زهير أصدور: “الأحزاب مطالبة بتقديم حصيلة… لا وعود جديدة.”
زهير أصدور: “الأحزاب مطالبة بتقديم حصيلة… لا وعود جديدة.”
دردشة مع ياسمين الحاج 7 غشت 2026
في سياق الاستعداد للاستحقاقات التشريعية المقبلة، وما يرافقها من نقاشات حول مستقبل الممارسة السياسية، ومستوى الثقة في المؤسسات المنتخبة، والتحديات الاقتصادية والاجتماعية التي تواجه المملكة، تستضيف الإعلامية ياسمين الحاج ” لهذا العدد الأستاذ زهير أصدور، المحامي بهيئة الرباط، ورئيس التكتل الديمقراطي المغربي، وعضو المكتب السياسي لحزب الحركة الشعبية، ونائب المنسق الوطني للائتلاف المغربي لهيئات حقوق الإنسان.
بداية، نرحب بكم في زاوية “دردشة مع ياسمين الحاج”. حبذا لو تعرفون القراء بشخصكم الكريم، وتحدثوننا عن أبرز محطات مساركم المهني والسياسي، والدوافع التي قادتكم إلى الانخراط في العمل العام، وكيف تنظرون اليوم إلى مسؤولية الفاعل السياسي في ظل الاستحقاقات التشريعية المقبلة والتحديات التي يواجهها المغرب؟
شكرا لكم أستاذة ياسمين على هذه الاستضافة الكريمة، وعلى إتاحة هذه الفرصة للمساهمة في نقاش وطني حول محطة سياسية ودستورية مهمة، خاصة ونحن على أبواب استحقاقات تشريعية سيكون لها أثر مباشر على مستقبل السياسات العمومية ببلادنا.
أنا زهير أصدور، محام بهيئة الرباط، رئيس التكتل الديمقراطي المغربي، وعضو المكتب السياسي لحزب الحركة الشعبية، ونائب المنسق الوطني للائتلاف المغربي لهيئات حقوق الإنسان.
اخترت الانخراط في العمل السياسي انطلاقا من قناعة راسخة بأن السياسة ليست امتيازا ولا وسيلة لتحقيق المصالح الشخصية، بل مسؤولية وطنية وأخلاقية تقتضي الدفاع عن دولة القانون والمؤسسات، وصيانة كرامة المواطن، والمساهمة في بلورة حلول واقعية للتحديات التي تواجه الوطن.
وخلال مساري، انشغلت بعدد من القضايا المرتبطة بالإصلاح السياسي، والحكامة، والعدالة المجالية، وحقوق الإنسان، وحرصت دائما على أن يكون موقفي مبنيا على قراءة موضوعية للوقائع، وعلى الجرأة في التعبير عن المواقف، مع الالتزام بثوابت المملكة ومصالحها العليا.
أما دوافع انخراطي في الشأن العام، فتعود إلى إيماني بأن الديمقراطية لا يمكن أن تتطور إلا بمشاركة سياسية حقيقية، وأن الإصلاح المستدام يتحقق من داخل المؤسسات، عبر تعزيز نجاعتها، وترسيخ مبادئ الشفافية وربط المسؤولية بالمحاسبة، والعمل على إنتاج سياسات عمومية تستجيب لحاجيات المواطنين.
واليوم، ونحن نستعد لاستحقاقات تشريعية جديدة، أعتقد أن الفاعل السياسي مطالب أكثر من أي وقت مضى باستعادة ثقة المواطن، وهي ثقة تعرضت خلال السنوات الأخيرة لاهتزاز واضح نتيجة اتساع الفجوة بين كثير من الوعود الانتخابية وواقع الإنجاز، فضلا عن تنامي الإحساس لدى فئات واسعة ببطء معالجة عدد من القضايا الاجتماعية والاقتصادية.
لذلك، فإن المرحلة المقبلة تقتضي خطابا سياسيا صادقا، وبرامج قابلة للتنفيذ، ونخبا تتحمل مسؤولياتها بكل وضوح، لأن المغاربة لم يعودوا يقيمون الفاعل السياسي بما يرفعه من شعارات، وإنما بما يحققه من نتائج ملموسة في التشغيل، والتعليم، والصحة، والعدالة الاجتماعية، والتنمية المجالية.
وفي تقديري، فإن الانتخابات المقبلة ليست مجرد تنافس انتخابي بين الأحزاب، بل هي فرصة لتجديد الثقة في العمل السياسي، وتعزيز المسار الديمقراطي، ومواصلة الأوراش الإصلاحية الكبرى التي تعرفها بلادنا تحت القيادة الرشيدة لصاحب الجلالة الملك محمد السادس نصره الله، بما يضمن تحقيق التنمية، وصيانة الاستقرار، وترسيخ مكانة المغرب إقليميا ودوليا.
السؤال الثاني:
كيف تنظرون إلى أهمية الانتخابات التشريعية المقبلة في ترسيخ المسار الديمقراطي، وما أبرز الرهانات التي تميزها عن الاستحقاقات السابقة؟
الجواب:
أعتقد أن الانتخابات التشريعية المقبلة تكتسي أهمية استثنائية، ليس فقط لأنها ستفرز أغلبية حكومية جديدة، وإنما لأنها تشكل محطة حاسمة في مسار ترسيخ الخيار الديمقراطي الذي اختاره المغرب تحت القيادة الرشيدة لجلالة الملك محمد السادس نصره الله. فهي تأتي في ظرفية دقيقة تتقاطع فيها تحديات اقتصادية واجتماعية غير مسبوقة مع أوراش وطنية كبرى، من قبيل مواصلة بناء الدولة الاجتماعية، والاستعداد لاحتضان كأس العالم 2030، وتعزيز السيادة الاقتصادية، وتسريع وتيرة الإصلاحات التي يشهدها المغرب.
لكن هذه الاستحقاقات تجرى أيضا في سياق سياسي ومجتمعي مختلف عن سابقاته. فهناك نقاش واسع حول أداء المؤسسات المنتخبة، وحول قدرة الفاعل الحزبي على القيام بأدواره الدستورية، كما أن نسبة مهمة من المواطنين أصبحت تنظر إلى العمل السياسي بنوع من التحفظ، نتيجة الفجوة التي اتسعت خلال السنوات الأخيرة بين الوعود الانتخابية والنتائج المحققة على أرض الواقع.
لقد أصبح المواطن المغربي أكثر وعيا وأكثر قدرة على تقييم السياسات العمومية، ولم يعد يقيس نجاح الحكومات بما يرفع من شعارات، وإنما بما تنعكس به قراراتها على حياته اليومية. فالتشغيل، وغلاء المعيشة، وجودة التعليم، والنهوض بالمنظومة الصحية، والعدالة المجالية، وتحسين الخدمات العمومية، أصبحت هي المعايير الحقيقية التي يحاكم بها المواطن الأداء الحكومي والحزبي.
ومن هذا المنطلق، فإن الرهان الأساسي للانتخابات المقبلة لا يتمثل في معرفة الحزب الذي سيقود الحكومة، بقدر ما يتمثل في استعادة ثقة المواطن في العملية السياسية برمتها. فالديمقراطية لا تختزل في تنظيم انتخابات دورية، مهما كانت نزاهتها، وإنما تقاس بقدرة المؤسسات المنبثقة عنها على إنتاج سياسات عمومية فعالة، وتحقيق التنمية، وصيانة الكرامة، وتكريس مبدأ ربط المسؤولية بالمحاسبة.
وأعتقد أن ما يميز هذه الانتخابات عن سابقاتها هو أن الأحزاب السياسية ستكون مطالبة، أكثر من أي وقت مضى، بتقديم حصيلة واضحة، وبرامج واقعية قابلة للتنفيذ، ونخب تمتلك الكفاءة والنزاهة والقدرة على التدبير. لقد تجاوز المواطن مرحلة الانبهار بالشعارات، وأصبح يبحث عن المصداقية، وعن المسؤول الذي يلتزم بما يعد به، ويملك الجرأة على اتخاذ القرار، والكفاءة اللازمة لتنفيذه.
