ياسمين الحاج تستضيف الدكتور عبد الصمد المحمدي: الديمقراطية ليست مجرد موعد انتخابي… بل مشروع دولة ورهان بناء الإنسان
الدكتور عبد الصمد المحمدي: الديمقراطية ليست مجرد موعد انتخابي… بل مشروع دولة ورهان بناء الإنسان
دردشة مع ياسمين الحاج/ 2 غشت 2026
حوار خاص مع الدكتور عبد الصمد المحمدي
في ظل اقتراب الاستحقاقات التشريعية المقبلة، تستضيف الإعلامية ياسمين الحاج” المفكر والباحث والسياسي الدكتور عبد الصمد المحمدي، في حوار يتناول رهانات الديمقراطية، وتجديد النخب، وأداء المؤسسة التشريعية، ودور الشباب والمرأة، ومستقبل العمل السياسي بالمغرب، من خلال رؤية تجمع بين الخبرة الأكاديمية والتجربة المهنية والسياسية، وتؤكد أن بناء مغرب المستقبل يبدأ بالاستثمار في الإنسان والمعرفة والحكامة الرشيدة.
بدايةً، نرحب بكم في زاوية “دردشة مع ياسمين الحاج”. حبذا لو تعرفون القراء بشخصكم الكريم، وتحدثوننا عن أبرز محطات مساركم المهني والسياسي، والدوافع التي قادتكم إلى الانخراط في العمل العام، وكيف تنظرون اليوم إلى مسؤولية الفاعل السياسي في ظل الاستحقاقات التشريعية المقبلة والتحديات التي يواجهها المغرب؟
الجواب:
أشكركم على هذه الاستضافة التي تفتح فضاءً لحوار جاد حول إحدى القضايا المفصلية في مسار البناء الديمقراطي بالمغرب. فالانتخابات، في تقديري، ليست موعدًا سياسيًا عابرًا، بل لحظة وطنية لإعادة مساءلة علاقتنا بالدولة، وبالمؤسسات، وبمفهوم المسؤولية في تدبير الشأن العام.
أنتمي إلى مسار علمي ومهني يجمع بين الطب، والبحث الفلسفي، والعلوم السياسية، والدراسات الإسلامية، كما راكمت تجربة في العمل النقابي والسياسي. وقد أسهم هذا التكوين المتعدد في ترسيخ قناعة مفادها أن القضايا العمومية لا يمكن مقاربتها بمنطق التخصص المنغلق، لأن الإنسان، وهو محور كل سياسة عمومية، لا يتجزأ، وكذلك التنمية لا تُبنى بمنطق القطاع الواحد، بل بتكامل المعرفة وتفاعل الاختصاصات.
لم يكن الانخراط في العمل العام بالنسبة إليّ انتقالًا من المجال الأكاديمي إلى المجال السياسي، بل كان امتدادًا طبيعيًا له. فالمعرفة التي لا تُسهم في تحسين حياة الناس تظل ناقصة الأثر، والسياسة التي تنفصل عن الفكر سرعان ما تتحول إلى مجرد تدبير يومي يفتقد الرؤية. ومن هنا جاء اقتناعي بأن المسؤولية العمومية تبدأ من القدرة على تشخيص التحولات، قبل البحث عن تدبيرها.
اليوم، يقف المغرب أمام مرحلة جديدة، تتسم بتسارع الإصلاحات الكبرى، وتنامي الرهانات الاقتصادية والاجتماعية والجيوسياسية، وهو ما يفرض الارتقاء بجودة النخب، وأساليب التفكير، وآليات صناعة القرار. لذلك فإن مسؤولية الفاعل السياسي لم تعد تقتصر على تمثيل المواطنين، وإنما أصبحت تتمثل في الإسهام في بناء مؤسسات أكثر كفاءة، وسياسات أكثر نجاعة، ومجال عمومي أكثر قدرة على إنتاج الثقة.
ومن هذا المنطلق، أرى أن المرحلة المقبلة تستدعي الاستثمار في “المعرفة الاستراتيجية” باعتبارها شرطًا للحكامة الرشيدة، وذلك من خلال إحداث مراصد جهوية للدراسات متعددة التخصصات، وتعزيز التعاون بين الجامعات، والمؤسسات المنتخبة، والقطاع الاقتصادي، والهيئات المهنية، ومكونات المجتمع المدني، حتى يصبح القرار العمومي مؤسسًا على التحليل العلمي والاستشراف، لا على المعالجة الظرفية للأحداث.
كما أن بناء مغرب المستقبل يقتضي إعادة الاعتبار للرأسمال اللامادي، وللقيم المنتجة للمواطنة، وللقدرة على تحويل التنوع الثقافي والترابي إلى قوة اقتراح وإبداع. فالتنمية ليست فقط نموًا اقتصاديًا، وإنما هي أيضًا بناء للإنسان، وتوسيع لفضاءات المشاركة، وترسيخ لثقافة المسؤولية.
لهذا، فإنني أنظر إلى الاستحقاقات التشريعية المقبلة باعتبارها فرصة لتجديد النخب، وتجديد أدوات العمل السياسي، وتعزيز الالتقائية بين الرؤية الاستراتيجية للدولة، والانتظارات المشروعة للمواطنين، حتى يظل الإصلاح مسارًا متواصلًا، وتبقى الديمقراطية رافعة للتنمية، لا مجرد آلية لتداول المسؤوليات.
. السؤال الثاني:
كيف تنظرون إلى أهمية الانتخابات التشريعية المقبلة في ترسيخ المسار الديمقراطي، وما أبرز الرهانات التي تميزها عن الاستحقاقات السابقة؟
الجواب:
تكتسب الانتخابات التشريعية المقبلة أهمية خاصة لأنها تأتي في مرحلة انتقل فيها المغرب من منطق إرساء الإصلاحات إلى منطق تعميق آثارها وترسيخ نجاعتها. فالتحدي لم يعد متعلقًا ببناء المؤسسات، بقدر ما أصبح مرتبطًا بتعزيز قدرتها على مواكبة التحولات المتسارعة التي يعرفها العالم، وترجمة الاختيارات الاستراتيجية للدولة إلى سياسات عمومية أكثر كفاءة وعدالة.
إن الرهان الحقيقي لهذه الانتخابات لا يكمن في تغيير الأغلبية أو المعارضة فحسب، وإنما في الارتقاء بجودة التمثيل الديمقراطي، وتجديد النخب، وإعادة الاعتبار للسياسة باعتبارها مجالًا لإنتاج الرؤية وصناعة المستقبل. فكلما ارتفع مستوى المؤسسة التشريعية علميًا وفكريًا، ازدادت قدرتها على مواكبة الأوراش الوطنية الكبرى، وعلى ممارسة وظائفها الدستورية في التشريع والرقابة وتقييم السياسات العمومية.
