم بعمل مضني لكن أثرها محدود، كما تحدث عن التجربة الناجحة لمركز تكامل للدراسات والأبحاث، باعتباره من بين المراكز الجادة بدليل المؤشرات الدالة على العمل المضني لفريق تكامل (الإصدارات، الندوات العلمية..)، إلا أنه ألح على ضرورة أن ينهج المركز (مركز تكامل) إستراتيجيتان، أحدهما قصيرة الأمد وهي التي تؤطر اشتغال المركز في الوقت الحالي (المقالات؛ التحليلات، الدراسات، تقدير موقف، تحليل السياسات..)، أما الاستراتيجية الثانية فمتمثلة في الاشتغال على إصدار مجلة محكمة ومصنفة وفق المعايير الدولية (نموذج تصنيف المجلات وفق قاعدة بيانات سكوبيس).

فضلا عن ذلك، أكد الأستاذ بناني بأن المستقبل يقتضي ضرورة الانفتاح والنقاش ما بين التخصصات، لأن هناك إشكال في المغرب مرتبط بغياب الحوار بين التخصصات (كل تخصص على شكل جزيرة معزولة)، الأمر الذي أنتج نوع من القطيعة ما بين مختلف الحقول المعرفية، وهذا الإشكال يحول دون استفادة التخصصات من بعضها البعض، فالعلم واحد مهما تعددت فرعه، كما هناك إشكال أخر يواجه البحث العلمي بالمغرب له علاقة بغياب الانفتاح على العالم الأنجلوساكسوني، وبشكل خاص الانفتاح على اللغة الأنجليزية باعتبارها لغة العلم في عصرنا الحالي، إذ لا يمكن للإنتاج العلمي بالمغرب أن يحقق العالمية ما لم ينفتح على اللغة الأنجليزية، وسيظل كل ما ينتج على مستوى مراكز البحث والتفكير محلي الطبع ومحدود بالحدود الضيقة.

من جانب أخر، تحدث الأستاذ مفيد على ضرورة مواكبة مراكز الأبحاث للتطورات بالبلد والمستجدات بالساحة الوطنية والدولية، لكنه أصر على أهمية التأثير والإشعاع، لأن أي بحث أكاديمي لابد أن يكون له الأثر الواقعي، وإلا فلا فائدة ترجى منه، بالموازاة مع ذلك، أشار إلى الإكراهات التي تواجه الباحثين، خصوصا المتعلقة بالتمويل وغياب الإمكانيات وضعف الميزانية المخصصة للبحث العلمي وتعقد المساطر، حيث طالب في هذا المجال بضرورة تسهيل المساطر المتعلقة بالبحث العلمي، بينما ركز الأستاذ العلام في حديثه على الإشكاليات ذات الصلة بتطوير المراكز البحثية، والتي يرجع بعضها في نظره لتشتت التعاون بين المكونات المشتغلة على البحث، مما يؤثر على مراكز التفكير.

أما في المحور المتعلق بالحديث على تجربة مركز تكامل في ذكراه السادسة، فقد استحضر الأساتذة أثناء النقاش عدة معطيات التي تؤكد على نجاح هذه التجربة، على سبيل المثال، أكد الأستاذ الصديقي في مداخلته على الدور المحوري للمركز في التأثير على السياسات العامة للبلد، كما أشار إلى الجهود التي يبذلها المركز من خلال سلسلة من الدراسات والأنشطة العلمية، حيث قدمت قيمة مضافة للبحث الأكاديمي الجاد، وهذا راجع لعدة اعتبارات، منها الإدارة الجماعية للمركز من طرف ثلة من الباحثين الشباب المفعمين بالطموح والحيوية، إضافة إلى التمويل الثابت على علته أو قلة محدوديته؛ في حين أقر الأستاذ بناني بأنه من الضروري أن يحافظ المركز على حركيته الحالية، وبأن هناك مجموعة من المؤشرات الدالة على نجاح المركز، لكنه أكد على أهمية الحفاظ على استقلالية الباحثين والحرية الأكاديمية وإشراك الباحثين الشباب والإعمال بمقاربة النوع الاجتماعي..