كما أن هذه الاستحقاقات تمثل فرصة حقيقية لإعادة الاعتبار للفعل السياسي، وتجديد النخب، وتقوية دور الأحزاب باعتبارها مؤسسات للتأطير والاقتراح، لا مجرد آليات انتخابية تشتغل في موسم الاقتراع ثم تغيب عن هموم المواطنين. فالمشهد السياسي اليوم في حاجة إلى خطاب صادق، وممارسة مسؤولة، وتنافس يقوم على البرامج والكفاءات، وليس على المال أو النفوذ أو التسويق الإعلامي.
وفي تقديري، فإن نجاح الانتخابات المقبلة لن يقاس بنسبة المشاركة أو بعدد المقاعد التي سيحصل عليها هذا الحزب أو ذاك، وإنما بمدى قدرتها على إفراز مؤسسات قوية وذات مصداقية، قادرة على مواكبة الأوراش الملكية الكبرى، والاستجابة للانتظارات المشروعة للمغاربة، وإعادة الثقة في السياسة باعتبارها أداة للإصلاح وخدمة الصالح العام، لا مجالا للصراع حول المواقع والمصالح.
السؤال الثالث:
كيف تقيمون واقع المشهد السياسي المغربي اليوم، وهل ترون أنه مهيأ لإفراز نخب قادرة على الاستجابة لانتظارات المواطنات والمواطنين؟
الجواب:
أعتقد أن المشهد السياسي المغربي يقف اليوم أمام منعطف مهم. فمن جهة، راكم المغرب تجربة دستورية ومؤسساتية مهمة، وعزز مكانته كبلد ينعم بالاستقرار في محيط إقليمي ودولي متقلب، وهو مكسب استراتيجي ينبغي الحفاظ عليه. ومن جهة أخرى، فإن هذا الاستقرار يفرض على الفاعلين السياسيين الارتقاء بأدائهم حتى يواكبوا حجم التحولات التي تعرفها بلادنا، ويستجيبوا لتطلعات المواطنين.
وقد أكد جلالة الملك محمد السادس نصره الله، في أكثر من خطاب، أن الغاية من المؤسسات ليست وجودها في حد ذاته، وإنما قدرتها على خدمة المواطن وتحقيق التنمية، وهو ما يجعل من النجاعة والفعالية معيارا أساسيا لتقييم الأداء السياسي.
ولا يمكن إنكار أن المشهد السياسي يواجه اليوم تحديات حقيقية، في مقدمتها تراجع منسوب الثقة لدى جزء من المواطنين، وضعف التأطير السياسي، وغياب النقاش العمومي حول البرامج، مقابل تصاعد الاهتمام بالأشخاص والصراعات الظرفية، وهو ما ينعكس بوضوح في النقاشات الدائرة عبر وسائل الإعلام ومنصات التواصل الاجتماعي. كما أن عددا من الشباب أصبح يتساءل عن مدى قدرة الأحزاب على تمثيل انتظاراته وتقديم حلول عملية لمشاكله اليومية.
وفي تقديري، فإن المغرب لا يعاني من خصاص في الكفاءات، بل يتوفر على طاقات سياسية وأكاديمية ومهنية وشبابية كبيرة، داخل الأحزاب وخارجها. غير أن الإشكال يكمن في كيفية استقطاب هذه الكفاءات، وتمكينها من الاضطلاع بأدوارها، وترسيخ الديمقراطية الداخلية، واعتماد الكفاءة والنزاهة والاستحقاق معيارا أساسيا لتحمل المسؤولية، بعيدا عن كل الاعتبارات الأخرى.
ومن هنا، فإن الرهان الحقيقي لا يتمثل فقط في تجديد الوجوه، وإنما في تجديد الثقافة السياسية نفسها، حتى تصبح الممارسة الحزبية فضاء لإنتاج الأفكار والبرامج والحلول، لا مجرد آلية للتنافس الانتخابي.
وأعتقد أن الاستحقاقات المقبلة ستكون مناسبة لاختبار مدى قدرة الأحزاب على تقديم نخب تمتلك الكفاءة والمصداقية والرؤية، لأن المواطن المغربي أصبح أكثر وعيا، وأكثر قدرة على تقييم الحصيلة، ولم يعد يمنح ثقته إلا لمن يملك مشروعا واضحا، ويقدم حلولا قابلة للتنفيذ، ويجعل المصلحة الوطنية فوق كل اعتبار.
إن قوة الديمقراطية لا تقاس فقط بتعدد الأحزاب أو بتنظيم الانتخابات في مواعيدها الدستورية، وإنما تقاس أيضا بجودة النخب التي تفرزها، وبقدرة المؤسسات المنتخبة على الاستجابة الفعلية لتطلعات المواطنين، وتجسيد التوجيهات الملكية الداعية إلى ترسيخ الحكامة الجيدة، وربط المسؤولية بالمحاسبة، وجعل المواطن في صلب كل السياسات العمومية.
السؤال الرابع:
كيف تقيمون أداء المؤسسة التشريعية خلال الولاية الحالية؟ وهل نجحت في الاضطلاع بأدوارها التشريعية والرقابية والاستجابة لتطلعات المواطنين؟
الجواب:
إن تقييم أداء المؤسسة التشريعية خلال الولاية الحالية ينبغي أن يستند إلى معايير موضوعية، بعيدا عن منطق التعميم أو إصدار الأحكام المطلقة. فالبرلمان مؤسسة دستورية تضطلع بوظائف أساسية في التشريع والرقابة وتقييم السياسات العمومية، وقد صادق خلال هذه الولاية على عدد من النصوص القانونية المرتبطة بالأوراش الإصلاحية الكبرى التي يقودها جلالة الملك محمد السادس نصره الله، لاسيما في مجالات تعميم الحماية الاجتماعية، وتشجيع الاستثمار، وإصلاح منظومة العدالة، وغيرها من الإصلاحات ذات البعد الاستراتيجي.
غير أن تقييم الأداء البرلماني لا يقاس فقط بعدد القوانين المصادق عليها، وإنما أيضا بجودة هذه التشريعات، ومدى انسجامها مع الدستور، وقدرتها على الاستجابة للانتظارات الحقيقية للمواطنين، فضلا عن فعالية البرلمان في ممارسة اختصاصاته الرقابية.
ومن هذا المنطلق، أعتقد أن المؤسسة التشريعية كان بإمكانها أن تضطلع بدور أكثر حضورا في مواكبة عدد من القضايا التي شغلت الرأي العام، وفي مقدمتها غلاء المعيشة، والبطالة، والتفاوتات المجالية، وإشكالات التعليم والصحة، فضلا عن تقييم أثر السياسات العمومية ومدى تحقيقها للأهداف التي وضعت من أجلها. فالمواطن ينتظر من البرلمان أن يكون فضاء للنقاش المسؤول، وأن يمارس رقابة فعالة تسهم في تحسين الأداء الحكومي، وليس مجرد مؤسسة للمصادقة على مشاريع القوانين.
وبصفتي منخرطا في العمل الحقوقي، أرى أن جودة التشريع تقاس أيضا بمدى مساهمته في حماية الحقوق والحريات، وتعزيز الأمن القانوني والقضائي، وترسيخ مبادئ المساواة والإنصاف، واحترام الالتزامات الدستورية والدولية للمملكة في مجال حقوق الإنسان. لذلك فإن التشريع الجيد هو الذي يوفق بين متطلبات التنمية وضمان الحقوق، ويضع المواطن في صلب كل سياسة عمومية.