وما يميز هذه الاستحقاقات أيضًا أنها تأتي في سياق دولي يتسم بتعاظم التحديات المرتبطة بالأمن الغذائي والمائي، والتحول الرقمي، والذكاء الاصطناعي، والتغيرات المناخية، وإعادة تشكيل الاقتصاد العالمي. وهو ما يفرض على الفاعل السياسي أن يمتلك رؤية تتجاوز التدبير الآني نحو التفكير الاستراتيجي طويل المدى.
ولهذا، فإن المرحلة المقبلة تستدعي أن يصبح “الاستشراف المؤسسي” جزءًا من الثقافة التشريعية، عبر تعزيز التكامل بين البرلمان والجامعة ومراكز الخبرة، وإرساء آليات علمية لتقييم الأثر التشريعي، حتى تبنى القوانين على المعرفة الدقيقة بحاجيات المجتمع وتحولاته.
كما أن نجاح هذا المسار يظل رهينًا بتجديد وظيفة الأحزاب السياسية، لتستعيد دورها في التأطير والتكوين وإنتاج النخب، وأن تنفتح بصورة أكبر على الكفاءات العلمية والشبابية، وعلى مختلف الخبرات الوطنية، بما يجعل التنافس الانتخابي تنافسًا بين مشاريع مجتمعية ورؤى تنموية، لا بين شعارات ظرفية.
إن الانتخابات المقبلة تمثل فرصة لترسيخ نموذج ديمقراطي يقوم على “جودة المؤسسات، وكفاءة الإنسان، وحسن تدبير الموارد، واستباق التحولات” . فكلما نجحنا في تحويل الانتخابات إلى محطة لإنتاج الثقة، وتعزيز الحكامة، وتطوير الأداء العمومي، اقتربنا أكثر من بناء دولة قوية بمؤسساتها، ومجتمع واثق في مستقبله، وتنمية قادرة على الاستجابة لتطلعات الأجيال الحاضرة والقادمة.
. السؤال الثالث:
كيف تقيمون واقع المشهد السياسي المغربي اليوم، وهل ترون أنه مهيأ لإفراز نخب قادرة على الاستجابة لانتظارات المواطنات والمواطنين؟
الجواب:
المشهد السياسي المغربي يوجد اليوم أمام منعطف نوعي أكثر منه أمام أزمة بنيوية. فالمملكة راكمت، خلال العقود الأخيرة، إصلاحات دستورية ومؤسساتية مهمة، غير أن الرهان أصبح يتمثل في الارتقاء بجودة الأداء السياسي حتى يواكب سرعة التحولات التي يشهدها المجتمع والدولة والعالم.
إن السؤال الحقيقي لم يعد: هل لدينا مؤسسات؟ بل أصبح: “هل تمتلك هذه المؤسسات من الكفاءات والرؤى ما يؤهلها لقيادة المستقبل؟” فالتنمية لا تحتاج فقط إلى موارد مالية أو نصوص قانونية، وإنما تحتاج قبل ذلك إلى نخب تمتلك القدرة على التفكير الاستراتيجي، وإدارة التعقيد، وتحويل التحديات إلى فرص للإبداع والإصلاح.
ولذلك، فإن تجديد المشهد السياسي يمر أساسًا عبر تجديد وظيفة الأحزاب، لتعود فضاءات للتكوين والتأطير وإنتاج الأفكار، لا مجرد آليات للتدبير الانتخابي. فالحزب السياسي الذي لا ينتج فكرًا عموميًا يصعب عليه أن ينتج سياسات عمومية ذات أثر مستدام.
كما أن المرحلة المقبلة تستوجب ترسيخ”ثقافة الاستحقاق والكفاءة” في الولوج إلى المسؤوليات العمومية، لأن قوة المؤسسات تقاس بجودة العنصر البشري الذي يديرها. فالمغرب يتوفر على طاقات علمية ومهنية كبيرة، والمطلوب هو إيجاد الآليات التي تيسر اندماجها في دوائر القرار، بما يعزز تكافؤ الفرص ويغني النقاش العمومي بخبرات متنوعة.
وفي هذا الإطار، أرى أن من الضروري إحداث “شبكات جهوية للخبرة والابتكار العمومي” ، تضم الجامعات، والهيئات المهنية، والخبراء، والقطاع الخاص، والفاعلين الترابيين، لتكون منصات لإنتاج الحلول العملية، ومواكبة المجالس المنتخبة والبرلمان باقتراحات مبنية على الدراسات والمعطيات الميدانية، بما يرسخ ثقافة القرار المبني على المعرفة.
كما ينبغي إيلاء أهمية أكبر للاقتصاد المعرفي بوصفه أحد مداخل تجديد العمل السياسي. فالدول التي تستثمر في البحث والابتكار والذكاء الجماعي تكون أكثر قدرة على بناء سياسات ناجعة، وأكثر استعدادًا لمواجهة التحولات الدولية المتسارعة.
إن مستقبل المشهد السياسي المغربي لن يتحدد فقط بنتائج الانتخابات، وإنما بقدرته على إنتاج **نخبة وطنية** تجمع بين النزاهة والكفاءة، وبين الحس الوطني والقدرة على التدبير، وبين الانتماء الحزبي والإيمان بالمصلحة العامة. وعندما تصبح هذه المعايير هي المرجعية في بناء النخب، ستتحول السياسة إلى رافعة حقيقية للتنمية، وسيزداد المجتمع ثقة في مؤسساته، وفي قدرته الجماعية على بناء مغرب أكثر عدالة، وأكثر تنافسية، وأكثر استشرافًا للمستقبل.
. السؤال الرابع:
كيف تقيمون أداء المؤسسة التشريعية خلال الولاية الحالية؟ وهل نجحت في الاضطلاع بأدوارها التشريعية والرقابية والاستجابة لتطلعات المواطنين؟
الجواب:
إن تقييم أداء المؤسسة التشريعية ينبغي أن يتم بمنطق الدولة والمؤسسات، بعيدًا عن منطق المواقف السياسية الآنية. فالبرلمان مؤسسة دستورية تضطلع بوظائف متكاملة في التشريع، والرقابة، وتقييم السياسات العمومية، بما يضمن التوازن بين السلط ويخدم المصلحة العامة.
وقد اشتغل البرلمان خلال هذه الولاية في ظرفية استثنائية، تميزت باستمرار تنزيل الأوراش الإصلاحية الكبرى التي تعرفها المملكة، إلى جانب تحديات اقتصادية واجتماعية وإقليمية ودولية متسارعة. وقد واكب عددًا من هذه التحولات بإقرار نصوص قانونية مهمة، وهو ما يعكس دينامية تشريعية لا يمكن إنكارها.
غير أن المرحلة المقبلة تفرض الارتقاء من “منطق الكم التشريعي إلى منطق الجودة التشريعية” . فالقانون لا يكتسب قيمته بعدد مواده، وإنما بقدرته على معالجة الإشكالات الواقعية، وتحقيق الأمن القانوني، وإحداث أثر تنموي ملموس. كما أن الرقابة البرلمانية لا ينبغي أن تُختزل في مساءلات ظرفية، بل يجب أن تتحول إلى آلية مؤسساتية لتقويم الأداء العمومي وتحسينه بصورة مستمرة.
