بناء الإنسان قبل البنيان: حين تتراجع القيم وتفقد المؤسسات بوصلتها

0

بقلم: عبد الحكيم البقريني
في الوقت الذي تتسابق فيه المجتمعات إلى تشييد المؤسسات، وإقامة المنشآت، وتوسيع البنيات التحتية، وتخصيص الميزانيات الضخمة للمشاريع التنموية، يظل سؤال جوهري يفرض نفسه بإلحاح: أي جدوى من بناء الحجر إذا أهملنا بناء البشر؟ وأي معنى لإرساء المؤسسات إذا لم نؤسس داخل الإنسان منظومة من القيم والأخلاق التي تجعله قادرا على تحمل المسؤولية، واحترام القانون، وصون كرامة الآخرين، والمساهمة في بناء مجتمع متماسك؟
إن بناء الإنسان يسبق بناء البنيان، وتربية الضمير تسبق تشييد المؤسسات، وترسيخ القيم ينبغي أن يكون في صلب كل مشروع تنموي يطمح إلى تحقيق التقدم والاستقرار. فالمؤسسات، مهما بلغت قوتها، تظل هياكل جامدة إذا لم يسندها إنسان مؤمن برسالتها، ومدرك لمسؤوليته، ومتشبع بقيم المواطنة والتضامن والاحترام.
لا تقاس نهضة الأمم بعدد المدارس والمستشفيات والجامعات والإدارات التي تشيدها، ولا بحجم الطرق والقناطر والمنشآت التي تقيمها فحسب، وإنما تقاس أيضا بنوعية الإنسان الذي تنتجه مؤسساتها التربوية والاجتماعية، وبمستوى وعيه، وسلوكه، وقدرته على التمييز بين الحق والباطل، وبين الحرية والفوضى، وبين الاختلاف والعداء. فقد تمتلك الدولة أحدث المؤسسات وأجمل المباني، لكنها تعجز عن تحقيق التنمية الحقيقية إذا غابت النزاهة، وانتشر الغش، وتراجع احترام القانون، وتحولت المسؤولية إلى امتياز، والمصلحة العامة إلى مجال للتنافس على المنافع الشخصية.
إن بناء الإنسان ليس شعارا للاستهلاك الإعلامي، ولا ترفا فكريا يمكن تأجيله إلى حين استكمال المشاريع العمرانية، بل هو شرط أساسي لنجاحها واستمرارها. فالمدرسة التي لا تنتج إنسانا مسؤولا، والإدارة التي لا تخدم المواطن بنزاهة، والمؤسسة التي لا تحترم كرامة الإنسان، جميعها تحتاج إلى مراجعة عميقة لوظائفها وأولوياتها. ولذلك، فإن الاستثمار الأهم الذي ينبغي أن تتنافس عليه المجتمعات ليس الاستثمار في الحجر وحده، بل في الإنسان الذي سيحمي الحجر، ويصون المؤسسة، ويمنح التنمية معناها الأخلاقي والإنساني.
إذا كان بناء الإنسان مسؤولية جماعية، فإن الأسرة تظل المحطة الأولى التي تتشكل فيها شخصية الطفل، وتترسخ من خلالها ملامح سلوكه، وتتكون فيها علاقته بذاته وبالآخرين.
داخل الأسرة يتعلم الطفل معنى الصدق قبل أن يقرأ عنه في كتاب، ويدرك قيمة الاحترام قبل أن يتلقاه درسا في المدرسة، ويمارس التضامن قبل أن يسمع خطبة عن التكافل. وفيها يكتشف معنى المسؤولية، وحدود الحرية، وواجب احترام الكبير، والعطف على الصغير، والمحافظة على الممتلكات، والاعتذار عند الخطأ.
لكن ما يثير القلق في واقعنا الاجتماعي هو تراجع الدور التربوي لبعض الأسر، وانشغال عدد من الآباء والأمهات بتوفير الحاجيات المادية للأبناء على حساب حاجياتهم النفسية والأخلاقية والتربوية. لقد أصبح توفير الهاتف الذكي، والملابس، ومصاريف الدراسة، أحيانا، بديلا عن الحوار والمراقبة والتوجيه والمصاحبة.