وقد أكد جلالة الملك في عدد من خطاباته أن المؤسسات ينبغي أن تجعل المواطن محور اهتمامها، وأن تقاس نجاعتها بمدى انعكاس أدائها على تحسين ظروف عيش المواطنين وتعزيز ثقتهم في مؤسسات الدولة. ومن هذا المنطلق، فإن البرلمان مطالب بأن يكون أكثر انفتاحا على المجتمع، وأكثر تواصلا مع المواطنين، وأن يوسع دائرة التشاور مع الجامعات، والخبراء، وهيئات المجتمع المدني، بما يضمن إنتاج تشريعات أكثر جودة وواقعية.
وأعتقد أن البرلمان المقبل سيكون أمام مسؤولية مضاعفة، ليس فقط في سن القوانين، وإنما أيضا في ترسيخ ثقافة تقييم السياسات العمومية، وتعزيز الرقابة البرلمانية، وتفعيل الآليات الدستورية التي تكرس مبدأ ربط المسؤولية بالمحاسبة، حتى تستعيد المؤسسة التشريعية مكانتها باعتبارها فضاء للتعبير عن انتظارات المواطنين، وجسرا بين المجتمع ومؤسسات الدولة، وشريكا أساسيا في تعزيز دولة الحق والقانون.
السؤال الخامس:
برأيكم، ما أبرز الأولويات التي ينبغي أن يضعها البرلمان المقبل في صدارة اهتماماته؟
الجواب:
في اعتقادي، ينبغي أن ينطلق البرلمان المقبل من رؤية واضحة مفادها أن التشريع ليس غاية في حد ذاته، وإنما وسيلة لتحقيق التنمية، وتعزيز العدالة، وصيانة الحقوق، وتحسين جودة حياة المواطنين. فالمواطن اليوم لا يقيس نجاح المؤسسة التشريعية بعدد القوانين التي تصدر، وإنما بمدى انعكاسها على واقعه اليومي.
وقد أكد جلالة الملك محمد السادس نصره الله، في أكثر من مناسبة، أن المرحلة المقبلة تقتضي رفع نجاعة المؤسسات، وتسريع وتيرة الإصلاحات، وجعل المواطن في صلب كل السياسات العمومية. ومن هذا المنطلق، أرى أن البرلمان المقبل مطالب بالتركيز على مجموعة من الأولويات الاستراتيجية.
في مقدمة هذه الأولويات يأتي التشغيل، باعتباره المدخل الحقيقي لتحقيق الكرامة والاستقرار الاجتماعي. فالمطلوب هو توفير إطار تشريعي يشجع الاستثمار المنتج، ويواكب المقاولات، وخاصة الصغرى والمتوسطة، ويربط منظومة التكوين بحاجيات سوق الشغل، ويهيئ الظروف لخلق فرص عمل مستدامة، خاصة لفائدة الشباب.
وتأتي بعد ذلك منظومة التعليم والتكوين، باعتبارها الاستثمار الحقيقي في المستقبل. فالإصلاح المنشود لا يقتصر على مراجعة المناهج أو تحسين البنيات التحتية، وإنما يهدف إلى بناء مدرسة وجامعة قادرتين على إعداد أجيال مؤهلة لمواكبة التحولات الاقتصادية والعلمية والتكنولوجية.
كما أن البرلمان المقبل مطالب بمواصلة مواكبة ورش الدولة الاجتماعية، من خلال تطوير المنظومة التشريعية المرتبطة بالحماية الاجتماعية، وتحسين جودة الخدمات الصحية، وتعزيز العدالة المجالية، وتقليص الفوارق بين الجهات، بما يضمن تكافؤ الفرص لجميع المواطنات والمواطنين.
وفي ظل التحديات التي تواجهها بلادنا، يبرز أيضا ملف الأمن المائي والسيادة الغذائية باعتبارهما من القضايا الاستراتيجية التي تستوجب مواكبة تشريعية ورقابية مستمرة، إلى جانب إعداد الإطار القانوني الكفيل بمواكبة التحول الرقمي، وتشجيع الابتكار، والاستعداد لمتطلبات الاقتصاد الرقمي والذكاء الاصطناعي، بما يعزز تنافسية الاقتصاد الوطني.
ومن منظور حقوقي، أرى أن البرلمان مطالب كذلك بتطوير التشريعات بما يعزز دولة الحق والقانون، ويحمي الحقوق والحريات، ويكرس الأمن القانوني والقضائي، ويضمن ملاءمة القوانين الوطنية مع أحكام الدستور والالتزامات الدولية للمملكة، في إطار ثوابتها الدستورية والوطنية.
ولا تقل أهمية عن ذلك الوظيفة الرقابية للبرلمان، إذ ينبغي الارتقاء بآليات مراقبة العمل الحكومي وتقييم السياسات العمومية، حتى تصبح الرقابة وسيلة لتجويد الأداء، وتصحيح الاختلالات، وترسيخ مبدأ ربط المسؤولية بالمحاسبة.
وفي تقديري، فإن نجاح البرلمان المقبل لن يقاس فقط بحجم التشريعات التي سيصدرها، وإنما بقدرته على استعادة ثقة المواطنين، والانفتاح على المجتمع، والإنصات للفاعلين الاقتصاديين والاجتماعيين والمهنيين، واعتماد المقاربة التشاركية في إعداد القوانين. فالديمقراطية القوية هي التي تجعل من البرلمان فضاء للحوار وصناعة الحلول، ومؤسسة تترجم انتظارات المواطنين إلى سياسات وتشريعات ذات أثر ملموس على حياتهم.
السؤال السادس:
كيف يمكن استعادة ثقة المواطن في العمل السياسي وتشجيعه على المشاركة الفاعلة في الانتخابات؟
الجواب:
في اعتقادي، لا يمكن استعادة ثقة المواطن في العمل السياسي بمجرد الخطابات أو الحملات الانتخابية، وإنما من خلال ممارسات تعكس المصداقية والالتزام واحترام التعاقد السياسي مع الناخبين. فالثقة تبنى بالفعل، وتتراجع عندما تتسع الهوة بين الوعود والإنجازات.
لقد أصبح المواطن المغربي اليوم أكثر وعيا، وأكثر قدرة على تقييم الأداء، بفضل اتساع فضاءات النقاش العمومي ووسائل الإعلام ومنصات التواصل الاجتماعي. ولم يعد يقبل بالخطاب العام أو بالشعارات التي لا تجد ترجمتها في السياسات العمومية. لذلك، فإن أول مدخل لاستعادة الثقة هو الصدق مع المواطنين، وتقديم برامج واقعية، قابلة للتنفيذ، ومصحوبة بآليات واضحة للتتبع والتقييم.
كما أن الأحزاب السياسية مطالبة بالاضطلاع الكامل بأدوارها الدستورية في التأطير والتكوين والتأطير المستمر للمواطنين، وألا يقتصر حضورها على المواسم الانتخابية. فالحزب السياسي مطالب بأن يكون مدرسة لإعداد الكفاءات، وفضاء للنقاش الديمقراطي، وجسرا بين المجتمع ومؤسسات الدولة، وليس مجرد إطار لخوض الاستحقاقات الانتخابية.
ومن منظور حقوقي، فإن ترسيخ الثقة يمر أيضا عبر تعزيز دولة الحق والقانون، وحماية الحقوق والحريات، وتكريس المساواة أمام القانون، وضمان الشفافية في تدبير الشأن العام، وتفعيل مبدأ ربط المسؤولية بالمحاسبة، باعتباره أحد الأسس الدستورية للحكامة الجيدة. فالمواطن يثق في المؤسسات عندما يلمس أن القانون يطبق على الجميع، وأن المسؤولية تقترن بالمحاسبة، وأن القرارات العمومية تتخذ وفق معايير النزاهة والإنصاف.
وقد أكد جلالة الملك محمد السادس نصره الله، في أكثر من خطاب، أن نجاح النموذج التنموي والإصلاحات الكبرى يظل رهينا بوجود مؤسسات قوية وفعالة، وبانخراط المواطن في مسار التنمية باعتباره شريكا أساسيا، لا مجرد متلق للسياسات العمومية. وهذا يقتضي ترسيخ ثقافة القرب والإنصات والتواصل الدائم مع المواطنين.
