«ندير السياسة غير باش ناخذ التزكية أو المنصب؟ أي منطق سياسي هذا؟» — نبيل العياشي يفتح النار على انتهازية السياسة.

0

«ندير السياسة غير باش ناخذ التزكية أو المنصب؟ أي منطق سياسي هذا؟» — نبيل العياشي يفتح النار على انتهازية السياسة.

دردشة مع ياسمين الحاج | ضيف الحلقة: الدكتور نبيل العياشي
في زمن تتراجع فيه الثقة، ويتسع فيه العزوف، وتتحول الانتخابات أحيانا من موعد ديمقراطي إلى اختبار حقيقي لعلاقة المواطن بالسياسة، تأتي هذه الحلقة من «دردشة مع ياسمين الحاج» لتفتح الملفات بلا مجاملة، وتطرح الأسئلة التي لا يمكن تأجيلها.
ضيفنا نبيل العياشي، إطار عال بوزارة إعداد التراب الوطني والتعمير والإسكان وسياسة المدينة بالرباط، وباحث حاصل على الدكتوراه في الجغرافيا البشرية، وصاحب مسار علمي وجمعوي وتنموي، يدخل هذه الدردشة محملا بقناعة واضحة: السياسة ليست مقعدا ولا منصبا، وإنما مسؤولية والتزام ومساءلة.
في هذا الحوار، نقترب من رهانات الانتخابات التشريعية المقبلة، ونضع أداء البرلمان تحت المجهر: هل نقيس نجاح المؤسسة بعدد القوانين والأسئلة، أم بما تغير فعلا في حياة المواطن؟
ونفتح ملف العزوف الانتخابي وأزمة الثقة: لماذا ابتعد المواطن؟ وكيف يمكن أن نستعيد معنى المشاركة؟ وهل تكفي الشعارات لإعادة الناخب إلى صناديق الاقتراع؟
:
بداية من هو نبيل العياشي؟ وما الذي قاده إلى العمل العام؟
بداية، نرحب بكم في زاوية «دردشة مع ياسمين الحاج». حبذا لو تعرفون القراء بشخصكم الكريم، وتحدثوننا عن أبرز محطات مساركم المهني والسياسي، والدوافع التي قادتكم إلى الانخراط في العمل العام، وكيف تنظرون اليوم إلى مسؤولية الفاعل السياسي في ظل الاستحقاقات التشريعية المقبلة والتحديات التي يواجهها المغرب؟

دعيني في البداية أيضا أن أشكرك الأخت ياسمين على هذه الاستضافة، التي نتمنى أن تكون ذات قيمة وفائدة على القراء الأعزاء.
اسمي نبيل العياشي، إطار عال بوزارة إعداد التراب الوطني والتعمير والإسكان وسياسة المدينة بالرباط، حاصل على شهادة الدكتوراه في الجغرافيا البشرية بجامعة القاضي عياض بمراكش.
عملت كباحث في دراسات ما بعد الدكتوراه مع مجموعة البحث «الهجرة الدولية والتنمية الجهوية»، في إطار برنامج البحث ابن خلدون «إعادة الإدماج السوسيواقتصادي للمهاجرين العائدين بجهة بني مالل خنيفرة»، بجامعة السلطان مولاي سليمان ببني ملال.
كما شاركت في المرحلتين الأولى والثانية من مشروع المفوضية الأوروبية – البرنامج الإطاري السابع، برنامج تبادل الباحثين الدوليين – ماري كيري، «العمليات المتغيرة في البحر الأبيض المتوسط: التغيرات العالمية، الشبكات، وفتح الحدود MEDCHANGE»، بجامعتي جنوة وبنيفينتو بإيطاليا.
كما شاركت ونظمت العديد من الندوات والمؤتمرات الوطنية والدولية، ولي مقالات وأبحاث نشرت في مؤلفات جماعية علمية ومحكمة داخل المغرب وخارجه، والتي توجت بإصدار كتاب حول إشكالية عودة المهاجرين إلى المغرب.
كما راكمت أيضا العديد من التجارب الجمعوية المحلية والوطنية ذات التوجه العلمي والتنموي.
ومن هذا المنطلق، كان انخراطي في العمل العام نابعا من إيماني بفكرة أساسية مفادها أن من واجب كل شخص، أيا كان توجهه أو تخصصه، أن يساهم في خدمة منطقته وبلده، كل من موقعه.
وقد ترسخت لدي، من خلال هذه التجارب، قناعة بأهمية القرب من المواطنين والإنصات إلى انتظاراتهم، والعمل على تحويلها إلى مبادرات وحلول واقعية، سواء من خلال الإطار السياسي أو الجمعوي أو التعاوني أو غيره.
واليوم، أرى أن مسؤولية الفاعل السياسي تقوم أساسا على الصدق والوضوح والالتزام، وعلى تقديم إجابات وجيهة على إشكاليات المجتمع، من خلال برامج واقعية وقابلة للتنفيذ، مع الحرص على قياس أثرها الفعلي على حياة المواطنين، وكذا الاستعداد الدائم لتحمل المسؤولية والخضوع للمساءلة والمحاسبة.
السؤال الثاني: ماذا تعني الانتخابات المقبلة؟

