دور الإعلام النزيه في تغطية الانتخابات التشريعية عبر العالم
فاس: محمد أمقران حمداوي
تشكل الانتخابات التشريعية إحدى أهم المحطات في الحياة الديمقراطية، باعتبارها مناسبة يختار فيها المواطنون ممثليهم في المؤسسات المنتخبة، ويعبرون من خلالها عن اختياراتهم وتطلعاتهم وانتظاراتهم. غير أن نجاح العملية الانتخابية لا يرتبط فقط بسلامة الاقتراع وفرز الأصوات، بل يرتبط أيضا بمدى توفر المواطن على معلومات دقيقة وموضوعية تساعده على تكوين رأي مستقل واتخاذ قرار واع. ومن هنا يبرز دور الإعلام النزيه باعتباره جسرا بين الفاعل السياسي والمواطن، وفضاء لتقديم المعلومة والتحليل والنقاش العمومي. فكلما التزم الإعلام بالمهنية والموضوعية والتحقق من الأخبار، ساهم في حماية الاختيار الديمقراطي، وكلما انزلق إلى التضليل أو الدعاية أو الانحياز، تحول من أداة للتنوير إلى وسيلة للتأثير والتوجيه.
أولا: الإعلام النزيه وصناعة المواطن الواعي
تكتسي التغطية الإعلامية للانتخابات أهمية بالغة في تمكين المواطنين من معرفة البرامج الانتخابية ومواقف الأحزاب والمرشحين والقضايا التي تشغل المجتمع. فالإعلام المهني لا يكتفي بنقل خطابات السياسيين، وإنما يعمل على شرح مضامينها، ومقارنتها، ووضعها في سياقها، والتحقق من المعطيات والأرقام التي تقدمها الحملات الانتخابية.
وتكمن قيمة الإعلام النزيه في أنه لا يصادر حق المواطن في الاختيار، بل يوفر له المعطيات التي تساعده على اتخاذ قراره بحرية. ولذلك ينبغي أن تكون التغطية الانتخابية قائمة على التوازن في عرض المواقف، واحترام مختلف الآراء، وإتاحة فرص عادلة للفاعلين السياسيين، مع الابتعاد عن التشهير والشخصنة والأخبار غير الموثوقة.
فالمواطن الذي يحصل على معلومات صحيحة ومتوازنة يكون أكثر قدرة على التمييز بين البرنامج الواقعي والشعار الانتخابي، وبين الوعد القابل للتحقق والخطاب الذي يستهدف استمالة الناخب دون تقديم حلول حقيقية.
ثانيا: مواجهة التضليل والأخبار الزائفة أثناء الانتخابات
أصبحت الحملات الانتخابية في العصر الرقمي تواجه تحديا جديدا يتمثل في الانتشار السريع للأخبار الزائفة والمعلومات المضللة، ولا سيما عبر مواقع التواصل الاجتماعي. فقد أصبح بإمكان صورة مجتزأة أو مقطع فيديو خارج سياقه أو خبر غير صحيح أن يصل إلى ملايين الأشخاص في وقت قصير، وأن يؤثر في اتجاهات الرأي العام قبل أن تتاح فرصة التحقق منه.
وهنا تزداد مسؤولية الإعلام المهني، إذ ينبغي ألا يكون مجرد ناقل لما ينتشر في الفضاء الرقمي، بل أن يتحول إلى جهة للتحقق والتدقيق وكشف الأخبار الكاذبة. ويتطلب ذلك اعتماد مصادر موثوقة، ومراجعة المعطيات، والتحقق من الصور والفيديوهات، وتوضيح سياقات التصريحات والأرقام، والتنبيه إلى المحتويات المفبركة أو المضللة.
كما أن الإعلام النزيه مطالب بالتمييز بوضوح بين الخبر والرأي والتعليق والإشهار السياسي، حتى لا يختلط على المواطن ما هو معلومة موضوعية بما هو موقف أو دعاية. فالمعركة الحقيقية في الانتخابات ليست فقط بين الأحزاب والمرشحين، وإنما أيضا بين المعلومة الصحيحة والمعلومة المضللة.
ثالثا: الإعلام بين حق المواطن في المعرفة وحدود التأثير السياسي
يملك الإعلام قوة كبيرة في تحديد القضايا التي تحظى بالاهتمام العام وفي إبراز بعض المرشحين أو القضايا أكثر من غيرها. ولذلك فإن التغطية الانتخابية تضع المؤسسات الإعلامية أمام مسؤولية أخلاقية ومهنية كبيرة، لأن طريقة تقديم الخبر والعنوان والصورة والضيف يمكن أن تؤثر في إدراك الناخبين للمرشحين والأحزاب.
ومن هنا ينبغي للإعلام أن يمارس دوره الرقابي دون أن يتحول إلى طرف سياسي. فله الحق في مساءلة المرشحين حول برامجهم، ومناقشة حصيلتهم، وكشف التناقضات، وطرح الأسئلة الصعبة، لكنه مطالب في الوقت نفسه بأن يمنح جميع الأطراف حق الرد، وأن يستند في نقده إلى الوقائع والأدلة، لا إلى الأحكام المسبقة أو التحيز.
كما أن الإعلام مطالب بتوسيع دائرة النقاش الانتخابي لتشمل قضايا المجتمع الحقيقية: التعليم والصحة والتشغيل والاقتصاد والعدالة الاجتماعية والبيئة وغيرها، بدل اختزال الانتخابات في الصراعات الشخصية أو المزايدات السياسية. وبذلك يصبح الإعلام شريكا في بناء النقاش الديمقراطي، لا مجرد منصة للصراع السياسي.
وخلاصة القول إن الإعلام النزيه ليس مجرد ناقل لأخبار الانتخابات، بل هو أحد الضمانات الأساسية لقيام نقاش ديمقراطي سليم. فحين يلتزم بالدقة والموضوعية والتحقق والتوازن، فإنه يساعد المواطن على فهم البرامج والتمييز بين الحقيقة والتضليل واتخاذ قراره باستقلالية. أما عندما يتحول إلى أداة للدعاية أو التوجيه أو نشر الأخبار الزائفة، فإنه يساهم في إضعاف الثقة في العملية الانتخابية وفي المؤسسات الديمقراطية. لذلك فإن الانتخابات الحرة تحتاج، إلى جانب نزاهة الاقتراع، إلى نزاهة المعلومة؛ لأن صوت المواطن لا يمكن أن يكون حرا تماما إذا كانت المعلومة التي يستند إليها مضللة.
