يحظى الفنان التشكيلي المغربي عبد القادر مسكار بصيت عالمي على الساحة الفنية والإعلامية حيث تناولت الحديث عنه الصحافة الدولية والأوروبية عبر عدة صحف دولية ومجلات فنية نشرت لوحاته الجميلة والمعارض التي قام بعرض أعماله من خلالها، وعلى سبيل المثال لا الحصر تم نشر المقال التالي حول اعمال الفنان عبد القادر مسكار:
سحر العلامات الإثنوغرافية
لا يزال الفنان التشكيلي عبد القادر مسكار يحفر في جسد العلامات والرموز بحسٍّ إثنوغرافي وأثري يحشد فيه مجموعة من الصور والمرائي المختزلة التي يتطلب فكَّ طلاسمها أكثر من تأويل بصري بالنظر إلى بنيتها التشكيلية ونسقها السيميائي المركب الذي تكوِّنه مفردات مرئية تجريدية لاشكلية Informels عديدة تتشابك تارة..وتلتحم تارة أخرى لتتحرَّك في اتجاهات مختلفة داخل المساحة الإجمالية للوحة. في هذه التصويرية التجريدية..والتجريدية التصويرية تنصهر الرموز والكائنات الميثية الملوَّنة وسط كثافة تعبيرية تتعاقب فيها الدلالات والمعاني لتشكل خطاباً بصريّاً يعكس نزوع الفنان نحو الإلغاز والتورية والإيحاء..إلى غير ذلك من المفاهيم الرديفة التي يستعيرها من “جمالية الغموض” Esthétique d’ambiguité رهانه الإبداعي في هذه التجربة الصباغية التي تطلبت منه جهداً متواصلاً من الاشتغال والاعتكاف داخل المرسم مثل ناسك زاهد.
هكذا تبدو اللوحات التي أمسى ينفذها الفنان مسكار كحدائق غنَّاء مفعمة بمجموعة من التجريدات اللونية التي تحيا وتعيش داخل تراكيب وتكوينات مندمجة تتعاضد فيها المواد والخامات المستعملة، كالأتربة والمساحيق اللونية والأصباغ العجينية التي تستوعب الخدش والدعك والكشط وما ماثل ذلك من التقنيات التشكيلية التي تسمح ببروز الأثر بمستوييه الغائر والناتئ. هذا الأثر يشكل غاية الفنان ورهانه الجمالي لتعزيز اللوحة بلغة إشارية مفعمة بالعديد من العلامات الرموز والأشكال الآدمية والحيوانية والنماذج النباتية المجرَّدة المستوحاة من رحم الثقافة الشعبية ومن البيئة. وبقدر ما هي رموز وعلامات، هي أيضاً حفريات وكتابة تعزيمية مبهمة، غير مقروءة تضع أمام المتلقي خيارات متنوّعة من القراءات البصرية، ذلك أنه في كل مرة يعمل الفنان مسكار على منح لوحاته صفة التعدُّدية Pluralité من خلال تنويع المواد والخامات والصيغ التعبيرية ليبدو في حالات كثيرة وكأنه يلهو ويلعب، لكن بنوع من الالتزام الذي يقتضيه تشكيل اللوحة الصباغية من منظور حديث ووفق مناخات التعبير المتاحة، أو تبعاً للظروف التي يهيؤها بما ينسجم ويتلاءم مع تصوُّره ورؤيته حول دور التصوير اليوم في الحياة المعاصرة.
امتداداً لذلك، يسعى الفنان مسكار إلى تعزيز تجربته الصباغية بما يستفيد من معرفة فنية واحتكاك بصري داخل أوساط فنية أجنبية تعجُّ بالإبداع المتجدِّد والمتحوِّل على إيقاعات سريعة، الأمر الذي يجعله ينفتح إبداعيّاً على مرجعيات بصرية مؤسِّسة وداعمة للفن. يجعله هذا الوضع يشيد مساره الفني بإمكانات فنية أخرى متعددة سرعان ما تندمج في تشكيل اللوحة لتظهر ملأى بتشابك الخطوط والتباس العلامات والرموز وتعاضد الكتل المتراصة بألوان تعبيرية، غامقة وشفيفة، يسودها الأزرق الصوفي والأصفر الساجي والأحمر القاني والبياض النُّوراني، إلى جانب الأسود المستعمل أحياناً لتأسير وإحاطة النماذج المرسومة..
على منحى هذه التجريدات، قرَّر الفنان عبد القادر مسكار السفر في ذاكرة الأساطير والرموز الشعبية المعبِّرة عن بقايا وجودٍ كانَ والشاهدة على ثقافات إنسانية أصيلة مهدَّدة بالتفتت والمحو والزوال. من ثمَّ يظل يسعى بواسطة هذه الآثار الدالة إلى إعادة الاعتبار لوجودنا المحكوم بصيرورة تاريخية سريعة تكاد لا تتوقف..هكذا تحيا المفردات التعبيرية واللونية في لوحات الفنان مسكار بأبعاد أثرية وإثنوغرافية تعكس افتتانه بسحر العلامات والرموز في حدود أشكالها المختزلة ومضامينها التشكيلية المطبوعة بالتضاد والمجاورة والانعكاس..
ولا شك أن هذا المعرض الفردي لَيُعَدُّ خطوة أخرى يتعزَّز بها المسار التشكيلي للفنان عبد القادر مسكار الذي لا يزال يواصل جهوده الإبداعية بهدف إنتاج لوحات صباغية بمواصفات حديثة لا تخلو من فتنة الغواية وفرحة الاكتشاف..
ابراهيم الحَيْسن
المحرس/ تونس: 22 يوليوز 2019