ولا يمكن الحديث عن المشاركة السياسية دون التوقف عند فئة الشباب، التي تمثل القوة الحقيقية لأي مشروع مجتمعي. فالشباب لا ينتظر فقط فرص المشاركة، بل يبحث عن فضاءات تمنحه الثقة، وتتيح له المساهمة في صناعة القرار على أساس الكفاءة والاستحقاق، بعيدا عن كل أشكال الإقصاء أو الاحتكار.
كما أن المجتمع المدني والإعلام يتحملان بدورهما مسؤولية مهمة في ترسيخ ثقافة المشاركة، من خلال نشر الوعي الدستوري، وتشجيع النقاش العمومي الرصين، ومواكبة الأداء العمومي بموضوعية ومسؤولية، بما يعزز ثقة المواطن في المؤسسات الديمقراطية.
وفي تقديري، فإن استعادة الثقة ليست مسؤولية الأحزاب وحدها، ولا مسؤولية الدولة وحدها، وإنما هي مسؤولية جماعية تقتضي تجديد الممارسة السياسية، وتعزيز الشفافية، واحترام الذكاء الجماعي للمغاربة، وترجمة الالتزامات إلى نتائج ملموسة يشعر بها المواطن في حياته اليومية. فعندما يلمس المواطن أن صوته مؤثر، وأن المؤسسات تنصت إليه، وأن السياسات العمومية تستجيب لانشغالاته، فإن المشاركة السياسية ستتحول من واجب دستوري إلى قناعة مجتمعية راسخة.
السؤال السابع:
تعرف مشاركة المرأة المغربية تطورًا ملحوظًا في الحياة السياسية. هل ترون أنها استطاعت فرض حضورها داخل المشهد السياسي والتشريعي، أم أنها لا تزال تواجه تحديات تحد من وصولها إلى مواقع القرار؟ وما السبل الكفيلة بتعزيز حضورها؟
الجواب:
لا يمكن اليوم الحديث عن ديمقراطية حديثة أو تنمية مستدامة دون مشاركة فعلية للمرأة في مختلف مستويات صنع القرار. فالمرأة المغربية أثبتت، عبر مسار طويل من العطاء، أنها شريك أساسي في بناء الوطن، وأنها تمتلك الكفاءة والخبرة والقدرة على تحمل المسؤولية في مختلف المجالات السياسية والقضائية والإدارية والاقتصادية والأكاديمية.
وقد شكل دستور سنة 2011 محطة نوعية في مسار تعزيز مكانة المرأة، عندما كرس مبدأ المساواة، وجعل المناصفة هدفا تعمل الدولة على بلوغه. كما أن جلالة الملك محمد السادس نصره الله ما فتئ يؤكد، في عدد من خطاباته، أن تقدم المغرب يظل رهينا بالمشاركة الكاملة للمرأة إلى جانب الرجل في مختلف أوراش التنمية والإصلاح، وهو ما انعكس في عدد من الإصلاحات والمؤسسات التي عززت حضور المرأة في الحياة العامة.
ومع ذلك، فإن هذا التطور، رغم أهميته، لا يعني أن جميع التحديات قد تم تجاوزها. فما تزال هناك معيقات ذات طبيعة ثقافية وتنظيمية، وأحيانا حزبية، تحد من وصول عدد أكبر من الكفاءات النسائية إلى مواقع القرار، كما أن حضور المرأة داخل بعض المؤسسات لا يعكس دائما حجم مؤهلاتها ولا مستوى إسهامها الحقيقي في المجتمع.
وفي تقديري، فإن المرحلة المقبلة ينبغي أن تنتقل من منطق ضمان التمثيلية إلى منطق ترسيخ القيادة النسائية. فالمطلوب اليوم ليس فقط الرفع من عدد النساء داخل المؤسسات المنتخبة، وإنما تمكينهن من الاضطلاع بالمسؤوليات التشريعية والتنفيذية والحزبية على أساس الكفاءة والاستحقاق، ومنحهن الفرصة الكاملة للإسهام في صناعة القرار العمومي.
كما أن الأحزاب السياسية مطالبة بمراجعة آليات اشتغالها، والاستثمار في تكوين القيادات النسائية، وتشجيع مشاركة النساء، وخاصة الشابات، واعتماد معايير شفافة في منح التزكيات وتوزيع المسؤوليات، حتى يصبح معيار الكفاءة هو الأساس في تحمل المسؤولية.
ومن منظور حقوقي، فإن تمكين المرأة ليس مجرد استجابة لمطلب حقوقي أو التزام دستوري، بل هو ركيزة من ركائز دولة الحق والقانون، وتجسيد فعلي لمبدأ تكافؤ الفرص والمواطنة الكاملة. فالمجتمعات التي تضمن مشاركة النساء في صناعة القرار تكون أكثر قدرة على إنتاج تشريعات متوازنة، وسياسات عمومية أكثر عدالة وشمولا واستجابة لانتظارات مختلف فئات المجتمع.
وأرى أن النقاش اليوم لم يعد ينبغي أن ينحصر في السؤال: هل تشارك المرأة في الحياة السياسية؟ لأن هذا الحق أصبح مكفولا دستوريا ومجتمعيا. وإنما أصبح السؤال الحقيقي هو: إلى أي حد تسهم هذه المشاركة في تحسين جودة القرار العمومي، وتجويد التشريع، وتعزيز الحكامة، وترسيخ الديمقراطية؟
ففي تقديري، لم تعد قضية المرأة قضية نسائية بالمعنى التقليدي، وإنما أصبحت قضية ترتبط بجودة الديمقراطية نفسها. فكلما اتسعت مشاركة النساء على أساس الكفاءة والاستحقاق، ازدادت قدرة المؤسسات على استيعاب مختلف الرؤى والخبرات، وأصبح القرار العمومي أكثر توازنا، وأكثر ارتباطا بحاجيات المجتمع.
لذلك، فإن الرهان الحقيقي خلال المرحلة المقبلة ليس تحقيق المناصفة كرقم أو نسبة فقط، وإنما بناء مؤسسات تجعل الكفاءة هي معيار تحمل المسؤولية، وتتيح للمرأة والرجل، على قدم المساواة، الإسهام في خدمة الوطن، بما ينسجم مع أحكام الدستور، والتوجيهات الملكية، وطموحات المغرب في ترسيخ دولة حديثة، قوية بمؤسساتها، وغنية بكفاءات جميع أبنائها.
السؤال الثامن:
ما الرسائل التي تودون توجيهها إلى الشباب، خاصة الذين سيشاركون في الانتخابات لأول مرة؟
الجواب:
رسالتي إلى الشباب المغربي، وخاصة الذين سيشاركون في الانتخابات لأول مرة، هي أن المستقبل لا يصنعه المتفرجون، وإنما يصنعه المواطنون الذين يؤمنون بأن المشاركة مسؤولية، وأن التغيير يبدأ من الانخراط الواعي في الشأن العام.
أدرك أن جزءا من الشباب يعيش اليوم حالة من القلق بسبب تحديات التشغيل، وارتفاع كلفة المعيشة، وصعوبة تحقيق بعض الطموحات، وأن هذا الواقع قد يولد لدى البعض شعورا بالإحباط أو بعدم جدوى العمل السياسي. لكنني أؤمن بأن العزوف ليس حلا، وأن ترك المجال للآخرين لاتخاذ القرار نيابة عنكم لن يغير الواقع، بل قد يكرس الاختلالات التي ننتقدها جميعا.