ومن هذا المنطلق، يبدو من الضروري تعزيز الإمكانات العلمية للمؤسسة التشريعية عبر إحداث “مركز برلماني للدراسات التشريعية الاستشراف” ، يوفر للجان البرلمانية الخبرة القانونية والاقتصادية والاجتماعية والبيئية، ويُنجز دراسات مقارنة، ويقيس الأثر المتوقع للنصوص قبل اعتمادها، والأثر الفعلي بعد تنفيذها.
كما أصبح من اللازم توسيع آليات الإنصات إلى مختلف الفاعلين، من جامعات وهيئات مهنية ومقاولات ومؤسسات دستورية ومكونات المجتمع المدني، حتى يظل التشريع متفاعلًا مع التحولات المجتمعية، وقادرًا على استيعاب التحديات الجديدة التي تفرضها الرقمنة، والاقتصاد الأخضر، والذكاء الاصطناعي، والتحولات الديموغرافية.
ويكتسي البعد الترابي أهمية خاصة في العمل التشريعي المقبل، لأن العدالة المجالية لا تتحقق بالنصوص وحدها، وإنما بإدماج خصوصيات الجهات في السياسات العمومية. وهذا يقتضي تطوير آليات التشاور مع الفاعلين المحليين، والاستفادة من الخبرات الجهوية في بلورة حلول أكثر ملاءمة لواقع كل مجال ترابي.
إن البرلمان الذي يحتاجه المغرب في المرحلة القادمة هو برلمان يمتلك “قدرة الاقتراح بقدر ما يمتلك سلطة التشريع” ، ويقيس نجاحه بأثر القوانين في حياة المواطنين، ويجعل من التقييم والتصحيح المستمرين ثقافة مؤسساتية راسخة. فبهذا وحده يكتمل البناء الديمقراطي، وتتحول المؤسسة التشريعية إلى رافعة حقيقية لمواكبة المشروع التنموي الذي تقوده المملكة.
. السؤال الخامس:
برأيكم، ما أبرز الأولويات التي ينبغي أن يضعها البرلمان المقبل في صدارة اهتماماته؟
الجواب:
أعتقد أن البرلمان المقبل مطالب بالانتقال من منطق تدبير الأولويات إلى منطق “صناعة الأولويات الوطنية” ، بما ينسجم مع التوجيهات الملكية الكبرى، ومع التحولات العميقة التي يشهدها المغرب في أفق ترسيخ الدولة الاجتماعية وتعزيز تنافسية الاقتصاد الوطني.
وتأتي في مقدمة هذه الأولويات مواصلة استكمال المنظومة التشريعية المرتبطة بالحماية الاجتماعية، وإصلاح التعليم، وتأهيل المنظومة الصحية، وتعزيز الأمن المائي والغذائي، وتطوير الاستثمار المنتج، وتقليص الفوارق المجالية، مع الحرص على أن تكون كل التشريعات منسجمة مع متطلبات النجاعة والإنصاف والاستدامة.
كما ينبغي أن يمنح البرلمان أهمية خاصة لتقييم السياسات العمومية، ليس باعتباره إجراءً رقابيًا فحسب، بل باعتباره أداة لتطوير الأداء وتصحيح الاختلالات. فالدولة الحديثة تتقدم بقدرتها على التعلم من تجاربها، وبجرأتها في مراجعة اختياراتها كلما اقتضت المصلحة العامة ذلك.
ومن الأولويات التي تستحق أن تحظى باهتمام المؤسسة التشريعية أيضًا، بناء “اقتصاد المعرفة” ، من خلال توفير الإطار القانوني الداعم للبحث العلمي، والابتكار، والذكاء الاصطناعي، والاقتصاد الرقمي، وربط الجامعة بالمقاولة، وتحويل المعرفة إلى قيمة مضافة ترفع تنافسية الاقتصاد الوطني وتوفر فرص الشغل للشباب.
كما أصبح من الضروري تعزيز البعد الترابي في التشريع، حتى تراعي السياسات العمومية الخصوصيات المجالية، وتُثمن المؤهلات المحلية لكل جهة، وفق مقاربة تجعل العدالة المجالية رافعة لتحقيق التنمية المتوازنة، لا مجرد مبدأ دستوري. فنجاح النموذج التنموي يمر عبر تمكين الجهات من استثمار مؤهلاتها الطبيعية والبشرية والثقافية في إطار من التكامل الوطني.
وأرى كذلك أن البرلمان مدعو إلى ترسيخ تقليد مؤسساتي جديد، يقوم على “الإنصات المنظم للخبرة الوطنية” ، من خلال فتح قنوات دائمة للتشاور مع الجامعات، والهيئات العلمية، والمؤسسات الدستورية، والفاعلين الاقتصاديين والاجتماعيين، حتى يصبح التشريع أكثر قدرة على استيعاب التحولات واستشراف المستقبل.
إن البرلمان الذي يحتاجه المغرب في المرحلة المقبلة هو برلمان لا يكتفي بإنتاج القوانين، بل يسهم في “إنتاج الرؤية” ، ويجعل من جودة التشريع، والعدالة الترابية، والاستثمار في الإنسان، والابتكار، والحكامة الرشيدة، مرتكزات لبناء مغرب أكثر تماسكًا، وأكثر تنافسية، وأكثر استعدادًا لمواجهة تحديات العقود المقبلة.
. السؤال السادس:
كيف يمكن استعادة ثقة المواطن في العمل السياسي وتشجيعه على المشاركة الفاعلة في الانتخابات؟
الجواب:
إن الثقة في الحياة السياسية لا تُبنى بالخطاب، وإنما تُبنى بتراكم الممارسة. فالمواطن لا ينتظر وعودًا جديدة بقدر ما ينتظر مؤسسات تُنجز، وسياسات تُقيَّم، ومسؤولين يلتزمون بما تعاقدوا عليه مع المجتمع. وعندما تصبح الحصيلة أوضح من الشعارات، تتحول الثقة إلى رصيد وطني يعزز استقرار الدولة ويقوي مناعتها الديمقراطية.
ولهذا، فإن استعادة الثقة تبدأ بإعادة الاعتبار لوظيفة الوساطة التي تضطلع بها الأحزاب السياسية، والنقابات، والهيئات المهنية، ومختلف التنظيمات المجتمعية، باعتبارها فضاءات لتأطير المواطنين، وإعداد النخب، وصياغة البدائل، لا مجرد أدوات للتنافس الانتخابي.
كما أن ربط المسؤولية بالمحاسبة ينبغي أن ينتقل من كونه مبدأً دستوريًا إلى “ثقافة مؤسساتية” تُمارس بصورة منتظمة، من خلال نشر حصيلة السياسات العمومية، وقياس أثرها، وإتاحة المعطيات للمواطنين، بما يعزز الشفافية ويجعل النقاش العمومي قائمًا على الوقائع لا على الانطباعات.