كيف تنظرون إلى أهمية الانتخابات التشريعية المقبلة، وما الذي يميز رهاناتها عن الاستحقاقات السابقة؟ وكيف تقيمون في هذا السياق المشهد السياسي المغربي؟

تكتسي الانتخابات التشريعية المقبلة أهمية خاصة، باعتبارها محطة أساسية لتجديد المؤسسات وتعزيز الخيار الديمقراطي، وذلك في سياق وطني ودولي تتزايد فيه التحديات والرهانات.
غير أن خصوصية هذه الاستحقاقات ترتبط أيضا بالسياق الاجتماعي الداخلي.
فالمغرب، رغم ما حققه من أوراش إصلاحية وتنموية مهمة، ما زال يواجه تحديات مرتبطة بالتفاوتات والفوارق الاجتماعية والمجالية، وبجودة الخدمات الأساسية، وكذا بفرص الشغل والإدماج الاقتصادي.
وقد عبر صاحب الجلالة الملك محمد السادس عن جانب من هذه الإشكالية من خلال الحديث عن وجود «مغرب بسرعتين»، بما يعكس الحاجة إلى تحقيق تنمية ترابية قادرة على ضمان العدالة بين مختلف المجالات الترابية والفئات الاجتماعية.
ويضاف إلى ذلك ما تعكسه بعض الظواهر الاجتماعية الأخيرة من مؤشرات على تنامي الإحساس بانسداد الأفق لدى فئات من الشباب، ومن بينها محاولات الهجرة الجماعية نحو سبتة، التي كشفت، بصرف النظر عن أبعادها الأمنية والإنسانية، عن عمق بعض الإشكالات المرتبطة بالأمل في المستقبل، وفرص الإدماج الاجتماعي والاقتصادي، والثقة في إمكانية تحسين شروط العيش داخل الوطن.
ولذلك فإن التحدي المطروح أمام الفاعلين السياسيين لا يتمثل فقط في تقديم برامج انتخابية، وإنما في القدرة على إنتاج عرض سياسي وتنموي يعيد الأمل ويجعل المشاركة في الحياة العامة ذات معنى بالنسبة إلى المواطنين.
ومن بين الرهانات التي ستفرض نفسها بقوة كذلك نسبة المشاركة الانتخابية.
فالتحدي لا يكمن فقط في تنظيم انتخابات نزيهة وتنافسية، وإنما في إقناع المواطنين، وخاصة الشباب، بأن صوتهم قادر على التأثير في السياسات العمومية وفي اختيار من يمثلهم.
ومن ثم، فإن الرهان الأساسي لهذه الانتخابات لا ينبغي أن يقتصر على تغيير الخريطة السياسية، بل يتعين أن يتمثل في إعادة بناء الثقة وتشجيع المواطنين على المشاركة، وتجديد النخب وفتح المجال أمام الكفاءات والنساء والشباب، والانتقال من الخطاب السياسي العام إلى برامج واقعية وقابلة للتنفيذ والقياس.
السؤال الثالث: هل البرلمان يقاس بعدد الأسئلة والقوانين؟
كيف تقيمون أداء المؤسسة التشريعية خلال الولاية الحالية؟ وما أبرز الأولويات التي ينبغي أن ينكب عليها البرلمان المقبل؟
إن تقييم أداء المؤسسة التشريعية لا يمكن أن يتم بهذه السهولة، ولا أعتقد أنه يمكن اختزاله في مؤشر واحد.
لكن دعيني أقول لك إنه إذا اعتمدنا فقط على المعيار الكمي، فسنجد أن حجم الأسئلة والمبادرات البرلمانية يعكس حضورا مهما للمؤسسة في ممارسة أدوارها الدستورية.
غير أن هذا المعيار، في اعتقادي، لا يكفي وحده للحكم على نجاعة الأداء البرلماني.
فالأهم هو أن نسأل: ما أثر هذا العمل على حياة المواطنين؟ وهل تحولت هذه المبادرات والأسئلة إلى نتائج ملموسة وإلى حلول حقيقية للإشكالات التي يواجهها المواطنون؟
لذلك، لا ينبغي أن نقيس أداء البرلمان فقط بعدد القوانين المصادق عليها أو الأسئلة المطروحة، وإنما بمدى فعالية هذه الأدوار وقدرتها على إحداث أثر حقيقي في المجتمع وتعزيز ثقة المواطنين في المؤسسة التشريعية.
وأعتقد أن نجاح البرلمان المقبل لن يقاس فقط بما سينتجه من نصوص أو عدد الأسئلة التي سيطرحها، وإنما بقدرته على استعادة ثقة المواطن وجعله يشعر بأن المؤسسة التشريعية قريبة منه، وأن العمل السياسي قادر بالفعل على معالجة انشغالاته وانتظاراته، وكذا تحسين جودة حياته.
السؤال الرابع: لماذا يعزف المواطن عن السياسة؟