وفي حالات أخرى، استقالت الأسرة من وظيفتها التربوية، وتركت الأبناء يواجهون وحدهم عالما مفتوحا على التأثيرات المتناقضة، تتداخل فيه الرسائل الإعلامية والمحتويات الرقمية والنماذج السلوكية، دون أن يجدوا دائما من يساعدهم على التمييز بين ما يبني شخصياتهم وما يربكها.
ولا يعني ذلك تحميل الأسر وحدها مسؤولية التراجع الأخلاقي، أو تجاهل الصعوبات الاقتصادية والاجتماعية التي تواجهها، بل يعني التأكيد على أن التربية لا يمكن أن تتحول إلى مهمة ثانوية، ولا يجوز أن تختزل الأبوة والأمومة في الإنفاق المادي.
فالطفل يحتاج إلى من يسمعه، ويصاحبه، ويضع له الحدود المناسبة، ويقدم له القدوة الحسنة. ويحتاج، قبل كل شيء، إلى أسرة تدرك أن التربية ليست أوامر ونواهي فحسب، بل هي ممارسة يومية تتجسد في سلوك الكبار قبل نصائحهم.
إن الأسرة التي تتخلى عن دورها لا تترك فراغا بسيطا في حياة أبنائها، وإنما تفتح المجال أمام مؤثرات أخرى لتتولى تشكيل وعيهم، وقد لا تكون هذه المؤثرات حريصة على مستقبلهم أو على سلامتهم النفسية والأخلاقية.
المدرسة… من صناعة المعرفة إلى صناعة الإنسان
بعد الأسرة، تأتي المدرسة باعتبارها المؤسسة التي تتولى توسيع مدارك الطفل، وتنمية قدراته العقلية، وتدريبه على الحياة المشتركة، وإعداده ليكون مواطنا قادرا على الاندماج الإيجابي في المجتمع.
فالمدرسة ليست فضاء لتلقين المعارف وحفظ الدروس واجتياز الامتحانات فحسب، بل هي مؤسسة للتنشئة الاجتماعية، ومختبر لتعلم الانضباط، واحترام الاختلاف، وقبول الآخر، والعمل الجماعي، وتحمل المسؤولية.
ومن الخطأ اختزال نجاح المدرسة في نسب النجاح، وعدد المتعلمين الذين حصلوا على الشهادات، والنتائج التي تعلن في نهاية الموسم الدراسي. فهذه المؤشرات، على أهميتها، لا تكفي وحدها للحكم على جودة التربية والتعليم، ما لم تقترن بقياس أثرهما في سلوك المتعلمين، وفي قدرتهم على التفكير النقدي، وممارسة المواطنة، واحترام الحقوق والواجبات.
إننا بحاجة إلى مدرسة لا تعلم الناشئة كيف ينجحون في الامتحان فقط، بل كيف ينجحون في الحياة؛ مدرسة تربي على الصدق، وتحارب الغش، وتنبذ العنف، وتغرس ثقافة الحوار، وتعلم المتعلم أن الحرية مسؤولية، وأن الاختلاف لا يبرر الإساءة، وأن الممتلكات العامة ملك للجميع.
غير أن تحقيق هذه الأهداف يقتضي إعادة الاعتبار لسلطة المدرسة التربوية، وهيبة المدرس، ومكانة المعرفة، واحترام القواعد المنظمة للحياة المدرسية.
لقد أضعف اختلال العلاقة بين بعض المتعلمين والمدرسين، وتراجع التواصل بين الأسرة والمدرسة، وتنامي بعض مظاهر العنف والاستهانة بالقواعد، قدرة المؤسسة التعليمية على أداء رسالتها التربوية في ظروف مناسبة. وأصبح المدرس في بعض السياقات مطالبا بتدبير مشكلات سلوكية واجتماعية معقدة، في وقت يفترض أن يجد فيه الدعم من الأسرة والإدارة والجهات المعنية.
إن استعادة سلطة المدرسة لا تعني العودة إلى أساليب القمع أو الإهانة أو العقاب التعسفي، بل تعني إرساء سلطة تربوية عادلة، تقوم على الاحترام المتبادل، ووضوح القواعد، وربط الحقوق بالواجبات، ومحاسبة كل من يتجاوز الحدود، مع حماية كرامة المتعلم والمدرس على السواء.
فالمدرسة التي لا تستطيع حماية فضائها التربوي، ولا تملك الوسائل الكافية لتصحيح السلوك المنحرف، تجد نفسها مهددة بفقدان إحدى أهم وظائفها: بناء الإنسان.
