بقلم: حنان الطيبي
ايها السادة المحترمون.. لا شك أن العديد منكم يعلم ما يعلمه حول ما يدور في مدينة فاس بخصوص تصوير بعض المشاهد من السلسلة الأمريكية المشهورة (آنديانا جونس andiana Jones) في جزئها الخامس من بطولة الممثل الأمريكي الأسطورة (هاريسون فورد Harrison Ford) ، هذا الفيلم الضخم الإنتاج والعظيم القصة، جعل الكثير من الحقائق المرة تتعرى بشكل مخزي لتكرس لنا الوضع المؤسف الذي يعيشه الفنانون بمدينة فاس.
وعندما اقول فنانين فلا أعني اولئك المبتدئين في المجال او الذين يزاولون الفن كهواية عابرة او حتى اولئك الذين يتطفلون على الفن من باب “البريستيج”..
بل اقصد بقولي فنانين بتلك الفئة الصغيرة العدد والكبيرة العطاء، والتي شق الشيب مفارقها في مزاولة الفن ولم يتم الالتفات لها ولو بكلمة “شكرا” كنوع من المجاملة من لدن المسؤولين في القطاع تباعا ممن في آذانهم وقر وعلى قلوبهم أكنة.
تلك النخبة التي كونت الأجيال بلا مقابل وتكومت عليها الديون في المقابل، ونسيها او تناساها الراعون الرسميون للقطاع.. من الذين يحضون على طعام ذلك الفنان المسكين وإذا ما افتكروه سهوا قاموا بإهدائه وردة بلاستيكية بلا رائحة وطبقا من نحاس في شبه حفل ليذكروه بنحسه الأصفر في يومه الأسود يوم عشق الفن وتداعياته..
أيها السادة المحترمون.. قد تتساءلون عن ماهية العلاقة بالحديث عن تصوير الفيلم الأجنبي المذكور والحديث عن الفنانين بمدينة فاس، إنها علاقة التأثير والتأثر، بمعنى ان كل طرف يؤثر في الطرف الآخر مرة ويتأثر به مرة أخرى، وبمعنى آخر وفي حالة التأثر فهي نفس الحالة التي تجعل شخصا عار تماما يواري سوأته بيديه عندما يدخل شخص عليه فجأة..وهنا اقصد إقبال الفنانين على المشاركة في الفيلم لا لشيء سوى لاكتساب تجربة أكبر في بلاطوهات السينما العالمية، لكن على حساب إنسانيتهم وقيمتهم المهنية والتي يضرب بها عرض الحائط.. بسبب سوء المعاملة وقلة القيمة التي تمارس عليهم من طرف بعض المشرفين داخل البلاطو من ابناء جلدتهم.
اما في حالة التأثير فهي عندما يتعلق الغريق بأي قشة من شانها ان تنقذه او على الاقل تخفف من المجرى القوي للتيار.. وهنا اقصد التعويضات المادية المزرية لقاء 14 ساعة من الوقوف في البلاطو يوميا، مثبثين فيه كما هي مثبة فيه الأعمدة الضوئية والآلات التقنية، إذ لا يحظون براحة ولا حتى بوقت مخصص للأكل مرغومين على اتباع التعليمات تحت العشوائية واللا تنظيم.
ايها السادة المحترمون…عندما تم الإعلان عن الفيلم الأمريكي في مدينة فاس في طلب لممثلين عابرين (figurants) ، هرول الجميع إلى الكاستينج، وتلكأت نخبتنا من الممثلين المحترفين في الإقبال على هذا الأخير، في خطى ثقيلة عرضوا انفسهم على الكاستينج كما يعرض حامل شهادة عليا نفسه على اجتياز امتحان لمستوى الابتدائي، فلا احد احترافي في اي مجال مهما كان قد يرضى بوضعه مكان ماسح الأحذية، مع كامل احترامي لاصحاب هذه المهنة الشريفة، إلا ان مسح الأحذية قد يتعدى حقيقة المهنة نفسها إلى المجاز في لحس الأحذية وليس فقط مسحها.
بل والأكثر من هذا فعملية لحس الأحذية اصبحت هي الأخرى فنا من الفنون البذيئة في منافسة للفنون الجميلة وقد يجزى صاحبها باحسن الجزاء ومعه شهادة اعتراف، ولما لا فهو يعرف جيدا من اين تؤكل الكتف، ليس في شيء من محترفي الفن من ذوي البطاقات المهنية ممن تعرفهم بسيماهم من التعفف.. والذين يظلون بالشهور والأعوام ينتظرون الفرج عبر كاستينج او غيره في دور كومبارس او اقل من ذلك..
أيها السادة المحترمون… إنه لمن العار أن يحمل الفنان بطاقة معترف بها من الوزارة الوصية على القطاع وتظل تلك البطاقة لصيقة محفظته الجرباء إلى حين نهاية صلاحيتها إلى إشعار آخر، وعند كل إشعار تنتهي صلاحيته هو نفسه رويدا رويدا…
ومن هنا نناشدكم يا رواد الفن ومسؤوليه، يا سادة يا محترمين.. بل ونشد على أياديكم أن تضعوا للفنان اعتبارا إنسانيا وماديا في قائمة أولوياتكم، وليس فقط إعطاؤه بطاقة زقومية لا تسمن ولا تغني من جوع، وان تعملوا جاهدين على بعث الحياة من جديد في ارواح تحتضر في صمت مخجل، فلا الموت ينهيها ولا المنفى عن الفن يعفيها، ولا حتى حياة الذل قد ترضيها، وإنكم إن تنظرون للأمر بجدية ومسؤولية لقادرون على ذلك، اللهم إن كان على قلوب أقفالها؟!!.