لكوفية والضراعية

aziz
0
بقلم:    عزيز لعويسي
الهجوم الإرهابي الجبان الذي طال مدينة السمارة،  كان من المفترض، أن  يعجل بخروج العشائر الكوفية إلى الشوارع مثنى وثلاث وربــاع، احتجاجا وتنديدا، باستهداف التراب الوطني والمساس العمدي بأمن وسلامة مواطنين مغاربة، يتقاسمون معنا “تامغرابيت” وتراب هذا الوطن العزيز، ويسرع بتنظيم المجتمع الكوفي، لمسيرات جماهيرية تجــوب  شوارع المدن الكبرى، تحمل فيها صور رموز المملكة والأعلام الوطنية، وترفع فيها شعــارات مفعمة بالوطنية، تتقاطع كلماتها في إدانة إرهاب البوليساريو، والدفاع عن الوحدة الوطنية، واستنكار  ترويع المواطنين الآمنين…
الكوفيون الذين طالما أوجعوا رؤوسنا بشعــارات غزة رمز العزة والقضية الفلسطينية وحماس وإيران، ونظموا العشرات من المسيرات الاحتجاجية، تضامنا مع غزة وإيران، رفعوا خلالها شعارات ضد الدولة واختياراتها الاستراتيجية،  كان يفتـــرض أن يكونوا أول السباقين للخروج إلى الشوارع تضامنا مع السمارة المجاهدة، ودفاعا عن الوحدة الترابية للمملكة، وليثبتوا وطنيتهم الحقة، وارتباطهم اللامشــروط بالوطن وقضاياه ورموزه وثوابتــه الجامعة، لكنهـــم، وكعادتهم، أثبتوا أن ولاءهم الحقيقي، هناك خارج الوطن، في غزة وجنوب لبنان  وجنوب اليمن وطهران، أما الوطن، فيبقى مجرد كلمة في قاموس بئيس، لا موضع قدم فيه، لمفردات التضامن والتعاضد والاستنكار والدفاع والترافــع عن وحدة الأرض وسلامة التراب؛
في الوقت الذي تتوالى فيه مواقف الدول الصديقة والشقيقة، التي لم تترد في التعبير عن مشاعر التضامن مع المغرب، والتنديد بما تعرضت له السمارة من عمل إرهابي جبان، يتوارى نجوم الكوفية عن الأنظار، وتجف آبار  ما يظهرونه في الشوارع من فانتازيا وبطولة ونضال، وهذا ليس بغريب  على من وضع البيض كاملا في سلة إيران ومن يدور في فلكها، ممن يتقاسمون معاداة الوطن ووحدته الترابية، ولا بعجيب، على من تنكر للضراعية والفوقية والتحتية والجلابية…،  وجعل من الكوفية شعارا  والعمامة مذهبا، لتصفية الحسابات ما ظهر منها وما بطن مع  الدولة والوطن؛
بين الكوفية والضراعية، مسافات قد تطول وقد تقصر، لكنها تجسد بكافة تفاصيلها، حالة مقلقة من التصدع، بات عليها الجسد المغربي، تضيع معها “تامغرابيت”، التي تعني في أجل صورها، وحدة الصف والاعتزاز بالقيم الوطنية والتشبث بثوابت الأمة الجامعة، والتضحية والمسؤولية ونكران الذات، والنصرة المشتركة للوطن، لما يكون الوطن في حاجة ماسة إلى النصرة والدعم والسند، لتبــدو في المشهد الأول، عينات من المغاربة من أبناء جلدتنا، يعيشون بين ظهرانينا، لكن قلوبهم ومشاعرهم جافة تجاه الوطن، حتى لو تعرض ترابه إلى الاعتداء والمساس،  ولا تتحرك ولا تفيض هذه القلوب والمشاعر، إلا في حضرة الكوفية والعمامة وكل من يعادي الوطن، وفي المشهد الثاني، مغاربة، ينتصرون للوطن ولقضاياه المصيرية والاستراتيجية، يجعلون من شعار “الوطن أولا” …، شعارا يسمو فوق أي شعار أو اعتبار آخر؛
ومهما نبشنا في حفريات هذه الصورة المضطربة، فالصواب أن تكون مشاعرنا مخلصة للوطن، ووفية لثوابته الجامعة، وميالة للدود عن وحدته وأمنه واستقراره ومصالحه العليا، وجانحة نحو النصرة، في اللحظات التي يكون فيها الوطن محط اعتداء جبان أو مساومة رخيصة أو ابتزاز وضيع، ومن اللائق، بل ومن واجبات المواطنة، أن نكون يدا واحدة وصفا واحدا، دفاعا عن الوطن الذي يجمعنا، وإسهاما في صعوده وإشعاعه بين الأمم، وغير الصواب وغير اللائق، أن يخرج مغاربة من دائرة الإجماع الوطني، ويقدمون مشاعرهم ومواقفهم، قربانا لمن هم يصطفون في خانة الخصوم والأعداء، ومن غير المقبول، أن يتملص هؤلاء، من مسؤولياتهم وواجباتهم أمام الوطن، ويتحولون بقصد أو بدونه، إلى أدوات وضيعة، لخدمة أجندات خارجية معلومة، إلى كوفيين لا يجدون حرجا في إثارة الفتن والنعرات الهدامة، والمساس بالمصالح العليا للوطن، وتصفية الحسابات مع الدولة واختياراتها الاستراتيجية. لذلك، لا تهمهم السمارة، ولا يهمهم أن يعتدى على الوطن، ولا المساس بوحدته وسلامة أراضيه، ولا ننتظر منهم، الهرولة لنصرة الوطن ولا الانضباط أمام محرابه، لكن، ننتظر منهم، أن يستمروا في تربصهم بالوطن، في الخروج إلى الشوارع، وترديد نفس الأسطوانة المشروخة وذات الشعارات الاستعراضية، وممارسة المزيد من العبث، والمزيد من المساس العلني بمصالح الدولة وقضايا الوطن، تحت يافطة النضال الكرتوني، خدمة لحسابات وضيعة وأجندات خاصة؛