لقد أكد جلالة الملك محمد السادس نصره الله، في أكثر من خطاب، أن الشباب يمثل الثروة الحقيقية للمغرب، وأن إشراكه في التنمية وفي تدبير الشأن العام يعد شرطا أساسيا لبناء مغرب المستقبل. وهذه ليست مجرد دعوة معنوية، بل رؤية استراتيجية تجعل من الشباب شريكا في صناعة القرار، لا مجرد مستفيد من السياسات العمومية.
ومن هذا المنطلق، فإن الانتخابات ليست مجرد موعد للتصويت، بل هي ممارسة دستورية تجسد المواطنة، وفرصة لاختيار البرامج والأشخاص الذين ستوكل إليهم مسؤولية التشريع، والرقابة، وتقييم السياسات العمومية. لذلك أدعو الشباب إلى ممارسة هذا الحق بوعي ومسؤولية، وأن يجعلوا معيارهم في الاختيار هو الكفاءة، والنزاهة، والمصداقية، والقدرة على الإنجاز، لا الخطابات الشعبوية أو الوعود التي لا تستند إلى برامج واقعية.
كما أدعو الشباب إلى ألا يحصروا مشاركتهم في يوم الاقتراع فقط، بل أن ينخرطوا في الأحزاب السياسية، والجمعيات، والنقابات، ومختلف فضاءات الحوار والمبادرة، لأن الديمقراطية الحقيقية لا تقوم على التصويت وحده، وإنما على المشاركة المستمرة في النقاش العمومي، ومواكبة أداء المؤسسات، والمساهمة في اقتراح الحلول.
ومن منظور حقوقي، فإن المشاركة السياسية ليست مجرد حق دستوري، بل هي أيضا مسؤولية مواطنة، ووسيلة للدفاع عن الحقوق والحريات، وتعزيز دولة الحق والقانون، وترسيخ قيم المساءلة والمحاسبة. وكلما ارتفع وعي الشباب بهذه الأبعاد، أصبحت مشاركتهم أكثر تأثيرا في توجيه السياسات العمومية.
وأود أن أقول للشباب إن المغرب يمر بمرحلة مفصلية، عنوانها مواصلة الإصلاحات الكبرى، وتعزيز الدولة الاجتماعية، والاستعداد لاستحقاقات دولية مهمة، وفي مقدمتها تنظيم كأس العالم 2030. وهذه الأوراش تحتاج إلى جيل يؤمن بقدراته، ويملك الكفاءة، وروح المبادرة، والاستعداد لتحمل المسؤولية.
ورسالتي الأخيرة هي ألا تجعلوا السياسة شأنا يخص السياسيين وحدهم، لأنها في حقيقتها ترتبط بحياتكم اليومية، وبفرص الشغل، وجودة التعليم، والرعاية الصحية، والسكن، والعدالة الاجتماعية، ومستقبل الأجيال القادمة. فكل صوت مسؤول، وكل مشاركة واعية، هي لبنة في بناء مغرب أكثر عدلا، وأكثر إنصافا، وأكثر تقدما.
وأنا على يقين بأن الشباب المغربي يمتلك من الوعي والكفاءة والطموح ما يؤهله ليكون في طليعة هذا البناء، شريطة أن يؤمن بأن مستقبله لا يصنعه الانتظار، وإنما تصنعه المشاركة، والعمل، والإرادة.
السؤال التاسع:
هل ترون أن البرامج الانتخابية أصبحت معيارًا حقيقيًا في اختيار الناخب، أم أن اعتبارات أخرى ما تزال تؤثر في السلوك الانتخابي؟
الجواب:
في تقديري، لا تزال البرامج الانتخابية تشكل أحد عناصر الاختيار، لكنها لم تصبح بعد المعيار الحاسم لدى جميع الناخبين. فالسلوك الانتخابي في المغرب يظل متأثرا بعوامل متعددة، تختلف من منطقة إلى أخرى، ومن فئة اجتماعية إلى أخرى.
لقد أصبح المواطن المغربي، بفضل اتساع فضاءات النقاش العمومي ووسائل الإعلام ومنصات التواصل الاجتماعي، أكثر اطلاعا وأكثر قدرة على مقارنة الخطابات بالحصيلة، وعلى مساءلة الفاعلين السياسيين حول ما تحقق من وعودهم. ولذلك، لم يعد البرنامج الانتخابي مجرد وثيقة تقدم خلال الحملة، بل أصبح جزءا من تقييم أشمل يشمل المصداقية، والكفاءة، والقدرة على الوفاء بالالتزامات.
ومع ذلك، لا يمكن إنكار أن عوامل أخرى ما تزال تؤثر في السلوك الانتخابي، من بينها القرب من المواطنين، والحضور الميداني، والثقة التي يبنيها المرشح مع محيطه، والانتماءات المحلية، فضلا عن بعض الممارسات التي لا تنسجم مع روح المنافسة الديمقراطية، والتي ينبغي مواصلة التصدي لها بكل حزم، حفاظا على نزاهة العملية الانتخابية وتكافؤ الفرص.
وفي اعتقادي، فإن أحد التحولات المهمة التي يعرفها المشهد السياسي اليوم هو أن الناخب المغربي أصبح أقل تأثرا بالشعارات العامة، وأكثر اهتماما بالحصيلة والنتائج. فهو يسأل اليوم: ماذا تحقق؟ وما أثر السياسات العمومية على التشغيل، والتعليم، والصحة، والقدرة الشرائية، والتنمية المحلية؟ وهذا تطور إيجابي يعكس تنامي الوعي السياسي لدى فئات واسعة من المواطنين.
ومن هنا، فإن الأحزاب السياسية مطالبة بالارتقاء بجودة برامجها، وأن تقدم تصورات واقعية، قابلة للتنفيذ، ومصحوبة بأهداف واضحة، وآجال محددة، وآليات للتتبع والتقييم. كما أن المرشحين مطالبون بجعل التواصل مع المواطنين ممارسة دائمة، لا ترتبط فقط بالمواسم الانتخابية، لأن الثقة تبنى بالاستمرارية، وبالعمل الميداني، وبالوفاء بالالتزامات.
وقد أكد جلالة الملك محمد السادس نصره الله، في أكثر من مناسبة، أن نجاح المؤسسات رهين بقدرتها على خدمة المواطن، والاستجابة لانتظاراته، وهو ما يقتضي الارتقاء بالممارسة السياسية، وتعزيز مصداقية الفاعلين، حتى تصبح الانتخابات منافسة حقيقية بين المشاريع والبرامج والكفاءات.
ومن منظور حقوقي، فإن الانتخابات لا تحقق غايتها الديمقراطية إلا إذا جرت في إطار من النزاهة، والشفافية، وتكافؤ الفرص، واحترام الإرادة الحرة للناخب. فكلما تعززت هذه الضمانات، ازداد تأثير البرامج الانتخابية في الاختيار، وتراجعت الاعتبارات غير الموضوعية، وأصبح التنافس قائما على جودة الأفكار والقدرة على خدمة الصالح العام.
وفي تقديري، فإن الرهان خلال الاستحقاقات المقبلة لا يتمثل فقط في إعداد برامج انتخابية جيدة، وإنما في استعادة الثقة في قيمة البرنامج نفسه، من خلال ربطه بالمحاسبة السياسية. فعندما يدرك المواطن أن من يطلب ثقته سيحاسب لاحقا على تنفيذ التزاماته، سيصبح البرنامج الانتخابي وثيقة تعاقدية حقيقية بين المنتخب والناخب، لا مجرد خطاب انتخابي ينتهي بانتهاء الحملة.
السؤال العاشر:
كيف يمكن الحد من ظاهرة العزوف الانتخابي، والتصدي للممارسات التي تمس نزاهة الاستحقاقات وتعزز فقدان الثقة؟
الجواب:
في تقديري، ينبغي أن ننظر إلى العزوف الانتخابي باعتباره مؤشرا سياسيا واجتماعيا، وليس مجرد ظاهرة انتخابية. فهو في كثير من الأحيان يعكس تراجع الثقة في جدوى المشاركة، أكثر مما يعكس رفضا للمسار الديمقراطي في حد ذاته. ولذلك فإن معالجة هذه الظاهرة لا يمكن أن تختزل في حملات تحسيسية ظرفية، بل تقتضي عملا متواصلا على أسبابها العميقة.
