الانتخابات التشريعية عبر العالم بين التنفيذ والمناظرة

0

 

فاس: محمد أمقران حمداوي

تعد الانتخابات التشريعية من أبرز المحطات السياسية في الأنظمة الديمقراطية، إذ تتيح للمواطنين اختيار ممثليهم داخل المؤسسات البرلمانية، والمساهمة بصورة مباشرة أو غير مباشرة في تحديد الاتجاهات العامة للسياسات العمومية. وتختلف مواعيد هذه الانتخابات وأنظمتها وقواعدها من دولة إلى أخرى، غير أنها تلتقي في كونها وسيلة لاختيار ممثلين يتولون التشريع ومراقبة العمل الحكومي والمشاركة في صناعة القرار. وقد شهد العالم خلال السنوات الأخيرة عددا كبيرا من الاستحقاقات الانتخابية، الأمر الذي جعل الانتخابات موضوعا متجددا للنقاش حول المشاركة السياسية، ونزاهة الاقتراع، ودور الأحزاب والبرامج الانتخابية.
ولا تتوقف أهمية الانتخابات التشريعية عند لحظة التصويت وإعلان النتائج، بل تمتد إلى ما بعد ذلك، حيث يبرز سؤال أساسي: إلى أي حد تتحول الوعود والبرامج التي تقدمها الأحزاب والمرشحون خلال الحملات الانتخابية إلى سياسات وإجراءات ملموسة؟ ومن هنا يمكن النظر إلى الانتخابات التشريعية باعتبارها فضاء يجمع بين المناظرة السياسية قبل الاقتراع وتنفيذ البرامج بعده.

أولا: الانتخابات التشريعية فضاء للتنافس والمناظرة السياسية

تسبق الانتخابات التشريعية عادة مرحلة من الحملات الانتخابية التي تقدم خلالها الأحزاب والمرشحون تصوراتهم بشأن القضايا الاقتصادية والاجتماعية والتعليمية والصحية وغيرها. وتتحول هذه المرحلة إلى مجال للتنافس في عرض الأفكار والبرامج، وتنظيم اللقاءات والمناظرات، والتواصل مع الناخبين عبر وسائل الإعلام والمنصات الرقمية.
وتكتسب المناظرات أهمية خاصة لأنها تتيح للناخب مقارنة المواقف والبرامج، وطرح الأسئلة المتعلقة بالقضايا التي تشغل المجتمع. وتؤكد المعايير الدولية للانتخابات الحرة والعادلة أهمية تمكين الأحزاب والمرشحين من التعبير عن آرائهم والوصول إلى وسائل الإعلام، حتى يتمكن المواطن من الحصول على المعلومات الضرورية لاتخاذ قراره الانتخابي.
غير أن اتساع المجال الإعلامي والرقمي أفرز في الوقت نفسه تحديات جديدة، من بينها انتشار المعلومات المضللة، وصعوبة التحقق من بعض الأخبار والمواقف المتداولة خلال الحملات. وقد رصدت المؤسسات المتخصصة في الانتخابات هذه التحديات ضمن جملة من المخاطر التي تواجه العمليات الانتخابية الحديثة في عدد من دول العالم.

