المعانيد يكتب : المنهج الجينيالوجي عند نيتشه

0

بقلم ذ؛ المعانيد الشرقي
تأسس المنهج الجينيالوجي عند فريدريك نيتشه على قراءة تقوم على مفهوم التفكيك، تفكيك نموذج القول الذي قام عليه فعل التفلسف الذي يتميز بإجراءات إقامة التطابق بين المعنى والقيمة، و إجراء كبت الجسد وإقصاء البعد البلاغي للخطاب الفلسفي، وكانت غاية تأسيس التفلسف على هذه الإجراءات حرمان الإنسان من البصيرة الفعلية للإنسان ذاته، حيث حصل حرمانه من رؤية ما ينبغي رؤيته. بل حدث”ضمور معمم لجميع الحواس”. و إضعاف “مُمَنْهَج لكل عضو حسي”. الجينيالوجيا تفكيك ناقد لمنطق الهوية الناهض على ثنائيات متعارضة، الصدق/الكذب، الخير/الشر، ظاهر/باطن، داخل/ خارج، الأعلى/الأسفل، الحق/ الوهم، الجوهر/العرض، الدال/المدلول، الجسد/الروح، النموذج/النسخة. الأيقونة / السيمولاكر. و من جهة أخرى يتحدد معنى كلمة جينيالوجيا في كونها دراسة النشأة و التكوين لإثبات النسب و الوقوف عند الأصل، وليس المقصود بالأصل هنا أن الجينيالوجيا شجرة أنساب. هذا ما يؤكده نيتشه نفسه في كتابه (جينيالوجيا الأخلاق) ” إن الأمر يتعلق هنا بتأملات حول أصل أحكامنا الأخلاقية المسبقة.” و تبعا لذلك ستصبح الجينيالوجيا حسب المفكر عبد السلام بن عبد العالي في كتابه “أسس الفكر الفلسفي المعاصر” هي دراسة نشأة الميتافيزيقا، و القيام بعرض تاريخي للوقوف عند الأصل الذي صدرت عنه، هذا الأصل الذي يكون قد غذاها منذ البداية فطبعها بطابعه و وسمها بميسمه. يقول هيدجر في كتابه عن نيتشه: ” لا يعني الأصل هنا السؤال: من أين صدرت الأشياء؟ بل أيضا كيف تكونت؟ . إنه يعني الكيفية التي تكون عليها. فلا يدل الأصل أبدا عن النشأة التاريخية التجريبية.” فهذا ليس تمجيد للبدايات و الأصول، إذ أن ذلك سيغرقنا في الميتافيزيقا و التي تعتقد أن الأشياء كانت كاملة في بدايتها.
هذا ما أكده ميشال فوكو في كتابه ( نيتشه، الجينيالوجيا و التاريخ) ” إن الأصل يوضع دوما قبل السقطة، قبل العالم و قبل الزمن.” فإذا لم يتق الجينيالوجي في الميتافيزيقا نفسها فإنه لا محالة سيدرك أن وراء الأشياء شيء آخر، قد يكون بدون ماهية أو قد يتكون شيئا فشيئا، فما نجده في البدايات التاريخية للأشياء ليس بالضرورة هويتها الأصلية. فالجينيالوجيا بهذا المعنى تضع نفسها في مقابل الميتافيزيقا، إنها تاريخ مضاد للتاريخ الميتافيزيقي بتعبير الأستاذ عبد السلام بن عبد العالي، فهي لا تؤسس، بل على العكس من ذلك، إنها تقلق ما تعتقده الميتافيزيقا ساكناً و تُفتت ما تظنه موحدا، و تظهر التنوع في ما يبدو منسجماً. و في هذا الصدد يقول نيتشه: ” الجينيالوجي طبيب و مُشَرِّعٌ و فنان، فما أن يسمع بالتفاضليات أو بالفضيلة و الخير حتى يستحضر استراتيجيات الهيمنة”. أي أن هناك صراع للقوى و كل قوة تريد أن تسيطر على غيرها، و هو ما يسمى في فلسفته بإرادة القوة، أو لعبة إرادات. و ما ينصرف على مفهوم الإرادة ينصرف على مفهوم الحقيقة، حيث يعتبرها نيتشه أوهام نسينا أنها كذلك… و يؤكد هذا الطرح من خلال قولته: ” إن الحقيقة تقتل، بل أكتر من ذلك إنها تقتل نفسها عندما تكتشف أن أساسها هو الخطأ.”
كما تنظر الجينيالوجيا إلى المنطق المؤسس للخطاب الميتافيزيقي ليس بوصفه نظرية في القول السليم أو ليس بوصفه مجرد منهج، و إنما يتجاوز الأمر ذلك إلى اعتباره نظاما معرفيا ذي لغة و مفاهيم مستلهمة من النموذج العلمي الصوري الهندسي أساسا، أو المنطق كرؤية فلسفية تضفي على العالم التماسك و الانسجام ما يلبي طموح العقل.
فإذا كان النقد الجينيالوجي مع نيتشه هو تفكيك لخطاب الميتافيزيقا، فكيف يمكن فهم النقد مع فريدريك نيتشه؟
يشكل النقد حسب نيتشه فن اختراق الأقنعة و كشف الأوهام أو ما يوجد خلف المفاهيم، ذلك بالنظر إلى العلامة باعتبارها مادة سيميولوجية قابلة للتأويل، و اللغة كلها علامات و رموز تدل و تعني بتعبير من استعملها و كذلك تبعا للقوى التي أنتجتها، هكذا فالنقد عند نيتشه هو نقد سيميولوجي يأخذ اللغة أداة له، و دليلنا على ذلك سيبدو واضحا من خلال سوق هذه المقولة الشهيرة لنفس الفيلسوف أعني ( نيتشه )” إن الدودة التي ندوسها بأقدامنا تنطوي على نفسها لتختزل إمكانيات أن لا ترى نفسها مُداسة ثانية تلك ما يسمى في لغة الأخلاقيين تواضعا.” و لما كان النقد فن للتأويل، بحيث يعمل على إرجاع النموذج إلى الأصل الذي قام بتأسيسه داخل تراتبيات قيمية مضبوطة، و لأن الترتيب نفسه يخضع لصراع القوى من أجل تصنيف المعاني، فإن النقد النيتشوي يصبح بتعبير “ميشال فوكو” حفر و تشريح لما يؤسس لتاريخ المعنى و القيمة، و الحقيقة أو حفريات المعرفة. يقول نيتشه في هذا الصدد: ” ليست قيمنا إلا تأويلات أقحمناها في الأشياء . هل يمكن أن يكون هناك معنى في ذاته؟ أليس كل معنى نسبيا، أي منظوراً؟ كل معنى هو إرادة قوة.”
يتبع…

ads
اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.