إن المواطن يشارك عندما يقتنع بأن صوته مؤثر، وأن المؤسسات المنتخبة قادرة على الاستجابة لانشغالاته، وأن البرامج الانتخابية تتحول إلى سياسات عمومية قابلة للقياس والمحاسبة. ومن هنا، فإن استعادة الثقة تمر، قبل كل شيء، عبر ترسيخ ثقافة الصدق في الخطاب السياسي، والوفاء بالالتزامات، وربط المسؤولية بالمحاسبة، باعتباره مبدأ دستوريا وأساسا للحكامة الجيدة.
وقد أكد جلالة الملك محمد السادس نصره الله، في أكثر من خطاب، أن نجاح المؤسسات يقاس بمدى قربها من المواطن، وبقدرتها على الاستجابة لانتظاراته، وهو ما يضع على عاتق مختلف الفاعلين السياسيين مسؤولية تجديد أساليب العمل، وتعزيز التواصل مع المواطنين، والانفتاح على الشباب والنساء والكفاءات، وعدم اختزال العلاقة مع الناخب في فترة الحملة الانتخابية.
كما أن الأحزاب السياسية مطالبة بالعودة إلى وظائفها الدستورية في التأطير والتكوين واقتراح البدائل، لأن الحزب السياسي ليس مجرد آلية للوصول إلى المؤسسات، بل فضاء لإنتاج الأفكار، وتأطير المواطنين، وإعداد النخب القادرة على تحمل المسؤولية.
أما فيما يتعلق بنزاهة الانتخابات، فإن المغرب راكم خلال العقود الأخيرة تجربة مؤسساتية وقانونية مهمة في تنظيم الاستحقاقات الانتخابية، وهو مكسب ينبغي تثمينه والمحافظة عليه. غير أن ترسيخ الثقة يظل رهينا بالمواصلة الصارمة لتطبيق القانون، والتصدي لكل الممارسات التي تمس بحرية الاختيار، أو بتكافؤ الفرص بين المتنافسين، أو بنزاهة المنافسة الديمقراطية، أيا كان مصدرها.
ومن منظور حقوقي، فإن نزاهة الانتخابات لا تقف عند حدود سلامة يوم الاقتراع، بل تشمل أيضا ضمان تكافؤ الفرص، واحترام حرية الرأي والتعبير، وتمكين المواطنين من الوصول إلى المعلومة، وحماية الإرادة الحرة للناخب، بما يعزز مصداقية العملية الانتخابية ويكرس الثقة في نتائجها.
كما أن للإعلام، ولمؤسسات التنشئة، وللمجتمع المدني، أدوارا محورية في ترسيخ ثقافة المشاركة، ونشر الوعي الدستوري، ومواكبة النقاش العمومي بموضوعية ومسؤولية، لأن الديمقراطية ليست مسؤولية الدولة أو الأحزاب وحدها، وإنما هي مسؤولية جماعية.
وفي اعتقادي، فإن الرهان الحقيقي خلال المرحلة المقبلة ليس فقط رفع نسبة المشاركة، وإنما بناء ثقة مستدامة في المؤسسات. فعندما يلمس المواطن أن صوته يحترم، وأن اختياره يحدث أثرا، وأن المنتخب يحاسب على حصيلته، ستتحول المشاركة الانتخابية من واجب دستوري إلى قناعة راسخة، وسيصبح الإقبال على صناديق الاقتراع تعبيرا عن الثقة في الديمقراطية، لا مجرد استجابة لالتزام انتخابي مؤقت.
السؤال الحادي عشر:
ما الصفات التي ينبغي أن يتحلى بها المرشح الذي يستحق ثقة المواطنين وتمثيلهم داخل المؤسسة التشريعية؟
الجواب:
في اعتقادي، لا يستحق ثقة المواطنين إلا المرشح الذي يعتبر المسؤولية تكليفا وطنيا وأمانة دستورية، لا وسيلة لتحقيق المكاسب الشخصية أو الحزبية. فالنيابة البرلمانية ليست امتيازا، وإنما التزام أخلاقي وسياسي وقانوني تجاه المواطنين وتجاه الوطن.
وأول ما ينبغي أن يتحلى به المرشح هو النزاهة والاستقامة، لأن الثقة لا تبنى على حسن الخطاب وحده، وإنما على السلوك والمصداقية والوفاء بالالتزامات. فالمواطن قد يختلف مع التوجهات السياسية لمرشح معين، لكنه لا يمكن أن يمنح ثقته لمن لا يجعل المصلحة العامة فوق كل اعتبار.
كما أن الكفاءة أصبحت اليوم شرطا لا غنى عنه. فالبرلمان يمارس وظائف دستورية دقيقة، تتمثل في التشريع، ومراقبة العمل الحكومي، وتقييم السياسات العمومية، والمساهمة في الدبلوماسية البرلمانية. ولذلك، فإن النائب البرلماني مطالب بأن يمتلك المعرفة القانونية والسياسية والاقتصادية، وأن يكون قادرا على تحليل النصوص، واقتراح البدائل، ومناقشة القضايا الوطنية والدولية بكفاءة ومسؤولية.
وقد أكد جلالة الملك محمد السادس نصره الله، في أكثر من خطاب، أن المسؤولية العمومية تقتضي الكفاءة، والنزاهة، وخدمة المواطن، وهي مبادئ ينبغي أن تكون حاضرة في اختيار النخب التي ستتولى تمثيل الأمة داخل المؤسسة التشريعية.
ومن الصفات الأساسية أيضا، القرب من المواطنين، والإنصات المستمر لهم، لأن النائب البرلماني لا يمثل دائرته الانتخابية فقط، بل يمثل الأمة بأكملها، ويظل مطالبا بحمل انشغالات المواطنين والدفاع عنها داخل المؤسسات، مع الحفاظ على التوازن بين المصالح المحلية والمصلحة الوطنية.
كما أن المرحلة التي يعيشها المغرب تفرض أن يتحلى البرلماني بالرؤية الاستراتيجية، والقدرة على استيعاب التحولات الإقليمية والدولية، ومواكبة الأوراش الكبرى التي تعرفها بلادنا، سواء تعلق الأمر بتعزيز الدولة الاجتماعية، أو الأمن المائي والغذائي، أو التحول الرقمي، أو الاستعداد للاستحقاقات الدولية الكبرى، لأن التشريع أصبح يرتبط بهذه التحولات بشكل مباشر.
ومن منظور حقوقي، فإن النائب البرلماني مطالب أيضا بالدفاع عن الحقوق والحريات التي يكفلها الدستور، والعمل على تطوير منظومة تشريعية تحقق التوازن بين متطلبات التنمية، وحماية الحقوق، وتعزيز الأمن القانوني والقضائي، وترسيخ دولة الحق والقانون.
ولا تقل أهمية عن ذلك صفات الشجاعة في إبداء الرأي، والاستقلالية في اتخاذ المواقف، والقدرة على الحوار، وبناء التوافقات، لأن العمل البرلماني الناجح لا يقوم على الصراع من أجل الصراع، وإنما على النقاش المسؤول، وإنتاج الحلول، وتغليب المصلحة العليا للوطن.
وفي تقديري، فإن أفضل معيار لتقييم أي مرشح لا يكمن فيما يعد به خلال الحملة الانتخابية، وإنما فيما قدمه قبلها من خدمة للمجتمع، وحضور ميداني، ونزاهة في السلوك، واحترام للمؤسسات والقانون. فالسيرة العملية للمرشح تظل أبلغ من أي شعار انتخابي.
