الإضراب في قطاع التعليم بالمغرب يدخل أسبوعه الرابع وحتمية التواصل الفعال هو السبيل نحو ضمان مردودية النجاح المدرسي ، والنجاح المجتمعي

الإضراب في قطاع التعليم بالمغرب يدخل أسبوعه الرابع ما أثار استياء الأولياء من توقف دراسة أبنائهم ومخاوف من اعتماد سنة دراسية بيضاء
ويخوض أساتذة التعليم العمومي، احتجاجات غاضبة في الشوارع منذ أكثر من شهر توقفت معها الدراسة بشكل تامّ، وذلك رفضا لقانون النظام الأساسي الذي وضعته وزارة التربية
ويتضمن ذلك 98 مادة تحدد هيئات ومهام ومسؤوليات وتعويضات الموظفين في القطاع فضلا عن العقوبات التأديبية، ما اعتبرته نقابات التعليم “غير منصف” ويهدد مكتسباتهم ولا يحقّق مطالبهم المهنية والمادّية
في حين أكد الأساتذة أنّهم لن يتراجعوا عن تحركاتهم التصعيدية رغم أن وزارة التربية هدّدت بخصم رواتبهم، ودعتهم إلى الحوار للوصول إلى حلول
وفجر هذا الوضع غضبا واسعا لدى أولياء التلاميذ وقلقا من تأثير هذا الإضراب على المستوى التعليمي لأبنائهم، حيث نظم أولياء التلاميذ وقفات احتجاجية أمام المؤسسات التعليمية في عدد من المدن المغربية للتنديد بما وصلت إليه أوضاع التعليم وبهدر الزمن المدرسي وحرمان أبنائهم من الدراسة لمدة شهر ونصف
في السياق ذاته، راسلت الرابطة الوطنية لجمعيات أمهات وآباء التلاميذ، رئيس الحكومة للمطالبة بتعويض الأيام والساعات الدراسية الضائعة
كما دعت الوزارة بـ”التدخل الفوري والعاجل لإيجاد حل توافقي يرضي الأساتذة ويراعي المصلحة الفضلى للتلاميذ، ورد الاعتبار للمدرسة العمومية
ومن غير الممكن معرفة ما إذا كانت إضرابات المدرسين ستتوقف خلال الأيام المقبلة أم ستتواصل إلى أجل غير مسمّى، حيث تصر نقابات التعليم على تصعيد تحركاتها ضد الوزارة إلى حين إسقاط النظام الأساسي الجديد
بينما أعلنت الأخيرة استعدادها لفتح حوار مع الأساتذة شرط عودتهم إلى مقاعد الدراسة
ليس من الضرورة في شيء أن يكون المرء متضلعا في نظم التربية والتعليم، أو خبيرا متمرسا بها، حتى يكون بمقدوره تكوين رأي خاص، أو استخلاص حقائق ثابتة عن ما آل إليه واقع التعليم بالمغرب، بعد عقود جعلت منه، وأيضا من المغرب بشرا وحجرا، حقل تجارب بامتياز
والواقع أنه بعد أكثر من خمسين سنة من الاستقلال لم يوفق المغرب في استنبات منظومة في التربية والتعليم متكاملة الأضلع، متناسقة الصيرورة، مؤسسة في فلسفتها على مرجعية محددة، مبنية على تصور، خاضعة لعمليات في التقييم بأفق الإصلاح والتقويم
وإذا كانت صناعة المدرسة بشكل عام عملًا ذكيًّا بامتياز وحدَثًا تاريخيًّا لا يمكن نسيانه، فإن الرهان على هذه المؤسسة في ضمان استمرارية المجتمعات البشرية يبقى في الوقت الراهن، وفي ظل العولمة والتقدم السريع وفي عصر الثورة الرقمية وسيطرة الشاشة والصورة، أمرًا مهمًّا جدًّا، وبالتالي ضرورة التفكير في كيفية استمرار الوظيفة الأساسية لهذه المؤسسة بشكل يضمن للمجتمعات الإنسانية الاستمرارية في تنشئة أفرادها وتكوينهم وَفْق حاجات الحياة اليومية؛ فالمجتمع الذي لا يراهن على المدرسة كمؤسسة ضامنة لبقائه وتطويره وتجديده برعاية ناشئته وتوريثها المعارف وأنماط الحياة، فإنه بالأساس سيواجه بالفعل أزمات في شتى المجالات، مِن بينها التباين في مستوى مؤسساته وبين أفراده من حيث الكفايات بشتى أنواعها، وبالتالي عدم الانسجام الاجتماعي، وغياب التفكير المنطقي الواحد لمستقبل هذا المجتمع… مما سيسهل الأمر لكل التيارات الإيديولوجية والسياسية والاستعمارية الأجنبية لغرض التحكُّم والسيطرة على مستقبل مثل هذه المجتمعات، فكل المشاكل والظواهر المجتمعية التي تعاني منها الدول اليوم لها صلةٌ مباشرة بمستوى المدرسة وبدورها في إعداد الأفراد
