الإفطار العلني في رمضان .. جدل الحريات الفردية

0

– بقلم : عزيز لعويسي

ونحن في صلب خاتمة العشر الأواخر من شهر رمضان الأبرك، وعلى مقربة من عيد الفطر السعيد، تم اعتقال مجموعة من الشباب بتهمة الإفطار العلني في رمضان، في لحظة دينية وروحية يفترض أن ترتفع فيها جرعات الاقتراب من الله بالإقبال على الصلاة والإقدام على فعل الخيرات وإتيان الحسنات، وقراءة ما تيسر من القرآن الكريم والسنة النبوية العطرة للاطلاع على أحكام الصوم وفضائل هذا الشهر العظيم الذي ميزه الله عز وجل عن غيره من الأشهر بليلة “خير من ألف شهر”.

 

عملية الاعتقال أتت انسجاما مع منطوق الفصل 222 من القانون الجنائي المغربي الذي ورد في إطار الفصول الجنائية المتعلقة بالجرائم الماسة بالعبادات، والذي نص على ما يلي : “كل من عرف باعتناقه الدين الإسلامي، وتجاهر بالإفطار في  نهار رمضان، في مكان عمومي، دون عذر شرعي، يعاقب بالحبس من شهر إلى ستة أشهر وغرامة من اثنى عشر إلى مائة وعشرين درهما”، ودون الخوض في تفاصيل هذا المقتضى القانوني، أو الدخول في ظروف وحيثيات إيقاف الأشخاص الموقوفين أو الانخراط في فتح نقاشات بشأن الدوافع التي جعلتهم يخرجون عن القاعدة المجتمعية في أبعادها الدينية والأخلاقية والقيمية والهوياتية، أو محاولة مساءلة ميولاتهم ومرجعياتهم العقائدية والفكرية، فما حدث من اعتقال يعيد إلى الواجهة سؤال “القانون” و”المجتمع” وسؤال “الحريات الفردية” من حيث حدودها وامتداداتها، في ظل مجتمع يتأسس على مرجعية إسلامية وقيمية وأخلاقية، عاكسة لتاريخ إسلامي عريق وحضارة ضاربة في القدم.

 

دعاة ومناصرو الحريات الفردية، ينظرون إلى الفصل المذكور عبر منظور الرفض والتوجس والقلق، ويطالبون بإعادة النظر في المنظومة القانونية القائمة، التي تحد حسب تصورهم، من حرية الأفراد وتجعل التدين “فعلا إجباريا”، بل ويمددون مساحة الحريات الفردية لتشمل ممارسات أخرى من قبيل “الشدود الجنسي” و”العلاقات الجنسية الرضائية” خارج مؤسسة الزواج…، مقابل ذلك، شرائح واسعة من المجتمع المغربي، ترفض أي مساس بالدين، كما ترفض أي محاولة للترامي على منظومة القيم والأخلاق مهما كان المبرر أو الدافع الحقوقي.

 

قد يقول قائل أن “التدين” يفترض فيه الحرية من منطلق أن “لا إكراه في الدين”، ولايمكن إلا أن نقبل بهذا الطرح، لكن في ذات الآن، نتساءل إذا كان الإشكال في ”فعل الإفطار”، فبإمكان الشخص الذي ترتفع لديه جرعات الحريات الفردية، أن يفطر بشكل “غير علني” وفي مكان “غير عمومي”، وهذا ما نص عليه الفصل المذكور الذي ربط العناصر التكوينية لجريمة “الإفطار العلني” بأربعة شروط أولها “اعتناق الدين الإسلامي” و”التجاهر في الإفطار في رمضان” و”عمومية المكان” و”غياب العذر الشرعي”، أما الإصرار على فعل “علنية الإفطار”، فلا نرى فيه إلا جنوحا نحو الإثارة والتشويش والمزايدات التي نحن في غنى عنها.

 

