فاس: محمد أمقران حمداوي
لم تكن الانتخابات التشريعية الأخيرة في المملكة المغربية مجرد موعد سياسي انتهى بإعلان النتائج، وإنما تحولت، في عدد من المناطق، إلى لحظات احتفالية استعاد فيها المواطنون طقوس الفرح الجماعي، وعبّروا عن مشاعرهم تجاه الوجوه التي اختاروها لتمثيلهم داخل المؤسسة التشريعية.
ومن بين المشاهد التي رافقت إعلان النتائج، تلك الاحتفالات التي أقيمت ابتهاجا بفوز مريم وحساة وعبد العزيز باريك، حيث اختلطت الفرحة بالزغاريد والأهازيج والتجمعات الشعبية، في صورة تعكس ما يمكن أن يصنعه القرب من الناس من مشاعر التقدير والاعتزاز.
1 – فرحة المواطنين بفوز مريم وحساة
استقبل المواطنون خبر فوز مريم وحساة بفرحة عفوية، وحرص عدد منهم على التعبير عن سعادتهم بهذا الاستحقاق الانتخابي من خلال تنظيم احتفالات شعبية شارك فيها أبناء المنطقة بمختلف أعمارهم.
ولم تكن تلك الاحتفالات مجرد مظاهر للفرح بنتيجة انتخابية، بل حملت أيضا دلالة اجتماعية، إذ بدا واضحا أن المواطنين أرادوا من خلالها التعبير عن ارتباطهم بالمنتخبين الذين يرون فيهم وجوها قريبة منهم وقادرة على نقل انشغالاتهم إلى المؤسسة التشريعية.
وهكذا تحولت لحظة إعلان الفوز إلى مناسبة للقاء والتواصل، واستحضر المشاركون فيها قيم التضامن والتآخي وروح الجماعة، في أجواء طغت عليها البهجة والأهازيج الشعبية.
2 – عبد العزيز باريك… من الفضاء الرقمي إلى البرلمان
كان فوز عبد العزيز باريك، المعروف في مواقع التواصل الاجتماعي باسم أسامة باريك، من النتائج التي استقطبت اهتماما إعلاميا واسعا في انتخابات 2026. فقد تمكن من الظفر بمقعد برلماني عن دائرة ميدلت، بعد مسار طويل من الحضور الرقمي والتواصل مع سكان المناطق الجبلية والتعريف بمشاكلهم وانشغالاتهم.
وقد ارتبطت تجربة باريك، قبل دخوله غمار الانتخابات، بمقاطع مصورة تناولت قضايا اجتماعية وتنموية تخص سكان الجنوب الشرقي، وهو ما وفر له حضورا واسعا على منصات التواصل الاجتماعي. وتفيد تقارير صحفية بأنه خاض حملته الانتخابية معتمدا على التواصل المباشر مع المواطنين، إلى جانب حضوره الرقمي.
ولذلك لم يكن غريبا أن تتحول لحظة إعلان فوزه إلى مناسبة للاحتفال في محيطه المحلي، حيث عبّر المواطنون عن فرحتهم بفوز شاب عرفوه من خلال حضوره بينهم وتواصله معهم، قبل أن ينتقل من نقل مطالبهم عبر الهاتف ومنصات التواصل إلى تمثيلهم داخل البرلمان.
3 – الاحتفال… تعبير عن المحبة والانتماء
إن مظاهر الاحتفال التي صاحبت هذه النتائج تكشف جانبا آخر من العلاقة بين المواطن والمنتخب. فحين تتحول نتيجة انتخابية إلى مناسبة للفرح الجماعي، فإنها تصبح، بالنسبة إلى المحتفلين، لحظة للتعبير عن المشاعر الإنسانية والاجتماعية التي تتجاوز الحسابات الانتخابية الضيقة.
وقد حضرت في هذه الاحتفالات الأهازيج والرقصات الشعبية، باعتبارها جزءا من الموروث الثقافي الذي يلجأ إليه الناس للتعبير عن الفرح في المناسبات المختلفة.
غير أن الاحتفال، مهما بلغت درجة الحماس فيه، يظل في حاجة إلى مراعاة ظروف المكان والزمان، واحترام راحة المواطنين وسلامتهم، والمحافظة على الطابع الحضاري للمناسبة.
4 – نداء عبد العزيز باريك
في خضم أجواء الفرح، وجّه عبد العزيز باريك نداء إلى المواطنين، دعا فيه، وفق ما نُقل عنه، إلى عدم تقديم الرقصات الأمازيغية بعد غروب الشمس، تفاديا لما قد يترتب عن استمرار الاحتفالات في الفترة الليلية من مشاكل أو أحداث غير مرغوب فيها.
ويحمل هذا النداء، في جوهره، دعوة إلى أن تظل الفرحة فرحة، وأن يتم الاحتفال في أجواء مسؤولة تراعي أمن المواطنين وراحتهم، خصوصا عندما تتجمع أعداد كبيرة من الناس في فضاء واحد.
فالاحتفال بالفوز حق مشروع للتعبير عن الفرح، لكن الأجمل أن تظل مظاهر الفرح منضبطة بروح المسؤولية، وأن تنتهي المناسبة بذكريات جميلة، لا بما يمكن أن يعكر صفوها.
5 – بين فرحة الفوز وانتظارات المواطنين
إن الاحتفالات التي واكبت فوز مريم وحساة وعبد العزيز باريك لا ينبغي النظر إليها فقط باعتبارها مشاهد عابرة انتهت بانتهاء ليلة النتائج، وإنما يمكن قراءتها بوصفها مؤشرا على حجم التعلق الذي يمكن أن ينشأ بين المواطن والمنتخب عندما يشعر الناس أن الشخص الذي اختاروه قريب من قضاياهم وانشغالاتهم.
غير أن الفرحة الانتخابية، مهما كانت كبيرة، تضع المنتخب في اليوم التالي أمام مسؤولية أكبر؛ فالتصفيق ينتهي، والأهازيج تهدأ، والاحتفالات تنقضي، بينما تبدأ مرحلة العمل الحقيقي داخل المؤسسات.
وهنا تحديدا تكمن قيمة الفوز الانتخابي: في القدرة على تحويل ثقة المواطنين إلى حضور مسؤول، ومرافعة جادة، وتواصل مستمر، والعمل على نقل انتظارات السكان وانشغالاتهم إلى فضاء القرار.
خاتمة
وهكذا أسدلت الانتخابات التشريعية الأخيرة الستار على مرحلة من المنافسة السياسية، لكنها فتحت في الوقت نفسه صفحة جديدة أمام الفائزين، ومن بينهم مريم وحساة وعبد العزيز باريك.
لقد عبّر المواطنون عن فرحتهم بطريقتهم الخاصة، بالأهازيج والرقصات واللقاءات الشعبية، وهي صور تختزن كثيرا من الدلالات الاجتماعية والثقافية. أما بالنسبة إلى المنتخبين، فإن أجمل رد على تلك المشاعر لا يكون باستمرار الاحتفال، وإنما بتحويل المحبة والثقة اللتين عبّر عنهما المواطنون إلى عمل مسؤول يخدم الصالح العام.
فبعد أن تهدأ أصوات الأهازيج، يبقى صوت المواطن هو الأهم؛ وبعد أن تنطفئ أضواء الاحتفال، تبدأ مسؤولية التمثيل والمساءلة والعمل.