من المؤسف جدا، أن تتحول القضية الفلسطينية بـأبعادها الرمزية ودلالاتها الإنسانية، إلى ما يشبه قطار منتصف الليل، حيث يتلاقى السكارى والمعربدين والوصوليين والانتهازيين والحاقدين والكارهين والعدميين والمبخسين، وكل مثيري النعرات وصناع الفتن ما ظهر منها وما وطن، ومن المخجل جدا، أن تتحول باحة الوطن، إلى ساحة مواجهة بين أبناء الوطن الواحد، بين من يعلن الولاء العلني لإيران ومن يدور في فلكها من الأحزاب والتيارات الاندفاعية، ويخدم أجنداتها الخفية والمعلنة، ومن يعلن الولاء للوطن، ويرفع شعار “المغرب أولا .. الوطن أولا وأخيرا”، بين من يوصفون بالكوفيين، الذين ارتموا في حضن أهل الكوفية والعمامة، ومن يصطفون في جبهة الدفاع عن الوطن، ونصرة قضاياه ومصالحه العليا؛
الوطن لم يعد يقبل بازدواجية المواقف ولا الأقنعة المزيفة ولا الوجوه الحربائية، ولم يعد يحتمل المنافقين والكهنة، والمتملصين من واجبات المواطنة، التي تقتضي المسؤولية والانضباط والالتزام ونصرة الوطن، والدفاع عن قضاياه ومصالحه الحيوية. وفي هذا الإطار، لابد من استحضار الخطاب الملكي السامي، الموجه إلى الأمة، بمناسبة الذكرى ال` 34 للمسيرة الخضراء، الذي وجه من خلاله، الملك محمد السادس، البوصلة نحو  مزدوجي المواقف، والمتملصين من واجبات المواطنة، بالقول ” وبروح المسؤولية، نؤكد أنه لم يعد هناك مجال للغموض أو الخداع ، فإما أن يكون  المواطن مغربيا، أو غير مغربي. وقد انتهى وقت ازدواجية المواقف، والتملص من الواجب، ودقت ساعة الوضوح وتحمل الأمانة، فإما أن يكون الشخص وطنيا أو خائنا، إذ لا توجد منزلة وسطى بين الوطنية والخيانة. ولا مجال للتمتع بحقوق المواطنة، والتنكر لها، بالتآمر مع أعداء الوطن”، مضيفا جلالته في ذات الخطاب “لقد حل الوقت الذي يتعين على كافة السلطات العمومية، مضاعفة جهود اليقظة والتعبئة، للتصدي بقوة القانون، لكل مساس بسيادة الوطن، والحزم في صيانة الأمن والاستقرار والنظام العام، الضمان الحقيقي لممارسة الحريات”.
وجب التذكير في خاتمة المقال، أن “غير المغربي” ليس فقط، من يتمتع بحقوق المواطنة، ويتنكر لها، بالتآمر مع خصوم وأعداء الوطن، وخدمة أجنداتهم الخاصة، وإنكار  المؤسسات والرموز وثوابت الأمة الجامعة، هو أيضا، من يعيث في جسد الوطن، حلبا وسلبا ونهبا، هو من يترامى على المال العام، ويفسد في السياسة، ويخون الأمانة، ويقوي الإحساس الفردي والجماعي باليأس وفقدان الثقة في الدولة والمؤسسات والقانون، وينشر ثقافة العبث  والسخافة والتفاهة ويغتــال الذوق العام، ويصنع “تاهركاويت” …، هم الأنانيون والانتهازيون والمصلحيون ومنعدمي الضمير، ممن يعرقلون عجلة الوطن، ويحرمونه من فـــرص الصعود والتقدم والازدهار…، فلا فرق في هذا الإطــار، بين من يتآمر مع أعداء الوطن، ومن يتآمر  على الوطن، بالسلوك المنحط والعابث والتصرف الوضيع … وكلاهما “شركاء في التآمر على الوطن” … مغرب اليوم، يحتاج، إلى مسؤولين ورجالات دولة حقيقيين، يبنون الوطن، بمسؤولية ونزاهة واستقامة وتضحية ونكــران ذات، وينخرطون بوعي وإدراك، في صلب ما ينتظر البلد من رهانات وتحديات آنية ومستقبلية، وفي جوهــر ما يقوده عاهل البلاد، من أوراش تنموية مفتوحة، ومن مبـادرات رائدة، ذات عمق استراتيجي، تضع المغرب على سكة الأمم الصاعدة والمزدهرة، لا إلى مسؤولين ورجالات، يقسون على الوطن، كل بطريقته وأسلوبه وقدارته
اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.