قد يقول آخر أننا في دولة إسلامية نسبة المسلمين فيها تتجاوز 98 في المائة، تحكمها ثوابت دينية تشكل إمارة المؤمنين خيطها الناظم، ولايمكن البتة التطبيع مع ممارسات تتجرأ على الدين وتنتهك الهوية وتطلق العنان لمشاهد التفسخ والانحلال، وفي هذا الإطار، لايمكن إلا أن نساير هذا الطرح، لاعتبارات دينية وهوياتية وقيمية وأخلاقية، لكن في ذات الآن، قد يتساءل البعض إذا كان مبــرر “عدم التطبيع” مع الإفطار العلني نهار رمضان يجد سنده في الدين والدفع بعدم استفزاز مشاعر المغاربة المسلمين، فلماذا تحضر الصرامة في فعل الإفطار العلني، وتحتشم أو تغيب لما يتعلق الأمر ب”تارك الصلاة” رغم أن هذه الأخيرة تشكل عماد الدين أو “المتقاعس عن أداء الزكاة”، و”المتعاطي للخمر” و”الممارس للزنى” و “السارق” و “المترامي على المال العام” أو “المحرض على قتل الأبرياء”؟ وفي نفس السياق نتساءل، لماذا حضر النقاش والجدل بكل ثقله قبل أيام، في مسلسل درامي حول دور “الشيخة”، بينما غاب ويغيب في واقعة “الإفطار العلني في رمضان”؟ لماذا تم إشهار “الورقة الحمراء” في حق الممثلة متقمصة دور الشيخة في عمل إبــداعي خالص، وغابت ذات الورقة في واقعة الإفطار العلني؟

 

إذا ما تركنا هذه الأسئلة جانبا والتي تعكس في مجملها ما نعيشه من اضطرابات مجتمعية “قيمية” و”أخلاقية”، نتساءل من الذي جعل شبابا في مقتبل العمر يتمردون على خصوصيات الأمة بإقدامهم على الإفطار العلني في رمضان وفي مكان عمومي بدون خجل أو حياء؟ وهذا السؤال يصعب النبش في حفرياته في غياب المعطيات الذاتية والموضوعية، لكنه في شموليته يعكس “أزمة مجتمعية” أو “أعطابا مجتمعية” دافعة نحو ثقافة “التمرد” و”الخروج عن المألوف” و”التعصب” و”التطرف” و”العبث” و”انعدام المسؤولية” و”سوء التقدير”، وهذا يسائـل مختلف المؤسسات الفاعلة في المجال الديني والتربوي والاجتماعي والإعلامي، وسواء تعلق الأمر بالعبث الماس بحرمة الدين أو الذي يتم باسم الدين، فنرى أن كلاهما يشكلان خطرا على اللحمة الوطنية في مستوياتها الدينية والفكرية والأخلاقية والقيمية والتربوية، ومسا صريحا بالأمن الروحي للمغاربة.

 

إذا كان مناصرو الحريات الفردية على قلتهم، يراهنون على زحزحة المنظومة القانونية القائمة، بما يضمن إطلاق العنان للميولات والنزوات و”الانزلاقات السلوكية” باسم الانتصار للحريات الفردية، فنرى أن الحرية الفردية في مجملها، لابد من ضبط إيقاعها مع خصوصيات المجتمع وتوجهات الدولة ومرجعياتها، حتى لا تعم الفوضى وتتعمق بؤر الانحراف والخلاف، ونؤسس لمجتمع إسلامي متناقض، نطبع فيه مع ممارسات غير طبيعية منافية لدين الأمة وثوابتها، من قبيل “الإفطار العلني في رمضان” و”الشدود الجنسي” و”العلاقات الجنسية الرضائية”، دون إغفال أن الحرية في جوهرها، تقتضي أولا عدم المساس بحريات وشعائر الأغلبية الساحقة من المغاربة المعتنقين للدين الإسلامي، وعدم التشويش على الممارسات الدينية، وتقتضي ثانيا، احترام الدين الرسمي للدولة والالتزام بدون قيد أو شرط بالمنظومة التشريعية القائمة التي تنظم العلاقات المجتمعية بكل مستوياتها.

 

من يفطر في رمضان – بدون عذر شرعي – بشكل علني وفي مكان عمومي بدون حرج أو حياء – بدل الإفطار في بيته بعيدا عن الأنظار- فهو لم ينتهك فقط قواعد الدين والقيم والأخلاق، بل تطاول بقصد على قاعدة قانونية مقرونة بجزاء، مما يفرض إخضاعه إلى المساءلة والعقاب، وفي هذا الإطار، نرى أن الإشكال ليس في الإفطار من عدمه، بل في إصرار البعض على إتيان تصرفات مخالفة للقوانين الجارية، بدعوى ممارسة الحريات الفردية، لكن نتساءل أية حرية هاته، التي تتجرأ على القوانين وتتطاول على الدين وتترامى على منظومة القيم والأخـلاق؟ أية حرية هاته التي تتجه إلى إدخال المجتمع في حالة من الخلاف والتصادم الذي نحن في غنى عنه؟ وأية حرية هاته التي تجعل قلة قليلة من النــاس تتطاول على منظومة المجتمع في أبعادها العقدية والأخلاقية والقيمية؟

 