في ظل الحديث عن تراجع الثقة والعزوف الانتخابي، كيف يمكن إعادة المواطن إلى الفعل السياسي وتشجيعه على المشاركة؟

حتى نتكلم بصراحة، لا يمكن فصل مشكلة العزوف الانتخابي عن مسألة الثقة في المؤسسات والعمل السياسي بشكل عام.
والثقة لا تستعاد بالشعارات ولا بالخطابات التي تبدو غير واقعية، وإنما بالصدق والوضوح وكذا الوفاء بالالتزامات.
فالمواطن يريد أن يشعر بأن صوته مسموع، وأن مشاركته ليست مجرد محطة انتخابية، بل وسيلة حقيقية للتأثير في القرار العمومي ومحاسبة المنتخبين.
ولذلك، فإن إعادة المواطن إلى الفعل السياسي تبدأ، في اعتقادي، بإعادة المعنى إلى هذه المشاركة.
وهنا تبرز مسؤولية الأحزاب والمنتخبين في تجديد الخطاب السياسي، والانفتاح بشكل أكبر على المواطنين، وخاصة الشباب، والاستماع إلى انشغالاتهم والتواصل معهم بشكل مستمر، وليس فقط خلال الحملات الانتخابية.
كما أن العمل السياسي يجب أن يكون أكثر قربا من المواطن وأكثر ارتباطا بقضاياه اليومية، لأن المواطن في النهاية سيحكم على الخطاب السياسي من خلال ما يلمسه في واقعه.
وفي السياق نفسه، فإن نزاهة الاستحقاقات الانتخابية تظل شرطا أساسيا لبناء الثقة، فكل ممارسة تسيء إلى العملية الانتخابية أو تجعل المواطن يشك في قيمة صوته تساهم في تعميق العزوف.