تأتي المؤسسة الدينية لتكمل الأدوار التربوية التي تضطلع بها الأسرة والمدرسة، من خلال ترسيخ القيم الأخلاقية، وتعزيز الوازع الداخلي، وتذكير الإنسان بمسؤوليته تجاه نفسه وأسرته ومجتمعه. فالدين، في جوهر رسالته الأخلاقية، يدعو إلى الصدق والأمانة والعدل والإحسان والتسامح وصلة الرحم واحترام حقوق الآخرين. وهي قيم لا ينبغي أن تظل حبيسة الخطب والمواعظ، وإنما يتعين أن تتحول إلى سلوك يومي وممارسة ملموسة في المعاملات والعلاقات الاجتماعية.
ولا تكمن وظيفة المؤسسة الدينية في تقديم الخطاب الوعظي وحده، بل تمتد إلى الإسهام في معالجة بعض الاختلالات الأخلاقية والاجتماعية، ومواجهة خطاب الكراهية والتعصب، وتعزيز الاعتدال، وتقوية الروابط الإنسانية بين أفراد المجتمع.
فما قيمة الحديث عن الأمانة إذا استمر الغش في المعاملات؟ وما جدوى الدعوة إلى التسامح إذا ظلت الإهانة والعنف حاضرين في العلاقات اليومية؟ وأي أثر للمواعظ إذا انفصلت عن الممارسات التي يعيشها الناس في بيوتهم وأماكن عملهم وفضاءاتهم العامة؟
إن المؤسسة الدينية مطالبة بأن تجعل القيم التي تدعو إليها قابلة للترجمة إلى سلوك عملي، وأن تسهم، بتنسيق مع الأسرة والمدرسة وباقي المؤسسات، في بناء ضمير فردي وجماعي يرفض الظلم، ويصون الكرامة، ويجعل احترام الإنسان أساسا للعلاقات الاجتماعية.
لا يمكن الحديث عن مستقبل المغرب دون التوقف عند التحولات التي تعرفها منظومة القيم لدى فئات من الناشئة، وما يرافقها من مظاهر مقلقة تستدعي التشخيص والنقاش والمسؤولية المشتركة.
إن ما يثير الانتباه ليس اختلاف الأجيال في أفكارها وأذواقها، فهذا أمر طبيعي في كل مجتمع حي، وإنما اتساع المسافة أحيانا بين ما تتطلبه الحياة المشتركة من قيم الاحترام والمسؤولية، وبين بعض السلوكيات التي تطبع الفضاءات الأسرية والمدرسية والعمومية.
لقد أصبحنا نعاين، في بعض الأوساط، مظاهر من العنف اللفظي والجسدي، والاستهانة بالممتلكات العامة، والغش، والتنمر، والإساءة إلى الآخرين، والتعامل مع القانون باعتباره عائقا ينبغي الالتفاف عليه بدل اعتباره ضمانة لحقوق الجميع.
كما يجد بعض الشباب أنفسهم أمام مرجعيات متضاربة، تتجاذبهم بين خطاب أسري تقليدي، وخطاب مدرسي يفترض أن يؤطر شخصياتهم، ومحتويات رقمية تقدم لهم نماذج متعددة للنجاح والشهرة والقوة، دون أن تكون جميعها مبنية على الاستحقاق أو المعرفة أو الأخلاق.
وهكذا قد يجد الناشئ نفسه أمام عالم تتراجع فيه مكانة القدوة، وتتضارب فيه الرسائل التربوية، ويصعب فيه التمييز بين ما هو مقبول وما هو مرفوض، وبين ما يحقق الحرية الشخصية وما يعتدي على حقوق الآخرين.
لكن الإنصاف يقتضي التأكيد على أن الناشئة المغربية ليست جيلا فاسدا بطبيعته، ولا يجوز اختزالها في مظاهر الانحراف التي نراها هنا أو هناك. ففي صفوف الشباب المغربي طاقات علمية وإبداعية ورياضية وثقافية واعدة، ونماذج مشرفة من الاجتهاد والتضامن والتطوع والنجاح.
المشكلة الحقيقية ليست في جيل بأكمله، وإنما في البيئة التربوية والاجتماعية التي قد تعجز أحيانا عن توفير التوجيه والاحتضان والقدوة والفرص الضرورية لنموه المتوازن.