ونحن ندلي بهذه الرؤى التي تلزمنا ولا تلزم أحدا، نوضح أننا لسنا ضد “فعل الإفطار في رمضان” اعتبارا لحرية المعتقد، مادام الفعل مرتبطا بعلاقة مباشرة بين العبد والخالق، ولكننا نؤاخذ الإصرار على “العلنية” و”التجاهر بالإفطار” عوض “السرية” والكتمان”، لما لتلك التصرفات من مساس بمشاعر الأغلبية الساحقة للمغاربة المعتنقين للدين الإسلامي ومن تشويش على الدين الرسمي للدولة ومن تأثيرات مباشرة على الأمن الروحي للمغاربة، وقبل هذا وذاك، من انتهاك صريح للقواعد القانونية السائدة التي تؤطر الحريات الفردية والجماعية، ومرة أخرى نجد أنفسنا مضطرين للتساؤل: لماذا يحضر خطاب المشاعر الدينية في “الإفطار العلني”، ويتواضع في ترك الصلاة والتقاعس عن أداء الزكاة والتطبيع مع الزنى والفواحش ما ظهر منها وما بطن؟

 

إذا كانت الجمعيات التي ترافع عن الحريات الفردية وتناضل من أجل إسقاط الكثير من القواعد القانونية التي تنظم الحريات الفردية والجماعية، وتفصيل قوانين حسب مقاس الأهـواء، نتساءل لماذا تستعرض هذه الجمعيات العضلات، لما يتعلق الأمر بقضايا لا تقدم ولا تؤخر ولا تستأثر بأي اهتمام مجتمعي ولا رسمي من قبيل “الإفطار العلني في رمضان” و”الشدود الجنسي” و”العلاقات الرضائية خارج مؤسسة الزواج” باسم الدفاع عن الحريات الفردية، بينما تلعب دور “الكومبارس” في ملفات وقضايا مصيرية مثيرة للقلق من قبيل “أطفال الشوارع” و”هتك عرض الأطفال القاصرين” و”الاغتصاب” و”الهدر المدرسي” و”تشغيل الأطفال القاصرين”، و”أزمة التربية والتعليم” و”الأمية” و”الصحة” و”تعمق بؤر الفوارق الاجتماعية والمجالية” و”تفشي ثقافة السخافة والتفاهة” و”الهجرة غير المشروعة” و”تدني منسوب المواطنة”…؟ وهذه القضايا وغيرها، هي التي تستحق الجدل والنقاش والدفاع والترافع، لارتباطاتها المتعددة الزوايا ببناء الإنسان وتنميته وتشكيل الوعي الجماعي.

 

في جميع الحالات، نرى أن الإشكال لايكمن في الإفطار في نهار رمضان من عدمه، بل في منظومة دينية وأخلاقية وقيمية متناقضة ومضطربة تماما، بات من المألوف أن يحضر فيها “مفطر رمضان” و”الصائم” و”المصلي” و”تارك الصلاة” و”المسجد” و”الحانة”، و”الزاني والزانية” و”المتحصن والمتحصنة” و”اللحية” و”قلة الحية” و”الخمار” و”التبرج” و”الحجاب” و”الفجور”، و”الزكاة” و”الجشع” و”الغنى” و”الفقر” و”المتسامح” و”المتطرف” و”التدين” و”الفساد”، و”الأنانية” و”نكران الذات” و”المسؤولية” و”العبث” و”الشيخ” و”الشيخة” و”الفقهاء” و”تجار الدين” و”الصلحاء” و”البؤساء”…، لذلك لابديل سوى الرهان على التربية والتعليم وإعادة الاعتبار للقيم والأخلاق، لبناء الإنســان/ المواطن “الصالح” و”المسؤول” الذي لا يتقاعس في خدمة الوطن ولا يتردد في الإسهام في ثقافة الرقي والنبل والخير والمحبة والتسامح والتعايش والسلام، فقد نختلف في الرأي والموقف، لكن لابد أن نتملك جميعا أدوات الاحترام والتقدير والإقناع والحجاج الراقي، بعيدا عن جائحة التطرف والعنف والإقصاء، وفي ظل ما نحن فيه من تناقضات مقلقة، فالدولة مطالبة بصون بيضة الدين عبر أدوات التشريع، بما أن الإسلام هو دين الدولة، وبتوفير بيئة آمنة ومستقرة قادرة على ضبط إيقاعات المجتمع في إطار من الانسجام والتعايش والاحترام، حرصا على اللحمة الوطنية وحفظا لهوية الأمة وثوابتها.

 

 

 

 

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.