باب الماكينة بفاس.. حين يتحول السماع الصوفي إلى لغة للروح وذاكرة للتراث المغربي

0

بقلم: لبنى حنين
في قلب العاصمة العلمية للمملكة، وتحديداً بفضاء باب الماكينة التاريخي، كان الموعد مع تجربة فنية وروحية تستمد جمالها من عمق التراث المغربي وأصالته، حيث أحيت الطريقة القادرية البودشيشية أمسية في فن المديح والسماع الصوفي، أعادت من خلالها الأجواء إلى عوالم الإنشاد الروحي، في تلاقٍ يجمع بين عبق الماضي ونبض الحاضر.
لم تكن الأمسية مجرد عرض فني عابر، بل شكلت مناسبة لاستحضار أحد المكونات الأصيلة للثقافة المغربية، حيث تتجاوز الأنغام حدود الإيقاع لتلامس الوجدان، وتحمل في كلماتها وألحانها معاني الذكر والمحبة والتسامح والارتقاء الروحي. ففي فن السماع الصوفي تتجلى خصوصية التعبير المغربي، الذي استطاع عبر الأجيال أن يحافظ على ملامحه الفنية والروحية، وأن يجعل من الإنشاد جسراً يصل الإنسان بتراثه وهويته.
وقد أضفت مشاركة مجموعة السماع، بقيادة سيدي معاذ، على هذا اللقاء طابعاً خاصاً، من خلال أداء يستحضر تقاليد المدرسة الصوفية المغربية، ويبرز ما يختزنه هذا الفن من غنى تعبيري وجمالية إنشادية. كما سلطت الأمسية الضوء على الدور الذي تضطلع به الطريقة القادرية البودشيشية في صيانة هذا الموروث الروحي والمساهمة في استمراريته، بما يحمله من قيم إنسانية وثقافية متوارثة.
ويكتسي احتضان باب الماكينة لهذه التظاهرة دلالة ثقافية متميزة، بالنظر إلى رمزية هذا الفضاء التاريخي الذي أصبح مرتبطاً بالمواعيد الفنية الكبرى بمدينة فاس. فحين تلتقي عراقة المكان بعمق السماع الصوفي، تتشكل لوحة مغربية متفردة، تستحضر الذاكرة الجماعية وتمنح التراث فرصة جديدة للتواصل مع الأجيال والجمهور من مختلف المشارب.
إن الحفاظ على فنون السماع والمديح ليس مجرد استعادة لتقاليد الماضي، بل هو استثمار في ذاكرة ثقافية تشكل جزءاً من هوية المغرب الحضارية. ومن هذا المنطلق، تبرز أهمية هذه اللقاءات في تثمين التراث اللامادي، والتعريف بتعدد روافد الثقافة المغربية، وتعزيز إشعاع فاس باعتبارها حاضرة تاريخية ظلت وفية لرسالتها العلمية والروحية والفنية.
وهكذا، يظل السماع الصوفي أكثر من فن يُؤدّى؛ إنه تعبير عن وجدان مغربي متجذر، يحمل في نغماته حكاية أصالة متجددة، ويؤكد أن التراث الحي لا يحفظه التاريخ وحده، بل تحفظه أيضاً الممارسة والإبداع والقدرة على نقله من جيل إلى جيل.
لبنى حنين
الإنماء بريس

ads
اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.