ومن ثم، فإن وصف الناشئة بأنها جيل تائه ومنشطر ينبغي أن يكون مدخلا لفهم أسباب التيه والتشتت، لا حكما نهائيا على الشباب، ولا ذريعة للتنصل من مسؤولية المؤسسات التي يفترض أن ترافقهم في مرحلة بناء الشخصية وتحديد الخيارات.
حين تتراجع الأخلاق… تتآكل إنسانية المجتمع
إن القيم والأخلاق ليست مجرد زينة اجتماعية أو قواعد شكلية يمكن الاستغناء عنها متى اقتضت المصلحة ذلك، بل هي الأساس الذي تقوم عليه الثقة بين الناس، وتستقيم به العلاقات، وتتحقق من خلاله العدالة الاجتماعية.
فالمجتمع الذي يتراجع فيه احترام الإنسان، وتصبح فيه الأنانية قاعدة، ويستباح فيه حق الضعيف، وتتحول فيه الكذب والمراوغة والغش إلى وسائل لتحقيق المصالح، يكون قد وضع أسس تفككه من الداخل، مهما بدا متماسكا في الظاهر.
والمجتمعات التي تتخلى عن القيم الإنسانية تفقد تدريجيا مقومات العيش المشترك، لأن الإنسان لا يعيش بالخبز وحده، ولا تستقيم حياته بمجرد توفر الخدمات والمرافق، بل يحتاج أيضا إلى الأمان والثقة والعدل والاحترام والتضامن.
ومع ذلك، فإن القول إن المجتمعات التي لا أخلاق لها تقع خارج نطاق البشرية يحتاج إلى فهم أخلاقي لا إلى تأويل حرفي؛ فالإنسانية البيولوجية لا تزول عن الناس بسبب انحرافهم، لكن المجتمع الذي يهدر الكرامة الإنسانية ويستبيح الحقوق يبتعد عن جوهر القيم التي تمنح الوجود الإنساني معناه.
إن الأخلاق هي التي تجعل القوة مسؤولية، والحرية التزاما، والاختلاف فرصة للتعارف، والنجاح وسيلة للإسهام في الخير العام. وهي التي تمنع الإنسان من التحول إلى كائن لا يرى في الآخرين سوى أدوات لتحقيق رغباته ومصالحه.
لذلك، فإن أزمة القيم ليست مسألة فردية معزولة، بل قضية مجتمعية تتداخل فيها مسؤوليات الأسرة والمدرسة والمؤسسة الدينية والإعلام والفضاء الرقمي ومختلف مؤسسات التنشئة الاجتماعية.
من يتحمل مسؤولية إعادة بناء الإنسان؟
إن مواجهة التراجع الأخلاقي لا تتحقق بإلقاء اللوم على الأسر وحدها، أو تحميل المدرسة كامل المسؤولية، أو مطالبة المؤسسة الدينية بمعالجة اختلالات تتجاوز مجالها. فبناء الإنسان مسؤولية متكاملة تتطلب وضوح الأدوار وتنسيق الجهود.
تبدأ المسؤولية من الأسرة، التي يتعين أن تستعيد دورها في التربية والمصاحبة والمراقبة، وأن تعيد الاعتبار للحوار والقدوة والتوجيه، دون أن تختزل علاقتها بالأبناء في الأوامر أو توفير الحاجيات المادية.
وتتواصل داخل المدرسة، من خلال ترسيخ التربية على المواطنة والسلوك المدني، والرفع من مكانة المدرس، وتوفير بيئة آمنة ومنضبطة، وإدماج القيم في الممارسة اليومية، بدلا من الاكتفاء بتقديمها في دروس نظرية لا تجد دائما طريقها إلى الواقع.
كما ينبغي للمؤسسة الدينية أن تواصل أداء رسالتها في ترسيخ الأخلاق والاعتدال والتسامح، وربط الخطاب الديني بمشكلات الناس اليومية، بما يعزز المسؤولية الفردية والتماسك الاجتماعي.
ولا يمكن إغفال دور الإعلام، الذي يتحمل بدوره مسؤولية أخلاقية في تقديم القدوة الإيجابية، ومواجهة المحتويات التي تمجد العنف والإساءة والربح السريع على حساب العمل والاجتهاد، دون أن يتحول ذلك إلى دعوة لتقييد حرية التعبير أو فرض نموذج واحد في التفكير.