ومن جهة أخرى، فإن المشاركة السياسية لا يمكن فصلها عن “جودة الخدمات العمومية”. فكلما لمس المواطن تحسنًا في التعليم، والصحة، والنقل، والإدارة، والعدالة، ازداد اقتناعًا بأن المؤسسات قادرة على إحداث التغيير، وأن المشاركة في اختيار ممثليه ليست إجراءً شكليًا، بل مساهمة فعلية في توجيه السياسات العامة.
وأرى أن المرحلة المقبلة تستوجب إطلاق “ميثاق وطني للتربية على المواطنة والمسؤولية العمومية” ، تشارك في بلورته المؤسسات التعليمية، والجامعة، ووسائل الإعلام، والجماعات الترابية، ومختلف الفاعلين المدنيين، بهدف ترسيخ ثقافة المشاركة، واحترام القانون، وصيانة المصلحة العامة، باعتبارها قيمًا مؤسسة للدولة الحديثة.
كما أن التحول الرقمي يتيح اليوم فرصًا واسعة لتقوية العلاقة بين المنتخب والمواطن، عبر منصات مؤسساتية تُمكن من تتبع تنفيذ البرامج، وتلقي المقترحات، وفتح نقاشات منتظمة حول القضايا المحلية والوطنية، بما يجعل المشاركة مستمرة طوال الولاية، لا مرتبطة بالمواعيد الانتخابية فقط.
إن الديمقراطية لا تُقاس بنسبة المشاركة يوم الاقتراع وحدها، وإنما بمدى حضور المواطن في مختلف مراحل صناعة القرار العمومي، وبقدرته على التأثير الإيجابي في محيطه، والإسهام في بناء الثقة داخل المجتمع. وعندما تصبح المسؤولية، والكفاءة، والشفافية، والإنصات قيمًا حاكمة للممارسة السياسية، فإن المشاركة الانتخابية ستتحول تلقائيًا من واجب قانوني إلى قناعة وطنية، ومن حق دستوري إلى تعبير واعٍ عن الانتماء إلى مشروع الدولة ومستقبلها.
. السؤال السابع:
تعرف مشاركة المرأة المغربية تطورًا ملحوظًا في الحياة السياسية. هل ترون أنها استطاعت فرض حضورها داخل المشهد السياسي والتشريعي، أم أنها لا تزال تواجه تحديات تحد من وصولها إلى مواقع القرار؟ وما السبل الكفيلة بتعزيز حضورها؟
الجواب:
لقد تجاوز النقاش اليوم مرحلة التساؤل حول أحقية المرأة في المشاركة السياسية، لأن الدستور المغربي حسم هذا المبدأ، كما أن التجربة الوطنية أثبتت أن المرأة المغربية راكمت حضورًا وازنًا في مجالات التشريع، والإدارة، والقضاء، والاقتصاد، والدبلوماسية، وتدبير الشأن الترابي. وأصبح التحدي الحقيقي يتمثل في “تعزيز جودة المشاركة واتساع مجالات التأثير” داخل مواقع صناعة القرار.
إن بناء الديمقراطية لا يتحقق بتوازن عددي فقط، وإنما بإتاحة الفرصة أمام جميع الكفاءات الوطنية للإسهام في صياغة السياسات العمومية. ولذلك، فإن معيار المسؤولية ينبغي أن يظل قائمًا على الكفاءة، والنزاهة، والقدرة على الإنجاز، لأن الدولة الحديثة تستثمر في الطاقات البشرية دون تمييز.
ولبلوغ هذا الأفق، تبدو الحاجة ملحة إلى تطوير مسارات التكوين والتأهيل السياسي والإداري، وتشجيع انخراط النساء في مراكز التفكير، والهيئات الاستشارية، والبحث العلمي، والاقتصاد، والعمل الترابي، حتى يتوسع مجال الإسهام في القرار العمومي، وتتنوع الخبرات التي تغذي المؤسسات المنتخبة.
كما أن الأحزاب السياسية مطالبة بإعادة النظر في آليات إعداد نخبها، عبر اكتشاف الكفاءات النسائية وتأهيلها مبكرًا، وإسناد المسؤوليات وفق معايير الاستحقاق والجدارة، بما يضمن تجديد النخب واستمرارية الأداء المؤسساتي.
ومن جهة أخرى، فإن تحقيق المساواة في الفرص يقتضي مواصلة إزالة العوائق الاجتماعية والاقتصادية التي قد تحد من انخراط بعض النساء في الحياة العامة، مع توفير بيئة تشجع على المبادرة، وتيسر التوفيق بين المسؤوليات المهنية والأسرية، وتمنح الكفاءات النسائية فرصًا متكافئة للتطور وتحمل المسؤولية.
إن المغرب، وهو يواصل تنزيل مشروعه التنموي، يحتاج إلى تعبئة جميع موارده البشرية. فالرهان اليوم ليس على تمكين المرأة من المشاركة فقط، بل على تمكين الوطن من الاستفادة الكاملة من كفاءاتها وخبراتها، لأن المجتمعات التي تحسن استثمار رأسمالها البشري هي الأكثر قدرة على تحقيق التنمية المستدامة، وترسيخ الحكامة الجيدة، وتعزيز تنافسيتها في عالم يتجه أكثر فأكثر نحو اقتصاد المعرفة والابتكار.
. السؤال الثامن:
ما الرسائل التي تودون توجيهها إلى الشباب، خاصة الذين سيشاركون في الانتخابات لأول مرة؟
الجواب:
أود أن أخاطب الشباب باعتبارهم شركاء في صناعة المستقبل، لا مجرد فئة مستهدفة بالخطاب السياسي. فالديمقراطية لا تتجدد بتعاقب الاستحقاقات الانتخابية، وإنما بتجدد الوعي، وبقدرة كل جيل على الإسهام في تطوير مؤسسات بلده، وإغناء النقاش العمومي بأفكار جديدة ورؤى مبتكرة.
إن المشاركة في الانتخابات ليست غاية في حد ذاتها، بل بداية لمسار أطول من المواطنة الفاعلة. فصوت الناخب يكتسب قيمته الحقيقية عندما يظل صاحبه حاضرًا في تتبع الشأن العام، ومواكبة أداء المؤسسات، والمساهمة في اقتراح الحلول، لأن بناء الوطن مسؤولية مستمرة، وليست حدثًا موسميًا.
وأدعو الشباب إلى أن يجعلوا من “الكفاءة والمعرفة والالتزام” معايير أساسية في تقييم البرامج والمرشحين، وأن يتحرروا من منطق الاصطفافات الضيقة، لأن مستقبل المغرب يحتاج إلى أجيال تؤمن بالمشروع الوطني، وتوازن بين الطموح الفردي والمصلحة الجماعية.
