من قرى إملشيل إلى قبة البرلمان.. حين يطرق الشباب أبواب التغيير

0

 

فاس: محمد أمقران حمداوي

من قمم الأطلس، ومن قرى إملشيل التي كثيرا ما عانت العزلة وقسوة الطبيعة ونقص الخدمات، خرج شاب (في منتصف عقده الثاني) ليصنع لنفسه طريقا مختلفا نحو المؤسسة التشريعية. إنه أسامة بريك، المعروف باسمه المدني عبد العزيز بريك، الذي تمكن في الانتخابات التشريعية ليوم 23 شتنبر 2026 من انتزاع مقعد برلماني عن دائرة ميدلت، في واحدة من النتائج التي لفتت الانتباه في هذه الانتخابات.

بريك ليس اسما سياسيا تقليديا صعد عبر دهاليز الأحزاب، بل وجه عرفه سكان المنطقة من خلال وسائل التواصل الاجتماعي. فقد جعل من هاتفه ومنصاته الرقمية وسيلة لنقل صور من الحياة اليومية في المناطق الجبلية، وتسليط الضوء على قضايا الطرق وفك العزلة والبنيات الأساسية والولوج إلى الخدمات. وبهذا انتقل من فضاء التواصل الرقمي إلى فضاء المؤسسة التشريعية.

واللافت في هذه التجربة أن صاحبها حاصل على الإجازة في الجغرافيا، وكان قد خاض، وفق المعطيات المتداولة عنه، تجربة مباراة التعليم دون أن يوفق في اجتيازها. لكن عدم النجاح في مباراة مهنية لم يكن نهاية الطريق، بل ربما كان بداية لمسار آخر اختار فيه أن يشتغل من موقع مختلف، وأن يجعل من حضوره بين الناس ومن تواصله معهم رصيدا سياسيا.

وهنا تبرز دلالة أوسع من مجرد فوز مرشح شاب بمقعد برلماني: الشباب قادر على دخول المجال العام من أبواب جديدة، وليس بالضرورة من خلال المسارات السياسية التقليدية وحدها. فوسائل التواصل الاجتماعي أصبحت في كثير من المناطق قناة للتعبير عن المطالب المحلية، وقد تتحول، عندما تقترن بالعمل الميداني والثقة الشعبية، إلى وسيلة للوصول إلى المؤسسات المنتخبة.

وقد أظهرت نتائج دائرة ميدلت أن بريك تمكن من تجاوز مرشحين ينتمون إلى أحزاب أكثر حضورا وتنظيما.

وهنا لا بد من الوقوف عند مسار هذا الشاب.
إنه شاب من منطقة جبلية، يحمل شهادة جامعية، يدخل مباراة للتعليم فلا ينجح، ثم يجد نفسه بعد سنوات أمام امتحان من نوع آخر، هو امتحان صناديق الاقتراع، فينجح في الوصول إلى البرلمان.

غير أن الوصول إلى البرلمان ليس نهاية الحكاية، بل بدايتها. فالناخبون الذين منحوه ثقتهم ينتظرون منه أن يحمل أصوات القرى والمناطق الجبلية إلى المؤسسة التشريعية، وأن يحول ما كان ينشره في مقاطع الفيديو عن مشاكل المنطقة إلى أسئلة ومقترحات ومرافعة تشريعية ومبادرات ملموسة.

إن قصة ع. العزيز بريك تفتح من جديد النقاش حول دور الشباب في التغيير. فالشباب ليس مجرد فئة عمرية تنتظر دورها، وإنما يمكن أن يكون شريكا فاعلا في صناعة القرار، خصوصا عندما يمتلك القدرة على التواصل مع المجتمع وفهم مشكلاته والتعبير عنها.

لكن التغيير الحقيقي لا يقاس فقط بعدد الشباب الذين يدخلون البرلمان، وإنما بما يستطيعون تقديمه بعد الوصول إليه. فالمقعد البرلماني مسؤولية قبل أن يكون مكسبا، والثقة الانتخابية أمانة قبل أن تكون انتصارا.
ومن جهة أخرى، تطرح التجربة سؤالا اجتماعيا يستحق النقاش حول العدالة في أنظمة التعويض والتقاعد.
البرلماني يقضي خمس سنوات ويحصل على تقاعد مريح، بينما يخضع الموظفون العموميون لنظام المعاشات المدنية بقواعد مختلفة. فالتقاعد النسبي، وليس الكامل، لا يتحقق إلا بعد 31 سنة من العمل الشاق.

وهكذا، فإن المقارنة التي كثيرا ما تتردد في النقاش العمومي بين سنوات قليلة في العمل النيابي وسنوات طويلة في وظيفة التعليم تظل سؤالا مشروعا حول العدالة الاجتماعية وتكافؤ أنظمة الحماية الاجتماعية، لكنها تحتاج إلى مقارنة قانونية دقيقة بين الأنظمة المعمول بها، لا إلى أرقام متداولة على مواقع التواصل.

ولعل أجمل ما يمكن أن نختم به قصة هذا الشاب القادم من جبال إملشيل هو أن المسار المهني قد يتعثر، لكن الطموح لا ينبغي أن يتعثر معه. فمن لم يجد طريقه إلى الوظيفة التي أرادها، قد يجد طريقا آخر لخدمة الناس؛ ومن حمل هموم قريته عبر هاتفه، أصبح مطالبا اليوم بحملها تحت قبة البرلمان.

فهل ينجح ع. العزيز بريك في تحويل صوت الجبل من مقاطع على مواقع التواصل إلى صوت تشريعي مسموع داخل البرلمان؟
هذا هو الامتحان الحقيقي الذي يبدأ بعد إعلان النتيجة.

ads
اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.