د المحمدي يكتب : البنية السياسية الحزبية والنقابية وموقع المثقف ..

0

البنية السياسية الحزبية والنقابية وموقع المثقف …
* نحو قراءة تأويلية نسقية للتمثيل والمعنى السياسي *

في المستوى الذي يسبق تشكل الظاهرة السياسية بوصفها معطىً تجريبياً قابلاً للرصد المباشر، لا يعود ما يُسمّى “المشهد السياسي” مجرد تجاور لمؤسسات وأدوار ووظائف، بل يغدو بنيةً دلالية مركبة تُنتج نفسها داخل نظام من التمثلات والرموز وآليات التأويل قبل أن تتجسد في صيغ تنظيمية أو انتخابية. ف”المجال السياسي” ، في عمقه البنيوي، ليس معطىً خارجياً، بل نسقٌ لإنتاج المعنى الجماعي وتوزيع الشرعية الرمزية داخل المجتمع.

ضمن هذا الأفق، لا يمكن فهم “الحزب السياسي” بوصفه مجرد جهاز انتخابي أو بنية تنظيمية للمنافسة على السلطة، بل باعتباره آليةً مؤسساتية لإنتاج التمثيل السياسي داخل الدولة الحديثة، وفق منطق دستوري يجعل من الوساطة الحزبية إحدى قنوات التعبير عن الإرادة الشعبية وتنظيم المشاركة السياسية. وبالمثل، لا تُختزل “النقابة” في بعدها المطلبي أو المهني، بل تُفهم بوصفها بنيةً وسيطة لإعادة تنظيم العلاقة بين العمل والاعتراف، وبين الفعل المهني وشروطه الاجتماعية والمؤسساتية.

أما “المثقف” ، في هذا السياق، فلا يُنظر إليه كفاعل خارجي أو سلطة معرفية متعالية، بل كموقعٍ تأويلي داخل الحقل نفسه، يشتغل على تفكيك البنى الرمزية التي تنتج الخطاب السياسي وتعيد إنتاجه. فهو ليس بديلاً عن الفاعل الحزبي أو النقابي، بل لحظة انعكاسية داخل النظام ذاته، تكشف شروط اشتغاله وحدود بداهاته.

إن ما يُوصف بـ”تفكك المشهد السياسي” لا يحيل بالضرورة إلى انهيار البنية، بل إلى إعادة تشكّلها داخل مستويات أكثر تعقيداً من التمايز الوظيفي والتداخل المؤسسي. فالأحزاب لم تعد تحتكر إنتاج المعنى السياسي، بل أصبحت جزءاً من منظومة أوسع تتقاسم فيها وسائل الإعلام، والفضاء الرقمي، والفاعلون الاجتماعيون، إنتاج التمثلات السياسية وتوجيهها. كما أن النقابات لم تعد تعمل داخل أفق تمثيلي أحادي، بل داخل تعددية في أنماط التعبير عن المطالب وإعادة تعريف العدالة المهنية والاجتماعية.

في هذا السياق، لا يُفهم التوتر بين الحزبي والنقابي والمثقفي كتعارض خارجي، بل كبنية داخلية حاكمة لنظام إنتاج الفعل السياسي ذاته. فكل عنصر من هذه العناصر لا يكتمل إلا داخل علاقته بالآخر؛ فالحزب، بوصفه بنية تمثيلية، يحتاج إلى الامتداد الاجتماعي الذي توفره البنى النقابية؛ والنقابة تحتاج إلى الإطار السياسي الذي يمنح مطالبها بعداً تشريعياً ومؤسساتياً؛ والمثقف يشتغل داخل هذه العلاقة بوصفه جهازاً نقدياً يكشف منطق التمثيل ذاته ويعيد مساءلة شروط إنتاجه.

ومن منظور نسقي، فإن هذه البنيات لا تتأسس على الانسجام بقدر ما تتأسس على توترات منظمة تُنتج استمراريتها. فالتوتر بين التمثيل والتعبير، بين التنظيم والمطلب، بين الخطاب والتفكيك، هو ما يسمح للنظام السياسي بالحفاظ على ديناميته الداخلية دون أن يتحول إلى بنية مغلقة أو متجانسة.

ضمن هذا الأفق، يضطلع المثقف بوظيفة إبستمولوجية نقدية، تتمثل في تفكيك آليات إنتاج المعنى السياسي، والكشف عن البنى غير المرئية التي تؤطر اشتغال الفعل الحزبي والنقابي. غير أن هذه الوظيفة لا تُفهم خارج الحقل السياسي ذاته، بل بوصفها جزءاً من دينامية داخلية لإعادة إنتاج الوعي السياسي عبر مساءلة شروطه.

إن القراءة التأويلية للبنية السياسية، بهذا المعنى، لا تسعى إلى نفي الفاعلين أو اختزال أدوارهم، بل إلى إعادة فهم موقعهم داخل نسق معقد من العلاقات الرمزية والمؤسساتية. فالمجال السياسي لا يُختزل في الفاعلين، بل يتجسد في البنى التي تجعل من أفعالهم ممكنة وقابلة للفهم داخل أفق اجتماعي وتاريخي محدد.

وعليه، فإن ما يبدو تفككاً في الشكل السياسي هو في العمق إعادة تركيب للوساطة السياسية داخل شروط جديدة من إنتاج المعنى والتمثيل. وفي هذا السياق، يصبح السؤال المركزي ليس هو سؤال الانهيار أو الأزمة، بل سؤال التحول: كيف يعاد إنتاج السياسي داخل تحولات البنية الاجتماعية والتواصلية؟ وكيف يعاد تعريف وظيفة الحزب والنقابة والمثقف داخل هذا التحول البنيوي؟

إن الإجابة عن هذا السؤال لا يمكن أن تكون وصفية أو تقنية، بل تستلزم مقاربة نسقية–تأويلية تُعيد ربط السياسي بشروط إنتاجه العميقة، وتضع الفاعل السياسي داخل أفقه البنيوي لا بوصفه ذاتاً مستقلة، بل بوصفه عنصراً داخل شبكة معقدة من العلاقات التي تنتج المعنى وتعيد توزيعه داخل المجتمع.

بهذا المعنى، يغدو الفكر النقدي للمثقف ممارسةً لإعادة بناء السؤال السياسي ذاته، لا بوصفه سؤالاً عن السلطة فقط، بل بوصفه سؤالاً عن شروط إمكان التمثيل، والمعنى، والشرعية داخل الفضاء العمومي المعاصر …

د. عبد الصمد المحمدي | 25/05/2026

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.