كما أن المرحلة الراهنة تفتح أمام الشباب آفاقًا جديدة في مجالات الابتكار، والتحول الرقمي، والاقتصاد الأخضر، وريادة الأعمال، والبحث العلمي، وهي مجالات ينبغي أن تتحول إلى فضاءات للمبادرة والإبداع، لأن التنمية في القرن الحادي والعشرين تقاس بقدرة الأمم على استثمار ذكاء شبابها قبل استثمار ثرواتها الطبيعية.
ومن الضروري أيضًا أن تتوسع فضاءات الحوار بين الشباب والمؤسسات، عبر برامج منتظمة للتكوين المدني، ومنتديات للنقاش العمومي، ومبادرات تشجع على الابتكار المجتمعي، حتى يشعر الشباب بأن أفكارهم تجد طريقها إلى دوائر القرار، وأن مساهمتهم جزء من البناء الوطني.
وأخص بالذكر شباب العالم القروي والمناطق الجبلية والجهات التي ما تزال في حاجة إلى مزيد من فرص التنمية، لأن العدالة المجالية لا تتحقق إلا عندما تتكافأ فرص النجاح والإبداع بين مختلف ربوع المملكة، ويصبح الانتماء إلى أي جهة مصدر قوة وإضافة، لا سببًا في تفاوت الفرص.
ورسالتي الأخيرة هي أن مستقبل المغرب لن تصنعه الأجيال السابقة وحدها، بل سيصنعه شباب يمتلك الثقة في وطنه، ويؤمن بقيمة العمل، ويعتبر المعرفة مسؤولية، والحرية التزامًا، والمشاركة واجبًا وطنيًا. فالأمم التي تمنح شبابها مكانتهم الطبيعية في التفكير والاقتراح والقيادة، هي الأمم الأكثر قدرة على صناعة مستقبلها بثقة واستقرار.
. السؤال التاسع:
هل ترون أن البرامج الانتخابية أصبحت معيارًا حقيقيًا في اختيار الناخب، أم أن اعتبارات أخرى ما تزال تؤثر في السلوك الانتخابي؟
الجواب:
شهدت البرامج الانتخابية خلال السنوات الأخيرة تطورًا ملحوظًا من حيث الشكل والمضامين، غير أن التحدي اليوم لم يعد في كثرة الوعود، بل في “قدرة البرنامج على التحول إلى تعاقد سياسي قابل للتنفيذ والتتبع والتقييم” . فالمواطن أصبح أكثر وعيًا، وأكثر قدرة على التمييز بين الخطاب الذي يستند إلى رؤية واقعية، وذلك الذي يكتفي بالشعارات العامة.
ومع ذلك، لا يمكن إنكار أن السلوك الانتخابي ما يزال يتأثر بعوامل متعددة، منها البعد الاجتماعي، والروابط المحلية، والصورة الذهنية للمرشح، ومستوى الثقة في الأحزاب والمؤسسات. وهذا أمر طبيعي في كل التجارب الديمقراطية، غير أن الرهان هو أن تتقدم “ثقافة المشروع” تدريجيًا على ثقافة الأشخاص، وأن يصبح النقاش منصبًا على جودة الحلول بدل الاكتفاء بجاذبية الخطاب.
ولهذا، فإن الأحزاب السياسية مطالبة بالانتقال من إعداد برامج انتخابية ظرفية إلى بلورة “مشاريع مجتمعية” واضحة المعالم، تنطلق من تشخيص علمي للواقع، وتحدد الأولويات، والوسائل، ومؤشرات الإنجاز، وآليات التقييم. فالبرنامج الذي لا يمكن قياس نتائجه يبقى أقرب إلى إعلان نوايا منه إلى التزام سياسي.
كما أرى أن من شأن تنظيم “مناظرات وطنية جهوية” بين الأحزاب حول القضايا الكبرى، وإشراك الجامعات والهيئات المهنية والخبراء في مناقشة مضامين البرامج، أن يرفع مستوى النقاش العمومي، ويمنح المواطن أدوات موضوعية للمقارنة والاختيار، بعيدًا عن منطق الانطباع أو الاستقطاب.
ولا يقل أهمية عن ذلك تطوير أدوات مستقلة لتقييم مدى تنفيذ الالتزامات الانتخابية خلال الولاية التشريعية، حتى يصبح الوفاء بالبرنامج جزءًا من ثقافة المسؤولية السياسية، ويكتسب الناخب معايير أكثر دقة في محاسبة ممثليه عند كل استحقاق.
إن الديمقراطية تترسخ عندما تتحول البرامج الانتخابية من وثائق موسمية إلى “مرجعيات للتعاقد العمومي” ، وعندما يصبح الاختيار الانتخابي مبنيًا على وضوح الرؤية، وقابلية الإنجاز، وواقعية المقترحات، لأن مستقبل الأوطان لا يُبنى ببلاغة الخطاب، وإنما بجودة الأفكار، وحسن التخطيط، وصدق الالتزام.
. السؤال العاشر:
كيف يمكن الحد من ظاهرة العزوف الانتخابي، والتصدي للممارسات التي تمس نزاهة الاستحقاقات وتعزز فقدان الثقة؟
الجواب:
العزوف الانتخابي ليس سببًا في حد ذاته، بل هو نتيجة لتراكمات سياسية واجتماعية وثقافية ومؤسساتية. ولذلك، فإن معالجته تقتضي الانتقال من منطق تدبير الظاهرة إلى فهم أسبابها العميقة. فكلما شعر المواطن بأن صوته يترتب عليه أثر ملموس، وأن المؤسسات تستجيب لانتظاراته، تحولت المشاركة من واجب قانوني إلى قناعة راسخة.
والحد من العزوف يبدأ بتقوية “المصداقية المؤسساتي” ، عبر الوفاء بالالتزامات، واحترام مبدأ ربط المسؤولية بالمحاسبة، وترسيخ ثقافة تقييم الأداء العمومي. فالثقة تُبنى بالإنجاز المتواصل، لا بالحملات الانتخابية الموسمية.
كما أن نزاهة الانتخابات لا تتوقف عند سلامة يوم الاقتراع، بل تشمل سلامة البيئة السياسية بكاملها؛ من تكافؤ الفرص، ووضوح قواعد المنافسة، واحترام أخلاقيات العمل السياسي، إلى ضمان وصول المواطن إلى معلومة دقيقة تمكنه من اتخاذ قراره بحرية ووعي.
ومن جهة أخرى، فإن الديمقراطية تحتاج إلى “فضاءات دائمة للحوار العمومي” ، لا تنشط فقط قبيل الانتخابات. فكلما اتسعت مجالات النقاش المسؤول داخل المؤسسات التعليمية، والجامعات، والهيئات المهنية، والجماعات الترابية، ووسائل الإعلام، تعزز الشعور بالمواطنة، وأصبح الانخراط في الشأن العام ممارسة مستمرة.