لذلك، فإن حسن اختيار ممثلي الأمة يعد من أهم ضمانات نجاح التجربة الديمقراطية. فكلما كانت النخب البرلمانية أكثر كفاءة ونزاهة وقربا من المواطنين، ازدادت قدرة المؤسسة التشريعية على أداء أدوارها الدستورية، وتعززت ثقة المواطن في العمل السياسي، وترسخت مكانة البرلمان باعتباره سلطة تشريعية تعبر عن إرادة الأمة، وتسهم في بناء مغرب أكثر عدلا، وأكثر تنمية، وأكثر قوة بمؤسساته.
السؤال الثاني عشر:
في نظركم، ما الدور الذي ينبغي أن تضطلع به وسائل الإعلام، بمختلف مكوناتها، في مواكبة الانتخابات، وتعزيز الوعي الديمقراطي، ومحاربة الأخبار المضللة؟
الجواب:
في تقديري، لم يعد الإعلام مجرد وسيط ينقل الأخبار، بل أصبح شريكا أساسيا في ترسيخ الممارسة الديمقراطية، وتشكيل الرأي العام، وتعزيز وعي المواطنين بحقوقهم وواجباتهم. ولذلك فإن مسؤوليته خلال الاستحقاقات الانتخابية تصبح مضاعفة، لأن جودة الديمقراطية ترتبط إلى حد كبير بجودة المعلومة التي تصل إلى المواطن.
وقد أكد جلالة الملك محمد السادس نصره الله، في أكثر من مناسبة، أن بناء الديمقراطية يقتضي مؤسسات قوية، ومواطنا واعيا، وإعلاما مسؤولا يمارس أدواره في إطار الحرية والالتزام بأخلاقيات المهنة، بما يعزز الثقة في المؤسسات ويحترم ثوابت المملكة.
ومن هذا المنطلق، فإن أول أدوار وسائل الإعلام يتمثل في ضمان حق المواطن في الوصول إلى معلومة دقيقة وموثوقة ومتوازنة، بعيدا عن التهويل أو الإثارة أو التحيز. فالمواطن لا يستطيع أن يمارس حقه في الاختيار الحر إلا إذا كانت المعلومة التي يبني عليها قراره سليمة، ومتعددة المصادر، وتتيح له الاطلاع على مختلف البرامج والرؤى السياسية في إطار من الإنصاف والتعددية.
وأعتقد أن الإعلام مطالب أيضا بالانتقال من مجرد تغطية الأنشطة الانتخابية إلى مواكبة النقاش العمومي بشكل أعمق، من خلال تحليل البرامج الانتخابية، وبيان مدى واقعيتها وقابليتها للتنفيذ، واستضافة الخبراء والمتخصصين لتفسير القضايا الاقتصادية والاجتماعية والتشريعية، حتى يصبح الناخب أكثر قدرة على التمييز بين المشروع الواقعي والخطاب الشعبوي.
وفي ظل الثورة الرقمية، أصبحت وسائل الإعلام تواجه تحديا جديدا يتمثل في الانتشار السريع للأخبار الزائفة، والمحتوى المضلل، والصور والمقاطع المصنوعة بتقنيات الذكاء الاصطناعي، وهو ما يفرض ترسيخ ثقافة التحقق من المعلومات، والتدقيق في المصادر، والتصدي للمحتوى الزائف، مع احترام حرية التعبير والحق في الوصول إلى المعلومة. فالمعادلة الحقيقية اليوم ليست بين حرية التعبير ومحاربة التضليل، وإنما بين حماية حرية التعبير وحماية المجتمع من التلاعب بالمعلومة. وهذا ما تؤكد عليه أيضا التجارب الدولية الحديثة في مواكبة الانتخابات في العصر الرقمي.
ومن منظور حقوقي، فإن الإعلام الحر والمسؤول يعد أحد الضمانات الأساسية لحماية الحقوق السياسية، لأنه يسهم في تكريس الشفافية، ومراقبة الأداء العمومي، وفتح المجال أمام تعدد الآراء، وتعزيز حق المواطن في المعرفة، وهو حق يرتبط ارتباطا وثيقا بممارسة باقي الحقوق الديمقراطية.
كما أن للإعلام دورا محوريا في تشجيع الشباب على المشاركة السياسية، ليس عبر الدعوة إلى التصويت لهذا الطرف أو ذاك، وإنما من خلال نشر الثقافة الدستورية، وتعريف المواطنين باختصاصات المؤسسات، وتبسيط القضايا العمومية، وتعزيز التفكير النقدي، حتى يصبح الاختيار الانتخابي مبنيا على الاقتناع والمعرفة، لا على التأثير العاطفي أو الحملات الرقمية الموجهة.
وفي اعتقادي، فإن الإعلام الذي يحتاجه المغرب خلال المرحلة المقبلة هو إعلام مهني، مستقل، ومسؤول، يجعل الحقيقة فوق كل اعتبار، ويؤمن بأن دوره لا يقتصر على نقل الأحداث، بل يمتد إلى الإسهام في بناء مواطن واع، ونقاش عمومي راق، وديمقراطية أكثر نضجا. فكلما ارتفعت جودة الإعلام، ارتفع مستوى الوعي السياسي، وتعززت ثقة المواطنين في المؤسسات، وأصبحت الانتخابات مناسبة للتنافس بين الأفكار والبرامج، لا بين الإشاعات والانطباعات.
السؤال الثالث عشر:
في ختام هذا الحوار، ما الرسالة التي تودون توجيهها إلى المواطنات والمواطنين بمناسبة الاستحقاقات التشريعية المقبلة؟
الجواب:
في ختام هذا الحوار، أود أن أتوجه إلى جميع المواطنات والمواطنين برسالة صادقة مفادها أن مستقبل المغرب مسؤولية جماعية، وأن الديمقراطية ليست مجرد محطة انتخابية تتكرر كل خمس سنوات، بل هي ممارسة يومية تقوم على المشاركة، والوعي، وربط الحقوق بالواجبات، والثقة بالمحاسبة.
إن الاستحقاقات التشريعية المقبلة تشكل محطة دستورية مهمة، ليس فقط لاختيار أعضاء مجلس النواب، وإنما لتجديد الثقة في المؤسسات، وتعزيز المسار الديمقراطي، ومواصلة الأوراش الكبرى التي انخرط فيها المغرب بقيادة جلالة الملك محمد السادس نصره الله، في مجالات الدولة الاجتماعية، والتنمية الاقتصادية، وتعزيز مكانة المملكة إقليميا ودوليا.
وأدعو كل مواطنة وكل مواطن إلى ممارسة حقه الدستوري في التصويت بكل حرية ووعي ومسؤولية، وأن يكون معيار الاختيار هو الكفاءة، والنزاهة، والمصداقية، والقدرة على خدمة الصالح العام. فالصوت الانتخابي ليس مجرد ورقة توضع في صندوق الاقتراع، بل هو تعبير عن الإرادة الشعبية، وأمانة يترتب عليها أثر في رسم السياسات العمومية، وفي تحديد مستقبل الأجيال القادمة.
كما أدعو الأحزاب السياسية والمرشحين إلى الارتقاء بمستوى الخطاب والممارسة، وتقديم برامج واقعية قابلة للتنفيذ، واحترام ذكاء المواطن، والابتعاد عن كل أشكال الشعبوية، أو خطاب الكراهية، أو استغلال الهشاشة الاجتماعية، لأن قوة الديمقراطية تقاس بجودة التنافس، واحترام القانون، والالتزام بأخلاقيات العمل السياسي.
وأتوجه برسالة خاصة إلى الشباب المغربي، باعتباره الرأسمال الحقيقي للوطن، فأقول لهم: لا تسمحوا لأحد أن يقنعكم بأن أصواتكم لا قيمة لها، أو أن السياسة لا تعنيكم. فأنتم الجيل الذي سيقود المغرب في المستقبل، ومشاركتكم الواعية ليست خدمة لحزب أو لمرشح، وإنما هي مساهمة في بناء وطن أكثر عدلا، وأكثر إنصافا، وأكثر قدرة على مواجهة تحديات المستقبل.