أما المؤسسات العمومية، فعليها أن تقدم القدوة من خلال النزاهة والشفافية والإنصاف واحترام القانون. فمن الصعب مطالبة الناشئة باحترام القواعد إذا كانت ترى في محيطها تناقضا بين الخطاب والممارسة، أو تشعر بأن المسؤولية لا تقترن دائما بالمحاسبة.
إن التربية على القيم تفقد كثيرا من أثرها عندما يكتشف الطفل أن بعض ما يتعلمه في المدرسة يناقض ما يراه في المجتمع. لذلك، فإن بناء الإنسان يقتضي أن تكون المؤسسات نفسها نموذجا في السلوك الذي تدعو إليه.
بناء الإنسان مشروع وطني لا يحتمل التأجيل
إن الرهان الحقيقي الذي ينبغي أن ينخرط فيه المغرب اليوم لا يقتصر على تحديث المؤسسات وتطوير البنيات التحتية وتحسين المؤشرات الاقتصادية، على أهمية كل ذلك، بل يتجاوز هذه الأوراش إلى بناء مواطن متوازن، واع بحقوقه وواجباته، متشبع بقيم المواطنة، وقادر على التمييز بين الحرية والفوضى، وبين الاختلاف والصراع، وبين النجاح المشروع والوصولية.
وهذا الرهان يقتضي الانتقال من التعامل مع التربية باعتبارها وظيفة قطاعية محدودة إلى اعتبارها مشروعا مجتمعيا مشتركا، تتكامل فيه أدوار الأسرة والمدرسة والمؤسسة الدينية والإعلام ومختلف الفاعلين.
كما يتطلب الاستثمار في برامج تربوية عملية، وإعادة الاعتبار للأنشطة الثقافية والفنية والرياضية، وتشجيع المبادرات التطوعية، وتوفير فضاءات آمنة للشباب، وإشراكهم في الحياة العامة، حتى لا تظل القيم مجرد شعارات ترفع في المناسبات، بل تتحول إلى تجارب يومية يتعلمون من خلالها المسؤولية والتعاون واحترام الآخر.
إن بناء الإنسان لا يتحقق بقرارات إدارية وحدها، ولا بخطابات التخويف والتوبيخ، بل يحتاج إلى نفس طويل، وسياسات تربوية واضحة، ومؤسسات منسجمة، وقدوة صادقة، وثقة متبادلة بين الأجيال.
فلا تنمية مستدامة دون إنسان مسؤول، ولا مدرسة ناجحة دون تربية، ولا أسرة مستقرة دون حوار، ولا مؤسسة فعالة دون ضمير، ولا مجتمع متماسك دون قيم مشتركة تحمي كرامة أفراده وتضمن حقوقهم.
وخلاصة القول، إن بناء الإنسان يظل أسبق من بناء البنيان، لأن الحجر لا يصنع حضارة بمفرده، والمؤسسات لا تمنح المجتمع روحه ما لم يسكنها إنسان متشبع بالقيم والأخلاق. وإذا كان تشييد المباني يحتاج إلى مهندسين ومواد وميزانيات، فإن تشييد الإنسان يحتاج إلى أسرة حاضنة، ومدرسة فاعلة، ومؤسسة دينية مسؤولة، ومجتمع يقدم القدوة قبل الموعظة.
فأي مستقبل نريده للمغرب إذا انشغلنا ببناء المدن وأهملنا بناء الإنسان؟ وأي معنى للمؤسسات إذا لم تسهم في صناعة مواطن يحترم نفسه وغيره، ويؤمن بأن الحقوق لا تنفصل عن الواجبات، وأن الحرية لا تستقيم دون مسؤولية؟
إنها أسئلة لا تحتمل التأجيل، لأن بناء الإنسان ليس مرحلة تأتي بعد اكتمال البنيان، بل هو الأساس الذي ينبغي أن يقوم عليه كل بنيان، والشرط الذي يمنح كل مشروع تنموي قيمته الحقيقية. فقبل أن نبني المؤسسات، علينا أن نبني الإنسان القادر على جعلها مؤسسات حية، عادلة، ومنتجة للخير العام.

ads
اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.