إن الحديث عن المدرسة المغربية بشكل عام يحيل بنا إلى ما عرَفته من تطورات وتغييرات نالت مِن موقف المجتمع المغربي صغيرًا وكبيرًا، ومن المسؤولين التربويين والسياسيين، ما تستحقه من ردود أفعال… (آخرها الخطاب الملكي السامي بتاريخ 20 غشت 2013)، لكنها في مجملها ترمي إلى عدم الرضا بما تنتجه من موارد بشرية ومن كفاءات، وثمَّة نقاش كبير حول التعليم المغربي والأزمات التي يتخبَّط فيها، والتي ما زالت إلى يومنا هذا تحتل الصدارةَ في الحديث اليومي لرجال التربية والتعليم أنفسهم داخل المؤسسات التربوية، وفي كل المنابر الاجتماعية بمختلف مواقعها وتوجهاتها… إذ يلاحظ بشكل عام أن المدرسةَ المغربية العمومية قد عرَفت موجات إصلاحية على المستوى النظري، وفي التوجهات العامة، وفي السياسة التربوية، وفي الترسانة القانونية، لكن على مستوى الواقع وعلى مستوى التحصيل والنتائج تبقى الأزمة متفاقمة، بل في تزايُدٍ مستمر (لقد قيل كل شيء عن التعليم، لكن ما زال لم ينجز كما هو مطلوب وأساسي)، ولا شك أن هذه الأزمة ما هي إلا وجهٌ من الوجوه الحساسة لأزمة اجتماعية أعمق، بدأت تظهر للجميع نتائجها، سواء على مستوى ما تنتجه هذه المؤسسة الاجتماعية التي صنعها المجتمع للتنشئة والتربية، أو على مستوى التخلُّف الفكري الذي يعاني منه أطفالنا اليوم، وتلك الفجوة الموجودة بين طبقات المجتمع… ناهيك عما يتخبَّط فيه المجتمع اليوم من أزمات أخلاقية وإيديولوجية وأزمة القيم، جعلت الشباب والأطفال عُرضة لمختلف التوجهات الفكرية المدمرة،
فما هو دور المدرسة في الوقت الذي يفجِّر فيه الشباب أنفسهم؟ وما جدوى الإصلاح التربوي والتعليمي في الوقت الذي تتزايد فيه نِسَب الهدر المدرسي والتخلُّف والتعثر الدراسيينِ بشكل مرتفع سنة بعد أخرى؟ وإلى أي تربية نهدف في الوقت الذي ترتفع فيه نِسب العنف المدرسي بين التلاميذ أنفسهم؟ أو بين رجال التربية؟ أو ما بين التلاميذ والأساتذة؟
هناك إذًا إشكالية ضخمة وحلقة مفقودة في نظامنا التعليمي؛ حيث إن المدرسة المغربية قد تأثرت بالتغييرات التي عرَفها المجتمع دون أن تساير هذا التغيير أو تتحكم فيه، فرغم أنه أصبح من العادة أن تتجدد البرامج والمقررات وكذلك المقاربات المنهجية بعد مرور كل عشر سنوات، فإن السرعة التي يجري بها العالم اليوم بفضل التطور الهائل في كل المجالات العلمية، يفرض على المسؤولين – بل على الجميع – أن يساهم في الرفع من قيمة المدرسة، وتغيير سرعة الإصلاح
وليس الحديث عن المدرسة المغربية العمومية ناتجًا عن الأزمة الخانقة التي تعاني منها كما أسلفنا، بل لإبراز ذلك التوجه الإصلاحي الذي أصبح موضة في دواليب المسؤولين التربويين، الذين يهتمون بالأرقام وبالمؤشرات دون النزول إلى أرض الواقع؛ حيث أصبحت المدرسة كمؤسسة حكومية لا يُهمها إلا التحدُّث والتباهي بالأرقام، في الوقت الذي تشكل فيه كذلك وزارة التعليم أكبر إدارة مغربية وأضخمها؛ نظرًا للعدد الهائل من التلاميذ، الذي يفوق ستة ملايين، كما أنها تضم ما يقرب من نصف موظفي الدولة المغربية… وخلال الفراغ البيداغوجي اليوم، وفي انتظار الرؤية الإستراتيجية والتدابير ذات الأولوية… فإنه كان من الضروري الإشارة إلى هذه المفارقة، التي ليست إصلاحًا عميقًا في نظرنا، بل فقط موضة لمسايرة التغيير الخارجي الذي فرض فأي إصلاح تربوي لا ينطلق من الواقع المغربي؟ وأي إصلاح لا يبنيه أهل الشأن أي رجال التربية؟ وأي إصلاح ينطلق من القمة ليقف أمام باب المدرسة؟
إنها إملاءات دولية فقط، تستجيب لطموحات الدول المتقدمة، التي تسعى دائمًا للحفاظِ على المسافة الفاصلة بين العرَبة والحِصان
إن هذه النظرة التشاؤمية التي تبدو لنا والتي فعلًا عايشناها وتذوقنا مرارتها، ما هي إلا نتاج لسياسات تربوية غير مبنيَّة على أسس وطنية محضة، ولا على أسس منطقية يقبَلها العقل… ولكن هذا لا يجعلنا لا ننوِّه ولا نشير إلى ذلك الرِّبح والرهان الذي استطاعت المدرسة المغربية أن تحققَه، رغم كل هذه المنزلاقات التي عرفتها، من انفتاح نسبي، وبالتالي التخلِّي عن تلك النظرة التقليدية للفعل التربوي، لكن يبقى هذا التقدمُ وهذا التحول ضئيلًا بالمقارنة مع السرعة التي يعرِفها الانفتاح العالمي
إن فكرةَ الإصلاح في المغرب تحتاج إلى بحوث خاصة، ودراسات عميقة، ليس فقط من منظور جهة واحدة، كما تفعل الدولة المغربية دائمًا، ولكن أيضًا من منظور المجتمع برمَّته، ومن توجهات السياسة المستقبلية والتراكمات التي ولَّدتها لنا أفعال الإصلاح الطويلة المتعاقبة إلى الآن ”خطة المجلس الأعلى للتعليم في استشارة وإشراك الجميع عبر موقعه في الإنترنت بداية لمعرفة الاداء التربوي”، فالحلول الترقيعية التي يتم الاعتماد عليها في كل مناسبة تبقى لا تعالج المشاكلَ الجوهرية والحقيقية، بل تلتفُّ حولها وتراوغها عبر تناسيها أو تأجيلها ”فكم من حاجة قضيناها بتركها أو خَلْق لجنة خاصة لها”.. كل هذا وذاك يجعل المدرسة المغربية تتقدم بخطًى حثيثة نحو المزيد من التردي والانهيار؛ فالخَصَاص الهائل في الموارد البشرية وسوء تدبير هذه الموارد وسوء أحوالها المادية والاجتماعية، والهدر المدرسي، وضعف التحصيل، وعدم ملاءمة المقررات والتدخلات التي لا تراعي معطيات الواقع – تبقى هي التي نجدها في كل التقارير، وفي كل الكتابات التي تعكس أزمة التعليم منذ الاستقلال إلى يومنا هذا، فكل مرة نحاول تغيير الصباغة والمظهر الخارجي لمنزل التعليم ونتجاهل أن المشكل الحقيقي في مواد البناء القديمة والمتآكلة، وفي التصميم والشكل الذي أكل عليه الدهر، وأثرت عليه السنون، كما أننا نعتمد على الطرق التقليدية في الإصلاح، أو اللجوء إلى نماذج أجنبية لا تتوافق مع المناخ المحلي، ولا مع التغيرات التي تحدث في المجتمع… فكيف يعقل أن يُحسَّ الطفل ويعبر عن كرهه للمدرسة عن طريق العنف المتزايد ونحن لا نقوم بدراسة اجتماعية عميقة لفهم الدواعي والأسباب؟ وكيف لنا إصلاح التعليم دون الاعتماد على وسائل الإعلام كأداة وكقنوات أساسية للإصلاح في الوقت الذي نعرف أننا في عصر الصورة والصوت؟
ولكي نتقرب مِن الصورة الواقعية للمدرسة المغربية العمومية، يمكننا أن نلاحظَ عدة اختلالات بنيوية، تهدد وجودها الفعلي، فعلى المستوى البشري، نلاحظ التقليص المستمر للمناصب المالية، مما يترك خَصَاصًا كبيرًا في الموارد البشرية ”كثرة المهام والأعباء، وجود تلاميذ بدون مدرسين، الاكتظاظ، تناسل الأقسام المشتركة، إعادة الانتشار المفبرك تفاقم المعاناة الاجتماعية والإدارية والمهنية للهيئة التربوية هزالة الأجرة والتعويضات أمام الارتفاعات المتتالية للأسعار وهذا بيت القصيد ، ثم غياب عدالة الأجور، والتمييز بين الموظفين في القطاعات الوزارية، شبه غياب للشروط المِهْنية والبيداغوجية المساعدة على العمل، شبه غياب للدعم الاجتماعي والبيداغوجي الكافي للمتعلمين ”هزالة وقلة المنح، ضعف خدمات الإطعام والإيواء، بُعد المدرسة عن سكن التلاميذ، غياب خدمات الدعم النفسي والاجتماعي، قلة المكتبات، عدم التوفُّر الكافي لمرافق الأنشطة الموازية وأنشطة التفتح ، وعلى المستوى التنظيمي والإداري، نلاحظ ضعف الاعتمادات المالية المخصصة للتسيير والتجهيز، ضعف الوسائل اللوجستيكية المساعدة على العمل في ظرف جيدة وبكيفية فعالة وسريعة، على مستوى البنيات التحتية، يمكننا أن نلمس ميدانيًّا عدم كفاية بنايات المؤسسات التربوية والإدارية، تعرُّض مجموعة كبيرة من البنايات إلى التخريب والإهمال، عدم العناية بجمالية الفضاءات، الافتقار إلى المرافق الصحية والتثقيفية والرياضية، قلة السكن الوظيفي أما على المستوى البيداغوجي،
فنلاحظ الارتباك الحاصل في تطبيق الإصلاح البيداغوجي الجديد المعتمد على مدخل الكفايات والتربية على القيم، وذلك بعدم مواكبته تكوينيًّا، وتوفير أشكال الدعم المادية والبشرية والبيداغوجية مع المخلفات السلبية للتوظيف السيئ لتعددية الكتاب المدرسي، بحيث تعمل بعض اللوبيات على إفراغه من أهدافه البيداغوجية والزج به في سوق المضاربات التجارية، دون مراعاة القدرة الشرائية للآباء والأُطر
أهم الحلقات الأساسية لفشل التعليم بالمغرب، وتصنيفها إلى شقين وتتجلى أساسًا في ثلاثة عناصر أساسية، وهي
التنازلات المفرطة للمدرسة العمومية في التسويق لمنتوجها التربوي: إذ أصبحت المدرسة هي التي تسعى إلى تلبية كل الحاجات التي يفرضها المجتمع، فباسم الخصوصيات المحلية تخلَّتِ المدرسة عن دورها كمؤسسة عمومية تمثل الدولة، وباسم الظروف الجغرافية والمناخية تخلت المدرسة عن إيقاعاتها الزمنية، وتركت الفرصة للمدرسين باختيار الوقت المناسب لهم وليس المناسب للمتعلم، وباسم ضغوطات الشركاء والفرقاء تخلت المدرسة عن قوانينها، وبدأت تلبي مطالب النقابات التعليمية من حركة ورخص وتعيينات وتنازلات كبيرة، كما تخلت عن مسؤولياتها القانونية والإدارية من التنقل المدرسي والإطعام المدرسي والحراسة والبنايات والتزويد بالكتب المدرسية وجميع التجهيزات
وباسم سياسة الانفتاح تخلت المدرسة عن قوانينها الداخلية، وعن سلطتها الإدارية، وعن مكانتها التربوية؛ إذ أصبح كلُّ مَن سولت له نفسه أن يدخل ويلج المدرسة دون إذن يسبق ودون إعلان، فتجد الغرباء داخل الساحة، وتجد تدخلات مَن ليس لهم علاقة بالشأن التربوي في كل المناسبات، ليبقى أهل الدار هم آخرَ مَن يعلم بجميع التغييرات والقرارات التي تتخذ، سواء على مستوى الأكاديميات أو النيابات، أو على المستوى المركزي أو المحلي في المؤسسات التعليمية
وهكذا نجد المدرسة اليوم تسعى إلى تلبية كل الحاجات المطروحة عليها من لدن المجتمع، وبالتالي تقع في عدم التوازن الإداري والتربوي، فلا تستطيع تلبية كل هذه الحاجات الكثيرة ولأن كل من حاول إرضاء الجميع فإنه لا محالةَ سيخسر نفسه
فالمواطن هو الذي يلتزم بقوانين الإدارة، وبالتالي عليه تكييف ظروفه مع ظروف هذه المؤسسة؛ فالأُسَر مطالبة باحترام الوقت المقترح من لدن المدرسة، وكذا الشركاء، وعلى المدرسة أن تصونَ كرامتها وحدودها، وأن تتصرف كإدارة لها قانون ولها التزامات، وليس كما نجد اليوم، فالأب لا يقوم بتسجيل طفله إلا بعد أن تطلبه المدرسة وتقدم له الدعم المناسب، سواء على مستوى الكتب ودعم تيسير أما المقاول المكلف ببناء مدرسة فهو لا يلتزم بالوقت؛ لأنها مدرسة، والكُتبيُّ كذلك، والجمعية ”قِسْ على ذلك”
الأثر السلبي لسياسة التعويضات النقدية مقابل العمل الإضافي في صفوف رجال التعليم بمختلف فئاتهم
هذه السياسة التي عرَفتها المدرسة والإدارة التربوية بشكل عام، كانت بسبب تدخُّلات بعض المنظمات الوطنية والدولية في الشأن التربوي، وبالتالي تنظيم تكوينات لفائدة نساء ورجال التعليم، وبالمقابل منحهم تعويضات مادية للتنقل والمبيت، كما أن سياسةَ المشاريع التي جاءت مع البرنامج الاستعجالي كرَّست هذه السياسة، مما له أثَرٌ سلبي على عمل الموارد البشرية داخل المنظومة التربوية؛ إذ تم ربط كل عمل إضافي، وفي بعض الحالات العمل الرسمي، بتحريك آلة التعويضات، وبالتالي إبعاد المجانية والتطوعية في مجال التربية، الذي يحتاج إلى مزيد من التطوع، ومزيد من الخدمة وحب المهنة، فأصبح الجميعُ لا يتقن إلا لغة التعويضات، ولغة البحث عن التمويل، وعن الميزانية، وعن الترقية، وعن تغيير الإطار، وعن الالتحاق بالمكاتب والمشاركة في اللجن، والمشاركة في المشاريع، وفي اتخاذ القرارات ومتابعة الدراسة والتخلي عن العمل الرئيسي للوزارة برمتها، وهو العمل التربوي الصِّرف المرتبط بالمتعلمين؛ إذ أصبح آخر ما يتم التفكير فيه هو ما يجري داخل الفصول الدراسية
غياب التحكُّم والصرامة والإنصاف والالتزام في مختلف القرارات المتخذة على جميع الأصعدة مِن لدن الإدارة التربوية
وهذا مرتبط أساسًا بفكرة دور الإدارة التربوية بمختلف مستوياتها كإدارة تطبق القانون وتلتزم بمختلف الإجراءات المتخذة من طرف جميع الأطراف المشكلة لهذه الإدارة، سواء عن طريق التواصل الداخلي والتواصل الخارجي بين مختلف المكونات وهنا يظهَر لنا مدى قوة جميع الإجراءات والتدابير التي تتخذ في حق كل من يرتكب خطأً إداريًّا وتربويًّا داخل مؤسسة تعليمية أو في الإدارة، فأقصى ما يتم تطبيقه هو إحالته إلى المجلس التأديبي، فأين التقهقر في السلم وفي الرتبة؟ وأين العزل؟ وأين التوقيف؟ وأين الاقتطاع الفعلي من الأجرة؟ والخطير في الأمر داخل دواليب الإدارة التربوية هو غياب التنسيق والتواصل بين مختلف الأجهزة والمكاتب والمصالح والأقسام، وكذا المديريات، وبين النيابات والأكاديميات وهذا بدوره يجسِّد غياب ذلك التحكُّم التربوي، وغياب السلطة، واحترام التخصصات، وكذا الالتزام والمسؤولية؛ فلا أحد يخاف ويحترم القرارات الإدارية المتخذة، ولا يطبق فحوى المذكرات المنظمة والمراسيم، وحتى المنهاج والمقرر الدراسي، وبالتالي القانون برمته؛ لسببين، هما: أن الإدارة لا تلتزم كراعية وحامية لهذا القانون أولًا، ثم غياب الإنصاف والمساواة في تطبيق القانون ثانيًا؛ فالمدرِّس الذي يعمل بجد وبمثابرة لا يكافأ على ذلك، ومثله مثل الذي يتكاسل ولا يقوم بواجبه، وربما في بعض الحالات يرقى هذا الأخير وينتقل إلى مراكز المسؤولية، ويكافأ، عكس الأول، أما على مستوى الالتزامات فالمسؤولون داخل وزارة التربية الوطنية معروفون بكثرة الوعود، وبقلَّة الالتزامات، فكم مِن وعود تعطى ولكن دون تطبيق ودون التزام ومحاسبة! إلى أن أصبح كل ما يقال في الاجتماعات الرسمية وفي المناسبات الحاسمة من قرارات، لا يتم الالتزام بها، وبالتالي تكريس ثقافة محبطة في أوساط نساء ورجال التعليم، شعارها: غياب الثقة، وانتشار اللامبالاة، والوعود الكاذبة
عندما نؤمن بالوطن الواحد وبالقانون فوق الجميع وبسياسة الوحدة في إطار التعدد، لا يعني ذلك أن نترك الفرصة لتقديم مقررات دراسية للمتعلمين في كتب مختلفة وفي مراجع تربوية متعددة، ولأن الطفل المغربي يجب أن يتم التعامل معه كزبون واحد، وبالتالي العمل على توفير الحامل التربوي الموحد، مع إمكانية البحث وفتح المجال بحريته وبإرادته للبحث عن فرص أخرى لكن كإدارة تمثل الدولة وتسعى إلى تكوين مواطن صالح متشبع بقيم وطنية وكونية، فلغة الكتاب المدرسي وسياسته يجب أن تتوحد، وأن تكون الفرصة واحدة، فإلى حدود اليوم يبدو أن سياسة الكتاب المتعدد أصبحت فاشلة وغير مجدية، وبالتالي لكي تكون اللغة واحدة والخطاب موحدًا داخل دواليب وزارة التربية الوطنية علينا أن نعود إلى سياسةِ الكتاب الواحد، وفرض الجودة على المنافسين في التأليف التربوي، وبالتالي احترام فلسفة السوق عن طريق المنافسة حول منتوج وحيد وأوحد وجيد؛ فالتعدد في الكتاب المدرسي يفتح الأبواب أمام عدم الالتزام، وكذا التشتت، وغياب الإنصاف والمساواة، وكذا خلل في المراقبة والتأطير
مِن بين الأخطاء التي ارتكبت في التعليم نجد التغيير الجذري في فلسفة التوقيت المعتمد في التعليم على مستوى الدخول والخروج مع تلك التسهيلات في اختيار الوقت المناسب للمؤسسة، ومع الفهم الخاطئ لهذه السياسة فإن النتائج ولَّدت لنا انعكاسات على مستوى المواظبة والمردودية داخل المدارس، وخاصة في العالم القروي، في الوقت الذي برزت ظاهرة عدم الاستقرار بمقرات العمل من لدن هيئة التدريس وهيئة الإدارة التربوية وهيئة المراقبة والتأطير التربوي؛ فالجميع يريد أن يقطن في المدينة، ويتمتع بكل حقوقه المدنية على حساب واجباته وحقوق الأطفال، أما على مستوى الإدارات بالنيابات والأكاديميات والوزارة بشكل عام فالتوقيت المستمر أصبح توقيتًا صباحيًّا فقط وغير قابل للمراقبة؛ إذ الموظف أو المسؤول لا يلتحق بعمله إلا في حدود التاسعة والنصف، ثم يخرج مع الثانية عشرة بدعوى الغداء والصلاة، ولا يلتحق بمكتبه إلا على الساعة الثالثة ليخرج في الرابعة، وبالتالي هذا له انعكاس على باقي الفئات الأخرى؛ فلا أحد يحترم الوقت، ولا أحد يلتزم بالوقت إلا مَن رحم الله؛ ولهذا فسياسة العودة إلى الوقت الموحد على الصعيد الوطني أصبحت من المداخل الأساسية لإصلاح التعليم، بغضِّ النظر عن تلك التنازلات والتسهيلات فعلى الجميع أن يلتزم باحترام الوقت وبضمان استمرارية المرفق العمومي ”المدرسة كإدارة” وبالتالي إعادة الاعتبار للمدرسة العمومية واستعادة بريقها وإشعاعها وعطائها وسط المجتمع، فالتوقيت المستمر والمكيف المعتمد حاليًّا أصبح مكتسبًا، وله أثَرٌ سلبي على عمل رجل التعليم، كما أصبح متعبًا للتلاميذ والأسر، وعامل تراجع الأنشطة الموازية، والاهتمام بنظافة وتزيين الأقسام، وكذا بالانخراط في هموم الدوار، وربط المدرسة بالمحيط بشكل فعلي؛ فالمدرِّس غير المستقر بمقر عمله أصبح موظفًا في سفر دائم، ولا يفكر إلا في ظروفه الخاصة ”العديد من الأساتذة يقومون بالتنقل اليومي من وإلى المؤسسات التعليمية ووحداتها بمختلف المداشر والقرى المجاورة لمسافات تصل في بعض الحالات إلى 100 كلم”
لقد أصبحت لغة الاقتصاد اليوم هي التي يجب على الجميع أن يتقنَ معجمها، وأن يتسلح بآلياتها، ليس لأن الاقتصاد هو العمود الفقري في الحياة البشرية، بل هو التوجه الذي أصبح طاغيًا ومهيمنًا على الفكر البشري ولأن الاقتصاد هو السلاح الذي يلجأ إليه الإنسان للسيطرة على الوضع، وللتمكن من قواعد كل لعبة كيفما كانت طبيعتها
وهذا أمر واقعي؛ لأن السياسة العالمية والتوجه العام للفكر الدولي الرأسمالي والليبرالي ينبني على هذه الآليات؛ فالنفعية المطلقة والربح السريع والسباق نحو التملك والقمة الاجتماعية والشهرة ثم التسرع لتحقيق الرأسمال الرمزي بشكل سريع وبأقل تكلفة كلها عوامل جعلت المادةَ والمال هي المحرك الأساسي في العصر الحالي، هذا الداء الذي أصيب به المجتمع برمته اليوم وبمختلف شرائحه، حتى الأطفال الصغار لا يمكن لهم أن يقوموا بعمل إلا إذا تحرَّكت آلة النقود، فلا وجود لمفهوم المجانية لديهم، ولو مع آبائهم، أو لمصلحتهم الخاصة فلا يذهب الطفل إلى المدرسة إلا إذا أعطته أمه أو أبوه نقودًا، ولا يمكن أن يذهب عند البقال لشراء ما تحتاجه الأم إلا بعد تقديم مسبق لمبلغ مالي له مقابلَ خدمته؛ فلا خدمةَ بدون مقابل
ان مفاهيم العالم تغيرت فعلى مفاهيم المدرسة والتعليم والتعزيز أن تتغير وتساير الواقع، وبالتالي السير نحو المقاولات التربوية، أردنا أم لم نُرِد، ولأن البنك الدولي والشركات العملاقة هي التي تخطط وتبرمج لما سيتجه إليه العالم
وفكرة تشجيع التعليم الخصوصي هي في الأساس مرتبطة بمفهوم المقاولة التربوية التي تشكل اليوم البوابة الأساسية لفتح المجال أمام أصحاب المقاولات للسيطرة على التعليم، وبالتالي التحكم فيه بشكل كبير جدًّا كما هو الشأن لجميع القطاعات الاجتماعية والاقتصادية، لكن إلى أي حد نجحت المقاولة الاقتصادية في المغرب لكي نضمن نجاح المقاولة التربوية؟
لقد وصلنا في المغرب الآن إلى مرحلة المجالس التعليمية أو التربوية، ومجالس التدبير، ومشروع المؤسسة؛ ولهذا فالمرحلة القادمة وحسب المسار التحديثي العالمي للمدرسة هي مرحلة المقاولات التربوية، فكيف ستكون هذه المرحلة إذًا؟
ان مفهوم المقاولة التربوية هو مفهومٌ غربي، كما هو معلوم، تمَّتْ بلورته في إطار مناخ سوسيوتاريخي محدد، كما أن بنيات المجتمعات الغربية تتَّسِم بنوع من التداخل والتكامل؛ حيث نجد أن الدولة قد تمكنت من النفاذ إلى جميع بنيات ومجلات المجتمع، ومن بينها التعليم، كما أصبحت تتمتع بشرعية ومصداقية، عكس المجتمع المغربي الذي تعرف بنياته الاجتماعية تتفككًا وتباينًا واضحًا، إضافة إلى غياب مشروع مجتمعي يضمن حقوق ومصالح جميع فئات المجتمع على أساس الاستحقاق، حيث تكفي الإشارة إلى دور العلاقات القرابينية والزبونية والدموية في توزيع المراتب والوظائف والأدوار الاجتماعية، وكذلك في تأسيس المقاولات الاقتصادية؛ حيث إلى يومنا هذا يبقى الاقتصاد المغربي اقتصادًا عائلاتيًّا – Economie de famille- وتبقى المقاولات تسير بنظام غير منضبط؛ حيث ثمة إكراهات في التسيير وفي التدبير، وكذلك في الجودة
وما التراجع الكبير في صفوف المقاولات الصغرى والمتوسطة من حيث الأداء والمردودية إلا دليل على وجود مشاكل جوهرية، زِدْ على ذلك الخروقات وعدم احترام القانون وطغيان الزبونية والرشوة في طريقة الحصول على المشاريع التنموية التي ينخرط فيها المغرب هذا كله ما نلاحظه في المقاولات الاقتصادية، فكيف ستكون إذًا المقاولة التربوية؟
بطبيعة الحال، سينتقل الداء إلى ميدان التعليم، وبالتالي نقع في أزمة كبيرة، ستتجلى في الخروقات، وعدم المصداقية في الشهادات التعليمية، وكذلك المعدلات الدراسية، وفي نظام التقويم وبالتالي خرق تلك المناعة التي كان النظام التربوي يتمتع بها ليصله الفساد التام، فتجده دكتورًا حسب الشهادات والوثائق لكنه لا يعرف لأي شيء يصلح البنسيلين كدواء، أو مهندسًا معماريًّا ولا يعرف عن الهندسة المعمارية أية معلومة إنها فعلًا إشكالية يجب التفكير
وأمام هذا الوضع الحقيقي، فإنه يحقُّ لنا أن نتساءَلَ حول مستقبل المدرسة العمومية غدًا، صوب ما يلوح في الأفق من عدم قدرة الدولة على تحمُّل أعباء التعميم المادية والبشرية، والضرب التدريجي لمبدأ المجانية، والتشجيع المتصاعد للتعليم الخصوصي ومدارس النخبة على حساب جودة وجاذبية المدرسة العمومية، وأمام تلك المستجدات الأخيرة، التي بدأت تظهَرُ إلى الوجود من خلال قرارات سريعة للوزارة الوصية، والتي تشير بشكل كبير إلى غيابِ تلك الرؤية الواضحة والمستقبلية لميدان أساسي لكل إصلاح، مع إمكانية القول: إننا لا نتوفر فعلًا على مؤسسة قوية تستطيع أن تدبر ملف التعليم، مما يترك المجال للرجل السياسي الذي يتولى دائمًا هذه الحقيبة، ما يراه ملائمًا ومناسبًا
وإذا ما حاولنا أن نناقش آفاق المدرسة العمومية المغربية، في إطار تلك الرؤية المستقبلية، فإننا نخاف من تلك الحلقة المفرغة التي تدور فيها السياسة التربوية والتعليمة، والتي تدعو دائمًا إلى العودة إلى الصفر، وإلى نقطة الانطلاق الأولى؛ ضمانًا للتحكُّم الفعلي في المؤسسة التعليمية، وأن نصرح بتلك السياسة المعتمدة على الإملاءات الخارجية لكل إصلاح، وبالتالي عدم احترام مقولة “أهل مكةَ أدرى بشِعابها”
وأن نؤمن بضرورة الحتمية التاريخية التي تؤكد عليها النظرية التطورية ”الدورة الخلدونية”
فصلاحُ المجتمع ينطلق من صلاح المدرسة، وكل خطأ يرتكب داخل جدران هذا الحقل سيكون له أثر بليغ على مستقبل الدولة برمَّتها؛ فعلاقةُ المدرسة بالمجتمع علاقة الأم بابنها، وعلاقة السائق بسيارته وعلاقة القائد بجماعته، فالمدرسة هي مقود التطور والتقدم ومفتاح التغيير، وعبر المدرسة يمكن كذلك أن نصنع مجتمعًا متخلِّفًا ومجتمعًا مسالمًا كما نريد؛ ولهذا فعندما نتحدث عن إصلاح التعليم، وبالتالي المدرسة، علينا أن ننظر إلى مستقبل الأمة، وماذا نريد فعلًا من مجتمعنا؟ هل نريده مجتمعًا متقدِّمًا متفتحًا؟ يحب وطنه؟ غيورًا عليه؟ يعتز بهويته؟ قد يدفع ثمن حياته دفاعًا عن وطنه؟ أم مجتمعًا متخلِّفًا لا يحب وطنه؟ ولا يعير أي اهتمام لنفسه ولا لوطنه؟ مجتمعًا متفاوتًا في كل المستويات الثقافية والاقتصادية والاجتماعية؟ وحتى من حيث الملكية والمواقع الجغرافية؟
إن المدرسةَ هي الحل الوحيد والباب الأول الذي يمكن من خلاله أن نفبرك فردًا ثم أسرة، وبالتالي مجتمعًا كاملًا، فداخل المدرسة نجد كل الأطفال ينحدرون من كل الأسر كسفراءَ لها، وهم الذين سيصبحون رجال الغد، فإذا قُمْنا بتربيتهم بشكل جيد وعلى تربية مستقبلية؛ لأنهم خُلقوا لزمن غير زماننا، نضمن مجتمعًا منسجمًا ومتقدمًا، عكس ما وجدناه وما نجده داخل المدرسة المغربية، التي تتخبَّط في أزمات متتالية ومستمرة، وبالتالي تحصد خسائر جسيمة لا يمكن للمجتمع المغربي تفاديها فهي خسارة تربوية ترسَّخت في شخصية الفرد المغربي الذي يفضِّل الهجرة والموت في البحر عن الصمود والنضال من أجل الإصلاح التام، شخصية الفرد المغربي الذي لا يعرف النظام، بل لا يحبه، ويفضل الفوضى أحيانًا عن احترام القوانين، الفرد المغربي الذي لا يميز بين الواجب والحق، الفرد المغربي الذي يفضِّل أن يتمتع بجنسية أجنبية عوض جنسيته الأصلية إنها حقائقُ مُرَّةٌ وواقعية لا يمكن تنكرها أو جهلها، فكل فرد وطِئَت قدمه المدرسة تجده يحس بمرارة الواقع المغربي، وبأزمة التعليم
إن حمايةَ وتقوية المدرسة العمومية هي مسؤولية وطنية بالدرجة الأولى، وهنا لا بد مِن الإشارة إلى أنماط المدارس الموجودة حاليًّا في علاقتها بالمجتمع، ومن خلالها يظهر لنا كيف يجب أن تكون هذه العلاقة؟ وبالتالي الحديث عن أية مدرسة نريد؟
هناك فعلًا ثلاثة نماذج من المدارس تتراوح علاقتها بالمجتمع ما بين الانفتاح والانغلاق، وفي بعض الحالات القطيعة، فإذا أخذنا المدرسة اليابانية – على سبيل المثال – فهي تمثل نموذجًا أوليًّا؛ حيث إن المدرسة هي التي تتحكم في تغيير المجتمع، وبالتالي تقود قاطرة التقدم، ومن خلالها يبدأ أي تغيير؛ لأن المدرسة هي التي تصنع هذا التغيير، أما النموذج الثاني فهو ممثل في المدارس الأوروبية والأمريكية، التي أصبحَتْ فيه علاقة المدرسة بالمجتمع علاقة موازية؛ حيث إن تغيُّر المجتمع والمدرسة في آنٍ واحد، أما النموذج الأخير فهو في دول العالم الثالث، الذي أصبح فيه المجتمع يغيِّر المدرسة ويحولها حسب متطلباته، في الوقت الذي تخاف فيه المدرسة من هذا التغيير، وبالتالي تظهر القطيعة، الأمر الذي جعل المدرسة اليوم قد فقدت مكانتها العلمية والمعرفية، وما بالك عن مكانتها القيادية؟ والأمر هنا بسيط جدًّا؛ لأن المحيط قد لحقته تغييرات سريعة، فرضَتْه عوامل ذاتية وموضوعية، في الوقت الذي ما زالت فيه المدرسة متمسكةً بدورها التقليدي، ولم تغيِّر مِن آلياتها لمواكبة المنافسة الشرسة التي عرَفها ميدان المعرفة والتربية مع ظهور منافسين جدد يسهِّلون للفرد الولوجَ إلى المعرفة بأقل تكلفة، وبوسائل مثيرة للانتباه؛ كالشبكة العنكبوتية الإنترنت، ومختلف القنوات المعرفية والبرامج المدمجة كلها تعتمد على الصورة والصوت؛ ولهذا فانفتاح المدرسة على محيطها المحلي والوطني ثم الدولي أصبح ضروريًّا، وأن يكون انفتاحًا مضبوطًا ومدروسًا ومقنَّنًا بقوانين واضحة، ويجب على رجال السياسة والمفكِّرين ومخططي التربية الاهتمام بهذه الإشكالية؛ لأنها تمَسُّ بشكل مباشر الغاياتِ والأهدافَ العامة للتربية
فالمدرسة المغربية، على سبيل المثال، رغم أنها استطاعت بالفعل، ولو نظريًّا، مسايرة أشكال التطور المعرفي والتربوي اللذينِ عرَفتهما المدرسة الغربية، فإن الواقع وعلى مستوى الميدان نجد أن المدرسة المغربية تحولت إلى عنصر غريب داخل الوسط الذي تعيش فيه؛ حيث لا يوجد انسجام بينها وبين مختلف مكونات المحيط؛ فعلاقة المدرسة المغربية بمحيطها على مستوى الواقع تشير إلى وجود تناقضات؛ حيث المحيط يتجه نحو اتجاه، بينما المدرسة في اتجاه آخر، ولأن نظرة المجتمع إلى المدرسة أصبحت لا تتَّسِم بالرضا، ربما لأن المدرسة بالنسبة إليه أصبحت فاشلة في دورها وفي خدمة هذا المجتمع، فهي فقط معمل لإنتاج العاطلين وبالتالي يحاول المجتمع أن يجعل المدرسة عُرضة للإكراهات والأزمات التي يتخبط فيها، ومن هنا نقترح أن تصبح وزارة التعليم مؤسسة تابعة للمؤسسة الملكية مباشرة، وبالتالي تفادي تلك التخبطات السياسية والحزبية، التي تجعل قطاع تكوين وتربية الإنسان المغربي خلفيةً للبرامج السياسية التي تتغير حسب كل ظرفية، بمعنى: نسعى من هنا إلى فرض سياسة تعليمية مستقرة ومستقبلية، تعتمد على رسم سياسة الدولة المغربية، وبالتالي جعل المدرسة المغربية كمدرسة تقود قاطرة التغيير
وجب علينا جميعًا أن نَعِيَ أولًا أن خطأ الطبيب يدفن المريض تحت الأرض، وخطأ المهندس يوقع البنايةعلى الأرض، بينما خطأ المدرس يمشي بأعجاز جيل فارغ على الأرض، وبالتالي فكل سياسة تربوية تعليمية لا تقدر حجم الأخطاء التي تلج المدرسة العمومية، وبالتالي المدرسة الأصل في جميع المجتمعات التي تقدر نفسها، وتحترم التزاماتها أمام التاريخ وأمام شعوبها، فهي ستكون لا محالةَ في سلة مهملات التاريخ، وبالتالي ضياع الجهد، وضياع الوقت
وبالتالي ان الثقة داخل الإدارة التربوية، وداخل المؤسسات، وتقوية المناعة الداخلية من خلال القدوة واحترام المهنة الشريفة، ورَبْط جميع المسؤوليات بالمحاسبة، والعمَل على اكتساب المناعة الخارجية عن طريق إبعاد كلِّ مَن ليس له شأن بالتعليم، وأن يتم ترك المجال لأهل الدار كي يسيروا أنفسهم بأنفسهم، وبالتالي إبعاد كل الحلول الخارجية للتعليم؛ سيكون أفيدَ وأنجعَ
ان التعليمُ في الحقيقة شأن الجميع، من حيث الولوج والاستفادة، والمساهمة المادية، وتوفير الوسائل، لكن على مستوى التدبير يجب إسناده إلى جهة واحدة تتحمَّل كامل المسؤولية، وتكون سياستها موحَّدة وواضحة، لكي تسهل أولًا عملية المحاسبة، وثانيًا لتوضيح الرؤية واتخاذ القرارات
فالتعليمُ يحتاج إلى إدارة قوية، وإلى التزامات صريحة وواضحة، تؤسس كلها لشعار الثقة والتواصل الفعال كسبيل لضمان المردودية الداخلية والخارجية
للنجاح المدرسي ، والنجاح المجتمعي