كما أرى أن الوقت قد حان لاعتماد “مؤشرات وطنية لقياس جودة الديمقراطية والثقة المؤسساتي” ، تصدر بشكل دوري، وتستند إلى معايير علمية، بما يساعد على تشخيص مكامن القوة والقصور، ويوجه السياسات العمومية نحو معالجة الاختلالات بموضوعية، بعيدًا عن التقديرات الانطباعية.
ولا ينبغي أن نغفل أهمية “التربية على المسؤولية المدنية”، لأن الديمقراطية ليست مجرد نصوص قانونية، بل هي ثقافة تُكتسب بالتنشئة، وتتجذر بالممارسة، وتترسخ كلما ازداد وعي المواطن بحقوقه وواجباته.
وفي تقديري، فإن أفضل وسيلة لمواجهة العزوف هي أن يشعر المواطن بأن الدولة، بمختلف مؤسساتها، تنصت إليه، وأن البرلمان والحكومة والجماعات الترابية والأحزاب تعتبره شريكًا في التنمية، لا مجرد ناخب في موسم انتخابي. فعندما تصبح المشاركة وسيلة للتأثير الحقيقي في القرار العمومي، ستتحول الانتخابات إلى لحظة طبيعية في حياة المجتمع، وإلى تجسيد حي لديمقراطية ناضجة، قوامها الثقة، والمسؤولية، والالتزام بالمصلحة العليا للوطن.
. السؤال الحادي عشر:
ما الصفات التي ينبغي أن يتحلى بها المرشح الذي يستحق ثقة المواطنين وتمثيلهم داخل المؤسسة التشريعية؟
الجواب:
إن النيابة البرلمانية ليست موقعًا للوجاهة الاجتماعية، ولا امتيازًا سياسيًا، وإنما هي “أمانة دستورية” تقتضي الجمع بين النزاهة والكفاءة، وبين الوعي القانوني والحس الوطني، وبين القدرة على التشريع والالتزام بخدمة المصلحة العامة.
فالمرشح الذي يستحق ثقة المواطنين هو الذي يمتلك رؤية واضحة لمستقبل الوطن، ويُحسن قراءة التحولات الاقتصادية والاجتماعية والبيئية، ويملك من الكفاءة ما يؤهله للمساهمة في صياغة تشريعات ذات جودة، وفي ممارسة رقابة مسؤولة، وفي تقييم السياسات العمومية بمنهجية وموضوعية.
كما ينبغي أن يكون قريبًا من المواطنين، لا بمنطق الحضور الموسمي، وإنما عبر تواصل دائم، وإصغاء حقيقي، وقدرة على نقل انتظارات المجتمع إلى المؤسسة التشريعية، وتحويلها إلى مبادرات ومقترحات عملية. فالنائب ليس متحدثًا باسم دائرته الانتخابية فقط، بل هو مؤتمن على المصلحة العليا للأمة.
ومن الصفات التي أصبحت ضرورية اليوم “القدرة على التعلم المستمر” ، لأن التشريع المعاصر يتقاطع مع قضايا معقدة ترتبط بالتحول الرقمي، والاقتصاد العالمي، والأمن السيبراني، والذكاء الاصطناعي، والانتقال الطاقي، والتغيرات المناخية. ولم يعد مقبولًا أن يظل البرلماني بعيدًا عن هذه التحولات التي ستحدد مستقبل الأجيال المقبلة.
ويتعين أيضًا أن يتحلى بثقافة الحوار، واحترام الرأي المخالف، والقدرة على بناء التوافقات الوطنية. فالمؤسسة التشريعية ليست فضاءً لإدارة الخلافات الحزبية فحسب، بل فضاء لإنتاج الحلول، وصياغة التوازنات التي تحفظ استقرار الدولة وتخدم التنمية.
كما أرى أن من واجب الأحزاب السياسية أن تعتمد معايير أكثر صرامة في اختيار مرشحيها، وأن تجعل “الاستحقاق، والكفاءة، والنزاهة، والسجل المهني، والقدرة على العطاء” معايير حاكمة في منح التزكيات، لأن جودة المؤسسات تبدأ من جودة من يمثلها.
إن المغرب، وهو يواصل ترسيخ نموذجه التنموي، يحتاج إلى برلماني يجمع بين “أخلاق المسؤولية وكفاءة الإنجاز” ؛ برلماني يدرك أن قيمة التمثيل النيابي لا تُقاس بما يحققه لنفسه، وإنما بما يضيفه للوطن، وبما يتركه من أثر تشريعي ومؤسساتي ينعكس إيجابًا على حياة المواطنين، ويعزز مسار الدولة في بناء مؤسسات أكثر كفاءة، ومجتمع أكثر تماسكًا، ومستقبل أكثر اطمئنانًا.
. السؤال الثاني عشر:
في نظركم، ما الدور الذي ينبغي أن تضطلع به وسائل الإعلام، بمختلف مكوناتها، في مواكبة الانتخابات، وتعزيز الوعي الديمقراطي، ومحاربة الأخبار المضللة؟
الجواب:
أصبحت وسائل الإعلام اليوم أحد أعمدة المجال العمومي، ولم تعد وظيفتها تقتصر على نقل الخبر، بل امتدت إلى الإسهام في تشكيل الوعي الجماعي، وترسيخ الثقافة الدستورية، وإثراء النقاش الوطني. ومن ثم، فإن مسؤوليتها خلال الاستحقاقات الانتخابية تتجاوز مواكبة الحملات إلى الارتقاء بجودة الحوار الديمقراطي.
فالإعلام المهني مطالب بأن يوجه اهتمامه نحو “مناقشة البرامج، وتحليل السياسات العمومية، وشرح الرهانات الوطنية” ، حتى يمتلك المواطن عناصر موضوعية تساعده على بناء اختياره الحر والمسؤول. فكلما ارتفع مستوى النقاش الإعلامي، ارتفع معه مستوى الممارسة الديمقراطية.
وفي المقابل، فرضت الثورة الرقمية تحديات غير مسبوقة، أبرزها الانتشار السريع للأخبار الزائفة، والتأثير المتزايد للخوارزميات في تشكيل الرأي العام. وهذا يقتضي الانتقال من مجرد محاربة التضليل إلى “بناء مناعة مجتمعية” قوامها التربية الإعلامية، وتنمية التفكير النقدي، وتعزيز القدرة على التحقق من المعلومات ومصادرها.
كما أن الإعلام الوطني مدعو إلى إيلاء عناية أكبر “للقضايا المجالية” ، وإبراز مؤهلات مختلف جهات المملكة، وتسليط الضوء على التجارب التنموية الناجحة، لأن الديمقراطية الترابية لا تترسخ إلا عندما تحضر قضايا الجهات في النقاش العمومي بالحجم الذي تستحقه، بعيدًا عن المركزية الإعلامية.
ومن المفيد أيضًا توسيع دوائر التعاون بين المؤسسات الإعلامية، والجامعات، ومراكز الدراسات، والهيئات المهنية، حتى يستند المحتوى الإعلامي إلى المعرفة الدقيقة والتحليل الرصين، ويبتعد عن التبسيط المخل أو الإثارة التي لا تخدم جودة النقاش العمومي.
كما أرى أن الصحافة الجهوية تستحق دعمًا أكبر، لأنها الأقرب إلى نقل انتظارات المواطنين، ورصد التحولات التنموية، ومواكبة الأوراش الترابية، بما يجعلها شريكًا في تعزيز الحكامة المحلية وتقوية المشاركة المواطنة.
إن الإعلام الذي يحتاجه المغرب في هذه المرحلة هو إعلام يجعل “الحقيقة مسؤولية، والمعرفة خدمة عمومية، والاختلاف قيمة ديمقراطية”. وعندما يلتزم بهذه الرسالة، فإنه لا يواكب الانتخابات فحسب، بل يسهم في بناء مواطن أكثر وعيًا، ومؤسسات أكثر ثقة، ومجال عمومي أكثر نضجًا، وهو ما يشكل أحد الشروط الأساسية لاستدامة المشروع الديمقراطي والتنموي الذي تنخرط فيه المملكة.
. السؤال الثالث عشر:
في ختام هذا الحوار، ما الرسالة التي تودون توجيهها إلى المواطنات والمواطنين بمناسبة الاستحقاقات التشريعية المقبلة؟
الجواب:
أود أن أوجه رسالة أساسها أن المغرب يدخل هذه المرحلة وهو يمتلك رصيدًا مؤسساتيًا وإصلاحيًا مهمًا، غير أن الحفاظ على هذا المسار وتعزيزه يظل مسؤولية جماعية، تتقاسمها الدولة، والمؤسسات، والأحزاب، والنقابات، والجامعة، والإعلام، والمجتمع المدني، والمواطنون. فالديمقراطية ليست مسؤولية طرف واحد، بل هي بناء تراكمي يقوم على المشاركة والثقة والالتزام.
إن الاستحقاقات التشريعية المقبلة ليست مناسبة لاختيار ممثلين فحسب، بل هي فرصة لتجديد النخب، وتجديد الفكر السياسي، والانتقال من منطق التدبير الآني إلى منطق التخطيط الاستراتيجي. فالمغرب اليوم يحتاج إلى كفاءات تمتلك القدرة على استشراف المستقبل، وإنتاج الحلول، ومواكبة التحولات الوطنية والدولية، بما يعزز مكانته الإقليمية والدولية.
وأدعو المواطنات والمواطنين إلى أن يجعلوا من “الكفاءة، والنزاهة، والقدرة على الإنجاز، والرؤية الواضحة” معايير أساسية في الاختيار، لأن جودة المؤسسات تبدأ من جودة من يمثلها، وقوة الدولة تنبع من قوة مؤسساتها وثقة مواطنيها فيها.
كما أرى أن المرحلة المقبلة تستوجب تعبئة وطنية شاملة للاستثمار في الإنسان، والعلم، والابتكار، والاقتصاد المنتج، مع إيلاء أهمية خاصة للعدالة المجالية، حتى تستفيد جميع جهات المملكة من دينامية التنمية وفق خصوصياتها وإمكاناتها.
وفي هذا السياق، أجد من المناسب أن ألفت الانتباه إلى “جهة بني ملال–خنيفرة” ، بما تختزنه من مؤهلات طبيعية وبشرية وتاريخية، وما تزخر به من إمكانات فلاحية، ومائية، وجبلية، وسياحية، وثقافية، تستحق أن تحظى بمزيد من الاستثمار العمومي والخاص، وأن تتحول إلى قطب وطني للتنمية المستدامة، والبحث التطبيقي، والاقتصاد الأخضر، وتثمين الموارد الترابية. فالعدالة المجالية تكتمل عندما تتحول المؤهلات المحلية إلى مشاريع تنموية تخلق الثروة وفرص الشغل وتحد من الفوارق بين الجهات.
وأؤمن بأن مستقبل المغرب لن يُبنى فقط بما ننجزه اليوم، بل أيضًا بما نؤسس له من أفكار، وما نغرسه من قيم، وما نُعده من كفاءات قادرة على حمل مشعل الإصلاح في العقود المقبلة. فالأمم التي تستثمر في المعرفة، وتحسن تدبير تنوعها، وتجعل من مؤسساتها فضاءات للكفاءة والمسؤولية، هي الأمم الأكثر قدرة على صناعة مستقبلها.
وأختم بالتأكيد على أن “الوطن أكبر من كل التنافسات، والدولة أبقى من كل الولايات، والتنمية أسمى من كل الحسابات الظرفية” . وإذا جعلنا المصلحة العليا للمغرب بوصلةً للعمل السياسي، فإن الاستحقاقات التشريعية المقبلة ستكون خطوة جديدة في ترسيخ دولة المؤسسات، وتعزيز الثقة، وتسريع وتيرة التنمية، وترجمة الرؤية الملكية المتبصرة إلى منجزات ملموسة يشعر بها كل مواطن في مختلف ربوع المملكة.
.السؤال الرابع عشر:
كيف رأيتم ما وقع في مدينة سبتة، ومحاولة آلاف الشباب، ومن بينهم أطفال وقاصرون، الهجرة بشكل جماعي؟ وما الرسائل السياسية والاجتماعية التي تعكسها هذه الأحداث؟ وهل ترون أنها تستدعي مراجعة السياسات العمومية الموجهة للشباب؟
الجواب:
سيكون من قبيل التبسيط المنهجي أن نقرأ ما وقع في سبتة باعتباره مجرد واقعة هجرة جماعية، لأن الأحداث الكبرى لا تُنتج دلالتها من ظاهرها، وإنما مما تكشف عنه من بنى عميقة كانت تعمل في صمت. فالحدث، في ذاته، لا يفسر الواقع، بل يكشف عن كيفية اشتغاله. ولذلك، فإن السؤال الحقيقي لا يتعلق بسبب عبور بعض الشباب للحدود، وإنما بما كشفه هذا العبور من طبيعة العلاقة بين الدولة والمجتمع، وبين الزمن السياسي والزمن الاجتماعي، وبين المشروع الوطني وأفق تلقيه داخل الوعي الجماعي.
ولهذا، وجب التحفظ على توصيف ما جرى باعتباره أزمة شباب أو أزمة حكومة أو حتى أزمة دولة؛ لأن مثل هذا الاختزال يجزئ ما هو نسقي بطبيعته. نحن، في تقديري، أمام “اختلال في التزامن بين ثلاثة مستويات من الزمن العمومي” :
. الزمن الاستراتيجي الذي تنتظم داخله الرؤية الإصلاحية للدولة،
. والزمن التدبيري الذي تتحمل الحكومة مسؤولية تحويله إلى سياسات عمومية ذات أثر،
. والزمن المجتمعي الذي يتحرك بإيقاع متسارع تصنعه الثورة الرقمية، واتساع دوائر المقارنة، والتحول العميق في منظومة الانتظارات.