ثانيا: من البرامج الانتخابية إلى تنفيذ الوعود

تنتهي الحملة الانتخابية بإجراء الاقتراع وإعلان النتائج، لكن المسؤولية السياسية لا تنتهي عند هذه المرحلة؛ إذ تبدأ بعدها مرحلة أكثر ارتباطا بحياة المواطنين، تتمثل في تحويل البرامج الانتخابية إلى سياسات وقرارات وتشريعات.
فالناخب لا يختار ممثليه للاستماع إلى الوعود فحسب، وإنما ينتظر منهم المساهمة في معالجة القضايا التي قدمت بشأنها تعهدات أثناء الحملة. وتظهر هنا أهمية البرلمان باعتباره مؤسسة للتشريع والمراقبة، حيث يشارك أعضاؤه في سن القوانين ومساءلة الحكومة ومتابعة تنفيذ السياسات العمومية.
ويكشف الواقع المقارن أن الانتقال من البرنامج إلى التنفيذ ليس دائما أمرا بسيطا، إذ قد تواجه الحكومات والبرلمانات عراقيل مالية أو اقتصادية أو مؤسساتية، كما قد تفرض التحالفات السياسية أو تغير الظروف الوطنية والدولية تعديلات على الأولويات المعلنة خلال الحملات الانتخابية. ولذلك فإن تقييم البرامج لا ينبغي أن يقتصر على عدد الوعود التي تحققت، بل ينبغي أن يأخذ بعين الاعتبار السياق الذي جرى فيه تنفيذها، والآليات المؤسساتية المتاحة، والمدة الزمنية التي كانت أمام الجهات المنتخبة.
وتبرز في هذا السياق أهمية الرقابة البرلمانية، إذ تشير الدراسات المقارنة الحديثة إلى أن فعالية البرلمان ترتبط، من بين أمور أخرى، بقدرته على ممارسة الرقابة والتحقيق واستجواب المسؤولين وممارسة الضوابط على السلطة التنفيذية.

ثالثا: بين شرعية الانتخابات وثقة المواطنين

لا تكتمل قيمة الانتخابات التشريعية بمجرد تنظيم الاقتراع، وإنما ترتبط كذلك بمدى احترام القواعد القانونية، وشفافية العملية الانتخابية، وقدرة المؤسسات المختصة على تدبيرها بكفاءة، واحترام النتائج والإجراءات القانونية المتعلقة بالطعن فيها.
وقد أظهرت التجارب الانتخابية عبر العالم أن الثقة في الانتخابات تشكل عنصرا أساسيا في استقرار المؤسسات السياسية. فقد سجلت منظمة الديمقراطية والمساعدة الانتخابية الدولية أن عددا من الانتخابات خلال السنوات الأخيرة واجه تحديات تتعلق بالمعلومات المضللة، والنزاعات القانونية حول النتائج، ورفض بعض الأطراف للنتائج أو الطعن فيها.
ومن جهة أخرى، لا يمكن فصل ثقة المواطنين في الانتخابات عن قدرتهم على المشاركة فيها، وعن شعورهم بأن أصواتهم يمكن أن تجد طريقها إلى المؤسسات المنتخبة. ولذلك تشكل المشاركة السياسية، وتكافؤ الفرص بين المتنافسين، وحرية التعبير، وشفافية تمويل الحملات، واحترام القانون، عناصر مترابطة في بناء عملية انتخابية تحظى بالثقة.

خاتمة
تظل الانتخابات التشريعية عبر العالم محطة أساسية في الحياة السياسية، لأنها تجمع بين المناظرة حول البرامج قبل الاقتراع، والمسؤولية عن تنفيذها بعد الوصول إلى المؤسسات. وبين المرحلتين تتحدد قيمة الممارسة الديمقراطية في قدرة الأحزاب والمنتخبين على الانتقال من الخطاب إلى العمل، ومن الوعود إلى السياسات، ومن التنافس الانتخابي إلى خدمة المصلحة العامة.
وهكذا، فإن الانتخابات لا ينبغي أن تكون مجرد موسم للخطابات والبرامج، بل مسارا متكاملا يبدأ بالنقاش والمناظرة، ويمر عبر الاقتراع والتمثيل، وينتهي بالمحاسبة وتقييم الأداء. وكلما ارتبطت العملية الانتخابية بالشفافية والمساءلة واحترام القانون، أصبح المواطن أكثر قدرة على متابعة أداء ممثليه، وأصبحت المؤسسات المنتخبة أكثر ارتباطا بالمسؤولية التي من أجلها منحتها صناديق الاقتراع شرعيتها.

ads
اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.