ومن منظور حقوقي، فإن المشاركة في الانتخابات ليست فقط ممارسة لحق دستوري، بل هي تعبير عن المواطنة المسؤولة، وإسهام في ترسيخ دولة الحق والقانون، وتعزيز المؤسسات، وحماية المكتسبات الديمقراطية. فكلما اتسعت المشاركة الحرة والواعية، ازدادت قوة المؤسسات، وتعززت شرعيتها، وارتفعت قدرتها على الاستجابة لانتظارات المواطنين.
لقد بينت التجربة المغربية أن قوة الدولة لا تقاس فقط بمؤسساتها، وإنما أيضا بقدرتها على تجديد الثقة بين المواطن والمؤسسات، وبإنتاج نخب كفؤة، قادرة على الإنصات، واتخاذ القرار، وتحمل المسؤولية. وهذا ما أكد عليه جلالة الملك محمد السادس نصره الله في أكثر من خطاب، عندما جعل المواطن في صلب السياسات العمومية، وربط نجاح الإصلاحات بفعالية المؤسسات وجودة الحكامة.
وأنا على يقين بأن المغرب يمتلك من المقومات البشرية والمؤسساتية ما يؤهله لمواصلة مسار الإصلاح، ومواجهة مختلف التحديات بثقة وثبات. ويبقى الرهان الأكبر هو أن نجعل من الاختلاف قوة للاقتراح، ومن التنافس وسيلة لخدمة الوطن، وأن نؤمن جميعا بأن الديمقراطية لا تكتمل إلا بمواطن واع، ومؤسسات قوية، ونخب تتحمل مسؤولياتها بكل نزاهة وكفاءة.
وفي الأخير، أجدد دعوتي إلى جميع المواطنات والمواطنين للمشاركة الإيجابية في هذه المحطة الوطنية، لأن بناء المغرب الذي نطمح إليه ليس مسؤولية الدولة وحدها، ولا مسؤولية الأحزاب وحدها، بل هو مسؤولية كل مغربية وكل مغربي يؤمن بأن خدمة الوطن تبدأ بحسن الاختيار، وتتواصل بحسن الأداء، وتترسخ بالمحاسبة، في ظل الثوابت الوطنية، والالتفاف الدائم حول جلالة الملك محمد السادس نصره الله، لما فيه خير الوطن والمواطن.
السؤال الرابع عشر:
كيف رأيتم ما وقع في مدينة سبتة، ومحاولة آلاف الشباب، ومن بينهم أطفال وقاصرون، الهجرة بشكل جماعي؟ وما الرسائل السياسية والاجتماعية التي تعكسها هذه الأحداث؟ وهل ترون أنها تستدعي مراجعة السياسات العمومية الموجهة للشباب؟
الجواب:
ما شهدته مدينة سبتة من محاولات جماعية للهجرة غير النظامية، شارك فيها آلاف الشباب، ومن بينهم أطفال وقاصرون، يعد من أكثر الأحداث إيلاما التي عرفها المغرب في السنوات الأخيرة. فهو ليس مجرد حدث عابر، ولا يمكن اختزاله في أرقام أو مشاهد تداولتها وسائل الإعلام ومنصات التواصل الاجتماعي، بل هو جرس إنذار يستوجب وقفة وطنية هادئة، ومسؤولة، وشجاعة.
لقد كشفت هذه الأحداث عن حجم التحديات التي يعيشها جزء من شبابنا، كما أبرزت حجم الآمال التي يعلقها البعض على الهجرة، مهما كانت مخاطرها. وهذا يدفعنا إلى طرح السؤال الجوهري: كيف نجعل الشاب المغربي يؤمن بأن مستقبله يمكن أن يبنى داخل وطنه، لا خارجه؟
ومن الناحية الإنسانية، لا يمكن إلا أن نشعر بالألم أمام مشاهد الأطفال والقاصرين والشباب وهم يخاطرون بحياتهم، ويعرضون أنفسهم لمخاطر حقيقية بحثا عن أفق أفضل. فحماية الطفولة، وصون كرامة الإنسان، والحفاظ على الحق في الحياة والسلامة، مسؤوليات دستورية وأخلاقية لا تقبل أي تهاون.
أما من الناحية السياسية، فإن هذه الأحداث تؤكد أن التنمية لا تقاس فقط بحجم الاستثمارات أو المشاريع الكبرى، وإنما أيضا بمدى انعكاسها على حياة المواطنين، وخاصة الشباب. فكلما شعر الشاب بوجود فرص حقيقية للتعليم، والتكوين، والشغل، والترقي الاجتماعي، وتعززت ثقته في المؤسسات، تراجعت دوافع الهجرة غير النظامية.
وقد أكد جلالة الملك محمد السادس نصره الله، في أكثر من خطاب، أن الشباب يوجد في صلب المشروع التنموي للمملكة، وأن الاستثمار الحقيقي هو الاستثمار في الإنسان. وهذه التوجيهات تجعل من تأهيل الشباب، وتمكينهم اقتصاديا واجتماعيا، مسؤولية وطنية مشتركة، تتقاسمها الدولة، والأحزاب السياسية، والمؤسسات، والقطاع الخاص، والمجتمع المدني.
وفي تقديري، فإن ما وقع يستدعي تقييما موضوعيا للسياسات العمومية الموجهة للشباب، ليس بمنطق جلد الذات أو إنكار ما تحقق، وإنما بمنطق المراجعة والتطوير. فالمغرب راكم أوراشا وإصلاحات مهمة، لكن المرحلة الحالية تفرض قياس أثر هذه السياسات على الواقع المعيشي للشباب، ومدى قدرتها على توفير فرص الشغل، وتحقيق الإدماج الاقتصادي والاجتماعي، وتقليص الفوارق المجالية.
كما أن هذه الأحداث أبرزت خطورة الأخبار الزائفة والإشاعات التي انتشرت عبر وسائل التواصل الاجتماعي، وأسهمت في دفع عدد من الشباب إلى اتخاذ قرارات خطيرة بناء على معلومات غير صحيحة، وهو ما يؤكد الحاجة إلى تعزيز الثقافة الرقمية، ونشر الوعي، وتحصين الشباب ضد التضليل الإعلامي، إلى جانب مواصلة التصدي لشبكات الاتجار بالبشر واستغلال هشاشة الفئات الأكثر عرضة للمخاطر.
ومن منظور حقوقي، فإن معالجة ظاهرة الهجرة غير النظامية ينبغي أن تقوم على مقاربة شاملة ومتوازنة، تجمع بين احترام القانون، وحماية الحدود، وصون كرامة الإنسان، وحماية الأطفال والقاصرين، ومعالجة الأسباب الاقتصادية والاجتماعية التي تدفع بعض الشباب إلى المخاطرة بحياتهم.
وفي اعتقادي، فإن الرسالة السياسية الأهم التي تحملها أحداث سبتة هي أن الثقة تبقى أساس الاستقرار. فحين يثق الشباب في مؤسساتهم، ويرون أن الكفاءة والعمل يفتحان أمامهم آفاق المستقبل، يصبح الانتماء إلى الوطن أكثر قوة، وتتراجع نزعة البحث عن حلول محفوفة بالمخاطر.
إن المغرب يمتلك كل المقومات البشرية والمؤسساتية لتجاوز مثل هذه الأزمات، لكنه مطالب اليوم أكثر من أي وقت مضى بمواصلة الاستثمار في الإنسان، وتعزيز العدالة المجالية، وتوسيع فرص الإدماج الاقتصادي، والإنصات الحقيقي لانشغالات الشباب، لأن أمن الأوطان لا يتحقق فقط بحماية الحدود، وإنما أيضا بحماية الأمل داخل نفوس أبنائها.
