فاس: محمد أمقران حمداوي
قبل ثلاثة أيام تلقيت مكالمة هاتفية من الدكتور علال عمراني جوطي، المفتش التربوي الذي سبق أن تعرفت عليه خلال إحدى المحاضرات التي قدمتها بمدينة فاس سنة 2025 حول المسيرة الخضراء.
أتذكر جيدا كلماته في ختام تلك المحاضرة، حين قال لي: “إن المحاضرة كانت قيمة، قد مكنتني من التعرف بصورة أعمق إلى معنى المسيرة الخضراء ودلالاتها التاريخية والوطنية”.
لم أكن أتصور آنذاك أن ذلك اللقاء العابر سيكون مقدمة لحدث سيظل عالقا في الذاكرة.
كان موضوع المكالمة هذه المرة مختلفا، بل يحمل في طياته مفاجأة جميلة. فقد أخبرني الدكتور علال عمراني جوطي عن رغبته في أن يضع بين يدي مجموعة من الوثائق والقصص التاريخية التي جمعها وكتبها خلال سنوات طويلة، ولا سيما ما يتعلق بتاريخ الملوك العلويين وتاريخ المغرب.
وللدكتور علال عمراني جوطي مسار حافل في مجال التربية والثقافة والعمل الوطني. فقد ناضل لسنوات في صفوف حزب الاستقلال، كما كتب عددا من القصص التاريخية حول الملوك العلويين، غير أن ظروفه الصحية لم تمكنه من إخراج هذه الأعمال إلى الوجود. ومع مرور السنوات، ظل ارتباطه بما خطه قلمه يزداد، إلى أن تولدت لديه رغبة قوية في أن يسلم هذه المادة إلى يد أمينة تتولى إخراجها إلى القراء.
وكان لي شرف أن يقع اختياره علي، رغم أن معرفتي به لم تتجاوز في بدايتها لقاءات عابرة خلال المحاضرات التي قدمتها بمدينة فاس حول تاريخ المغرب.
وزوال يوم الثلاثاء 29 شتنبر 2026، فتح لي الدكتور علال عمراني جوطي صدره وباب منزله، وفتحت بيننا جلسة امتدت نحو ساعتين، تجاذبنا خلالها أطراف الحديث حول واقع الثقافة، وأوضاع المبدعين، وضرورة حفظ الذاكرة التاريخية المغربية وإيصالها إلى الأجيال الجديدة.
بعد ذلك انتقلنا إلى خزانته المكتظة بالكتب والوثائق. وهناك كانت المفاجأة الكبرى.
وجدت أمامي ذخائر نفيسة جمعها الرجل ورتبها بعناية، من بينها قصص تاريخية حول الملوك العلويين، ومواد أخرى تتصل بتاريخ المغرب، إضافة إلى قصاصات إخبارية ووثائق تاريخية تتعلق بالملوك محمد الخامس والحسن الثاني ومحمد السادس.
ولم تكن هذه المواد مبعثرة أو مجهولة المصدر، بل كانت محفوظة داخل ملفات مرقمة ومرتبة ومنظمة، بما يكشف عن سنوات طويلة من الجمع والتوثيق والتصنيف. كما سلمني مجموعة من القصص التي كتبها وأعدها في شكل كتيبات، إلى جانب وثائق ومواد تاريخية أخرى رأى أنها تستحق أن تغادر رفوف المكتب لتصل إلى أيدي القراء والباحثين.
لقد شعرت وأنا أتصفح هذه المواد أنني أمام جزء من ذاكرة رجل قضى سنوات طويلة في خدمة التربية والثقافة والتاريخ. فالمخطوط أو الوثيقة أو القصاصة الإخبارية لا تمثل مجرد ورقة محفوظة في ملف، وإنما قد تكون شاهدا على مرحلة من مراحل التاريخ، أو مفتاحا لفهم حدث، أو مادة يمكن أن يستفيد منها الباحث والكاتب والمؤرخ.
وقد اشتغل الدكتور علال عمراني جوطي، خلال فترة زمنية، مديرا لثانوية علال الفاسي بفاس، وهي من المؤسسات التعليمية العريقة. ويشير إلى أن هذه المهمة استنزفت منه جهدا كبيرا وأخذت من قوته الجسدية الشيء الكثير. ومع ذلك، ظل وفيا للكتاب والكتابة والتأليف.
ومن مؤلفاته كتاب “التلميذ المنحرف”، الذي حقق، حسب ما صرح به، إحدى عشرة طبعة، ولاقى إقبالا كبيرا من القراء، وهو ما يعكس حضوره في مجال التأليف واهتمامه بالقضايا التربوية والاجتماعية.
واليوم، وقد انتقلت هذه الذخائر من خزائن صاحبها إلى يد ترى فيها أمانة ثقافية، تبرز مسؤولية جماعية تتجاوز الأشخاص. فإخراج هذه الأعمال والوثائق إلى الوجود يحتاج إلى التفاتة من المؤسسات المعنية بالشأن الثقافي والتاريخي، وفي مقدمتها وزارة التربية الوطنية، وزارة الثقافة، والمديرية الجهوية للثقافة، والمندوبية السامية لقدماء المقاومين وأعضاء جيش التحرير، وجماعة فاس، وكل المؤسسات التي يمكنها أن تساهم في حفظ هذه المادة وتصنيفها وتحقيقها ونشرها.
إن الأمر لا يتعلق بمجرد طباعة كتب، وإنما يتعلق، في جوهره، بإنقاذ جزء من ذاكرة ثقافية وتاريخية من خطر أن تظل حبيسة الملفات والرفوف. وما يحتاجه هذا المشروع هو إرادة مؤسساتية ترافق المبادرة، وتوفر لها الوسائل العلمية والتقنية والمادية الكفيلة بتحويل هذه الذخائر من أوراق محفوظة إلى أعمال منشورة يستفيد منها الباحثون والطلبة والقراء والأجيال المقبلة.
ولعل أجمل ما في هذه الحكاية أن صاحب هذه الذخائر لم يبحث عن منفعة شخصية، بقدر ما كان يبحث عن يد أمينة تحمل ما كتبه بعناية، وتساعده على أن يرى النور بعد سنوات طويلة من الانتظار.
وإذا كان الكتاب يعيش مرتين، مرة حين يكتبه صاحبه، ومرة حين يصل إلى القارئ، فإن هذه المخطوطات والقصص والوثائق تنتظر الآن ميلادها الثاني.
وها هو النداء يخرج من قلب مدينة فاس:
هذه ذخائر تاريخية وثقافية تستحق أن ترى النور، وهذه أمانة وضعت في يد أمينة، لكنها تحتاج إلى مؤسسات تؤمن بأن حفظ الذاكرة ليس ترفا ثقافيا، وإنما مسؤولية تجاه الماضي والحاضر والمستقبل.