ومن هنا، فإن ما وقع لا ينبغي أن يُقرأ بوصفه إخفاقًا للمشروع الوطني، بقدر ما يدعونا إلى مساءلة “جودة الوساطة” بين المشروع وامتداداته المجتمعية. فالدولة، في ظل الرؤية الإصلاحية التي يقودها جلالة الملك محمد السادس، راكمت أوراشًا استراتيجية كبرى، وأرست إطارًا دستوريًا متقدمًا، وأطلقت إصلاحات هيكلية في الحماية الاجتماعية، والاستثمار، والجهوية، والتنمية المجالية. غير أن خطاب العرش الأخير أعاد التأكيد، بدقة لافتة، على أن قيمة هذه الأوراش لا تقاس بحجمها، وإنما بسرعة تنزيلها، ونجاعة تنفيذها، وجودة أثرها، واعتماد المتابعة الدقيقة، وروح المبادرة، والنقد الذاتي البناء، حتى يصبح العيش الكريم هو المعيار الحقيقي لنجاح السياسات العمومية.
وهنا أصل إلى ما أعتبره جوهر الإشكال؛ فليست المشكلة، في كثير من الأحيان، في “إنتاج المشروع” ، وإنما في “إنتاج معناه” . فالدولة تنتج الرؤية، والحكومة تنتج السياسة العمومية، لكن الأحزاب، والنقابات، والجمعيات، والجامعة، والإعلام، والمثقف، هي التي تنتج الفهم الذي يجعل المواطن يدرك موقعه داخل هذا المشروع. وعندما تضعف هذه الوظيفة التأويلية، تنشأ فجوة لا بين الدولة والمجتمع فحسب، بل بين الإنجاز وإدراك الإنجاز، وبين الإصلاح والشعور بالإصلاح.
ولهذا، فإن مراجعة السياسات العمومية الموجهة للشباب تظل ضرورية، لكن ليس بمنطق الاستجابة الانفعالية لحدث ظرفي، وإنما بمنطق الارتقاء بقدرتها على تحقيق “الاندماج الزمني” بين سرعة تطور انتظارات الشباب وسرعة الأثر العمومي. فالشباب لا يبحث فقط عن مورد اقتصادي، وإنما عن معنى للمشاركة، وعن أفق للترقي، وعن يقين بأن جهده الشخصي يجد مكانه داخل المشروع الجماعي للأمة.
إن ما وقع في سبتة لا يدعونا، في نظري، إلى إعادة التفكير في الشباب وحدهم، بل إلى إعادة التفكير في “منظومة الوساطة الوطنية” برمتها؛ لأن الدولة الحديثة لا تكتمل بقوة مؤسساتها فقط، وإنما أيضًا بقدرتها على إنتاج الثقة، وتحويل الرؤية إلى وعي، والإنجاز إلى أمل، والسياسة العمومية إلى خبرة معيشة.
ولذلك، فإن السؤال الذي تفرضه هذه اللحظة ليس:
لماذا عبر هؤلاء الشباب؟
وإنما: كيف نجعل الزمن الاستراتيجي للدولة والزمن الحكومي والزمن المجتمعي يلتقون داخل أفق وطني واحد؟
لأن الأوطان لا تدخل منطقة القلق عندما تتراجع قدرتها على الإنجاز، وإنما عندما تتسع المسافة بين الإنجاز ومعناه، وبين المشروع وإدراكه، وبين المستقبل الذي تبنيه الدولة والمستقبل الذي يراه المجتمع.
وهنا، في تقديري، تكمن الرسالة الأعمق لهذا الحدث؛ فهو لا يدعونا إلى مراجعة سياسة قطاعية فحسب، بل إلى تعميق فلسفة الحكامة التي تجعل الإنجاز، والتأويل، والثقة أركانًا متكاملة لبناء الدولة، ويجعل من الإنسان، لا مجرد موضوع للتنمية، بل شريكًا واعيًا في صناعة معناها ومآلاتها
. كلمة ختامية
في ختام هذا الحوار، أود أن أجدد شكري لكم، ولجريدة “الإنماء” ، على إتاحة هذه الفرصة للحوار الهادئ والمسؤول حول قضايا الوطن.
لقد حاولت، من خلال هذه الأجوبة، أن أنظر إلى الاستحقاقات التشريعية المقبلة باعتبارها محطة ضمن مشروع وطني متواصل، قوامه ترسيخ دولة المؤسسات، وتعزيز سيادة القانون، وتوسيع مجالات التنمية، وتجديد الثقة بين المواطن ومختلف الفاعلين في الحياة العامة.
كما أنني أؤمن بأن مستقبل المغرب لن تصنعه السياسة وحدها، ولا الاقتصاد وحده، وإنما يصنعه التكامل بين الفكر، والعلم، والمؤسسات، والمبادرة، والابتكار، والقدرة الجماعية على تحويل الرؤية الملكية إلى سياسات عمومية ذات أثر ملموس في حياة المواطنين.
وأغتنم هذه المناسبة لأدعو إلى إيلاء عناية أكبر ل”جهة بني ملال خنيفرة”، باعتبارها من الجهات التي تختزن مؤهلات استراتيجية كبرى، لكنها ما تزال في حاجة إلى مزيد من الاستثمار في البنيات الجامعية، والبحث العلمي، والاقتصاد الجبلي، والاقتصاد الأخضر، وتثمين مواردها الطبيعية والإنسانية، حتى تؤدي دورها الكامل في تحقيق التنمية الوطنية المتوازنة.
ومن هذا المنطلق، أرى أن المرحلة المقبلة تستدعي التفكير في إحداث “مراصد جهوية للدراسات الاستراتيجية والابتكار الترابي” ، وتعزيز الشراكات بين الجامعات، والجماعات الترابية، والقطاع الاقتصادي، والمؤسسات العمومية، والهيئات المدنية، حتى تصبح المعرفة رافعة للقرار العمومي، ويصبح كل مجال ترابي منتجًا للحلول، لا مجرد متلقٍ لها.
ويبقى الرهان الأكبر هو الاستثمار في الإنسان المغربي، لأنه الثروة الحقيقية للدولة، وهو الضامن لاستمرار الإصلاح، وحسن تدبير التحولات، وصناعة المستقبل.
إن المغرب، بقيادته الرشيدة، وبمؤسساته الدستورية، وبما يزخر به من كفاءات وطنية، يمتلك كل المقومات لمواصلة مساره بثقة وثبات. والمطلوب منا جميعًا أن نجعل من الاختلاف مصدرًا للإثراء، ومن الحوار سبيلًا للتوافق، ومن المسؤولية أساسًا للممارسة العمومية، حتى تظل المصلحة العليا للوطن فوق كل اعتبار.
وأجدد شكري لكم، راجيًا أن يسهم هذا الحوار في إثراء النقاش العمومي، وأن يشكل دعوة صادقة إلى مشاركة واعية ومسؤولة، خدمةً للمغرب، وصونًا لمكتسباته، وإسهامًا في بناء مستقبله.