بينما أكد الأستاذ مفيد بأن مركز تكامل هو من المراكز التي أرست لأعراف مهمة في البحث الأكاديمي، من أهمها جمع الباحثين الشباب وغير الشباب لغاية إنتاج المعرفة، إضافة إلى تجميع حقول معرفية مختلفة وتخصصات متعددة، ناهيك عن الصرامة العلمية من خلال تحكيم المقالات، وإعطاء البعد الترابي المحلي للمركز عبر إقحام عدة مدن جامعية في الأنشطة العلمية، بما في ذلك إشراك الباحثين من مختلف الجامعات في عملية إنتاج المعرفة، ثم الموضوعية في القبول/الرفض للدراسات العلمية قبل نشرها، وهذه المؤشرات تعد قيمة مضافة للبحث العلمي، ليختتم كلمته بالتأكيد على أهمية مراكز البحث، والتي تتطلب أن يزداد عددها على المستوى الوطني، لأن هذه المراكز ذات أهمية في تطوير منظومة البحث العلمي..

في حين قدم الأستاذ العلام نبذة عن كيفية إحداث مركز تكامل، ليعرج بالحديث عن إنجازاته، لعل أحدثها إنشاء الموقع الإلكتروني، الذي يعد خطوة مهمة في مسار المركز، كما أشار إلى بعض الأرقام المهمة، من قبيل، عدد الإصدارات في سنة واحدة (13 مؤلف جماعي)، حوالي 400 شهادة مشاركة في السنة، ثم أعداد لمجلة المركز ستصدر قريبا (عددان، واحد مخصص للانتخابات والأخر للأحزاب السياسية)، إضافة إلى عدد اللقاءات الدولية (الحضور الدولي للمشاركين)، وهذا النجاح – من منظوره – حصل بفعل العمل التطوعي لمجموعة من الباحثين بالمركز، كما حصل أيضا بفعل انخراط ثلة من أساتذة الجامعات في مختلف المبادرات العلمية للمركز (الندوات؛ الإصدارات؛ التكوينات..)، وقد ألح على ضرورة رفع التمويل من طرف الوزارة الوصية، وتقديم الدعم لمراكز الأبحاث كي تضطلع بدورها المحوري في إنتاج المعرفة التي هي أساس تقدم المجتمعات.

ليختتم هذا النقاش العلمي بمداخلة للأستاذة رقية أشمال التي خصصتها للحديث عن مركز تكامل، باعتبارها باحثة بالمركز وعضو في أجهزته التنظيمية، حيث أكدت على ثلاثة مبادئ مساهمة في نجاح المركز وهي، الاستقلالية عن كل جهة، التجرد من الانتماءات الشخصية للأعضاء، الموضوعية في العمل؛ كما أشارت أيضا إلى أن فريق المركز منفتح على جميع الحقول المعرفية، بحكم تكامل هذه التخصصات وتقاطعها، مع تأكيدها على عدم إغفال مسألة إقحام البعد المحلي عبر إشراك مختلف الباحثين من مختلف المدن، وأيضا الأخذ بمقاربة النوع الاجتماعي داخل المركز، إضافة إلى الانفتاح على التجارب الدولية والوطنية، بما في ذلك، إشراك باحثين من خارج المغرب في الأوراش العلمية التي ينظمها المركز، في حين أكدت على أن هناك أربع تحديات تواجه المركز، والتي تقتضي – من منظورها – العمل عليها مستقبلا، وهي: تحقيق الجاذبية؛ القدرة على التنافسية أو التمايز/ التميز على المراكز الأخرى؛ العمل على توسيع الموارد، وأخيرا التحدي الرقمي..

بقلم عبيد الحليمي، باحث في سلك الدكتوراه .

 

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *