-بقلم: عزيز لعويسي
لا يمكن أن ننبش في حفريات المشهد الحزبي والانتخابي الوطني وخاصة الفاسي، دون التوقف عند حميد شباط، الأمين العام السابق لحزب الاستقلال، والعمدة السابق للعاصمة العلمية فـاس، الذي ظلت الإشاعة ترافقه في الحركات والسكنات، وظل الجدل يطارده كالشبح حتى وهو غائب عن المشهد السياسي، فقد عاد الاستقلالي السابق إلى دائــرة الضوء بعد غياب عن الساحة، ربما التهم جانبا من شعبيته وترك فراغا ميسرا أمام لاعبين جدد في الميدان الفاسي، وفضل المجازفة مرة أخــرى في خوض النزال الانتخابي، وكأنه “زاهد انتخابي” خلق ليمارس طقوس السياسة ولا شيء غيرها.
ارتمى بشكل مفاجئ في أحضان جبهة القوى الديمقراطية التي رحبت به بحفاوة وحرارة ومنحته بسخاء “صك التزكية”، بعد أن تخلى عنه قطار الاستقلال الذي تربى وترعرع بين أحضانه، وتعلم في مدرسته أبجديات المناورات السياسية، بل ونجح في أن يتربع على عرش أمانته العامة، فدخل نزال الانتخابات الجماعية بألوان الزيتونة، قاطعا حبل الوريد بينه وبين الميــزان الذي بات بحكم الواقع جزء من الماضي، بل وخصما سياسيا عنيدا، فكسب الرهان الانتخابي باسم الجبهة، في مباراة انتخابية تسيدها لاعبون جدد من الحمامة والجرار والميزان، انتصار صغير لكنه فتح شهية شباط المثير للجدل، من أجل التربع من جديد على عرش عمودية مدينة فـاس التي صنع بين دروبها وحاراتها وأسوارها، مجدا سياسيا عبد له طرقا سيارة نحو العمودية و البرلمان والأمانة العامة لحزب الاستقلال.
الطموح السياسي للرجل، ودخوله السباق الانتخابي حول عمودية فاس، قسم المجتمع الفاسي إلى مؤيدين ومعارضين، وبينهما ارتفع منسوب الترقب والتشويق إلى آخر نفــس، وارتفعت معه أسئلة مشروعة بخصوص مدى توفره على قدرة الصمود والتنافس، ومدى استطاعته عل كسب نزال انتخابي في مواجهة خصوم سياسيين ، أكثر رغبة وإصرارا في هزمه وإزاحته من المشهد السياسي الفاسي، بناء على ما حصلوا عليه من نتائج انتخابية، قلصت من فرص عودته إلى عالم الضوء، لكن تبين بالملموس أن طموح الماضي ليس هو طموح الحاضر وخرائط الأمس ليست هي خرائط اليوم، فتوقفت عجلة أحلام شباط ، كما توقف حمار الشيخ في العقبة، فلا هـو تربع من جديد على عرش عمودية فــاس، ولا هو حافظ على مجده السياسي وعنفوانه الانتخابي، بعدما ذاب جزء من جليد شعبيته، مقابل تعمق بــؤرة الرافضين والغاضبين، ليندحــر في حافة السياسة، تاركا الكرة بين أقدام لاعبين جـدد، سيترقب الجمهور الفاسي طبيعة لعبهم وخططهم على امتداد المباراة.
تراجع شباط إلى الخلف بعد أن هزم نفسه أو هزموه، ليكون حاله كحال العمدة السابق ادريس الأزمي الذي انكسر كما انكسر مصباحه، ولا يسعنا إلا القول أن الهزائم هي قدر في فسلسة الانتخابات ومفهوم وازن في قامــوس السياسة، بالأمس البعيد، زأر أسد حميد بقوة في مدينة فـــاس التي فتحت له أبواب المجد السياسي، واليوم تغيـر الحال بعدما تغيرت قواعد اللعب، ولابد له أن يعترف بالهزيمة بـــروح رياضية من منطلق أن سفن السياسة لا تستقـر على حال، فكم من حزب انكسر في هذه الانتخابات، وكم من مسؤول حزبي عجز حتى على الظفر بمقعد برلماني، وكم من مرشح عاكسته رياح الانتخابات، فكان السقوط والخيبة والانكسار والاندحــار، ليبقى السؤال المشروع كالتالي : هل ينطبق على شباط مثل “لكل حصان كبوة” ؟ هل ينطبق عليه ما ينطبق على الفرق الكبرى التي تمــرض ولا تمـوت ؟هل لازال أسـده قادرا على الزئيــر في الانتخابات القادمة ؟ أم أنه لعب آخـر أوراقه الانتخابية وهو يرتمي في حضـن الزيتونة التي يصعب موازنتها مع الميـــزان ؟ أم أن زمن الرجل انتهى بكل بساطة ؟
وفي جميع الحالات ما حدث من انكسار هو درس على جانب كبير من الأهمية، وبدون شك سوف تكشف الأيام وربما الأشهر والسنوات القادمة، هل انتهى زمن شباط فعـلا ؟ أم أنها استراحة محارب، سيعود من جديد إلى حلبة النــزال والمبارزة لاسترجاع إن صح القول “اللقب الضائع”والحفاظ على الكبرياء أو على الأقل ما تبقى منه ؟ وفي انتظار ذلك، فاليوم هناك “لاعبون جدد”في الملعب الفاسي، أما حميد سيكتفي بالفرجة في الاحتياط وربما من المدرجات، وبدون شك ستكون مناسبة سانحة لترتيب الأوراق ونقد الذات ، لأن الانكسارات تحتاج إلى إصلاح حقيقي وليس إلى ترميم أو “روتوشات”، أو تقتضي التراجع في صمت حفاظا على المجد وصونا للكبريــاء، ونختم بالقول، أن خدمة الوطن لاترتبط بانتصار أو انهزام، فالخدمة متاحة للجميع كل في موقعه، من باب “كلكم راع وكلكم مسؤول عن رعيته”، ومن منطلق أن المسؤوليات هي تكليف وليس تشريف، وهي كذلك أمانة جسيمة جدا بالنسبة لمن تحملها، يفتـرض أن يهرب منها الإنسان ويبتعد عنها ما استطاع إلى ذلك سبيــلا، وليــس الارتماء في أحضانها بشغف ولذة وجشع وطمع وأنانية وهستيريـا.