السؤال الخامس: المرأة والشباب… حضور أم تأثير؟

كيف تقيمون حضور المرأة والشباب في الحياة السياسية؟ وما الذي ينبغي القيام به لتعزيز مشاركتهما؟

لا ينبغي أن نقيس حضور المرأة والشباب في الحياة السياسية بمنطق الكم فقط، أي بعدد المقاعد أو المناصب التي يشغلونها، وإنما ينبغي أن نقيسه من خلال حجم الأثر الذي يحدثونه ومدى حضورهم الفعلي في صناعة القرار.
وتعزيز مشاركتهما يبقى، إلى حد كبير، رهينا باستعادة الثقة في العمل السياسي، وخلق شروط تشجع النساء والشباب على الانخراط الجاد والمسؤول في الحياة السياسية.
المطلوب هو تشجيع الانخراط في العمل السياسي المؤطر والقائم على الأفكار والبرامج وخدمة الصالح العام، وليس العمل السياسي الذي قد ينخرط فيه البعض، نساء أو شبابا، فقط بحثا عن المناصب أو المكاسب الشخصية.
«ندير السياسة مع شي حزب إلا كانوا غادين يعطيوْني التزكية أو منصب… أي منطق سياسي هذا؟»
لذلك، فإن الرهان الحقيقي ليس فقط أن يكون للمرأة والشباب حضور أكبر، وإنما أن يكون لهم حضور مؤثر، قائم على الكفاءة والمسؤولية والالتزام، وقادر على المساهمة الفعلية في صناعة القرار.
السؤال السادس: هل ما زال البرنامج الانتخابي يحسم الاختيار؟
هل أصبحت البرامج الانتخابية معيارا حقيقيا في اختيار الناخب؟ وما الصفات التي ينبغي أن يتحلى بها المرشح الذي يستحق ثقة المواطنين؟

قبل أن نتساءل عما إذا كانت البرامج الانتخابية معيارا في اختيار الناخب، ينبغي طرح سؤال جوهري عن مدى وجود برامج حقيقية وواضحة، تتجاوز الشعارات والوعود إلى أهداف واقعية قابلة للتنفيذ.
وحتى إذا وجدت هذه البرامج، فهل يعتمد عليها الناخب فعلا، أم يتأثر بعوامل أخرى كالعصبية القبلية، الوجاهة الاجتماعية، الانتماء الحزبي، شبكة العلاقات والمصالح، وسلطة المال؟
كما يطرح أيضا سؤال ثان لا يقل أهمية عن الأول: هل يمتلك جميع الناخبين الوعي والقدرة على فهم البرامج ومقارنتها وتقييم مدى واقعيتها؟
لذلك، فإن الاختيار الوجيه يتطلب برامج جادة، وناخبا قادرا على تحليلها، ومرشحا يتميز بالنزاهة والكفاءة والمسؤولية، ويضع المصلحة العامة فوق المصالح الشخصية.
وعليه، فالبرنامج الانتخابي لا يصبح معيارا حقيقيا إلا عندما يكون واضحا وواقعيا وقابلا للتنفيذ، ويملك الناخب القدرة والحرية على الاطلاع عليه ومقارنته بغيره، واختيار ما ينسجم مع قناعاته ويستجيب لانشغالاته.

السؤال السابع: أي إعلام نحتاجه في الانتخابات؟

ما الدور الذي يمكن أن تضطلع به وسائل الإعلام، بمختلف مكوناتها، في مواكبة الانتخابات وتعزيز الوعي الديمقراطي ومحاربة الأخبار المضللة؟

لا شك أن الإعلام يضطلع بدور أساسي في مواكبة الانتخابات، لكن المقصود هو الإعلام الجاد والمسؤول الذي يضع المصلحة الوطنية وحق المواطن في المعلومة الصحيحة فوق كل اعتبار، ومناقشة برامج وأفكار الأحزاب السياسية عبر مرشحيها.
أما الإعلام المبتذل الذي يمارس التضليل والتشهير وينشر الشائعات ويزرع الفتن، فلا يخدم الديمقراطية، بل يسيء إليها وإلى المجتمع.
السؤال الأخير: المشاركة أم المقاطعة؟ ومن يتحمل المسؤولية؟

في ختام هذا الحوار، ما الرسالة التي تودون توجيهها إلى المواطنات والمواطنين بمناسبة الاستحقاقات التشريعية المقبلة؟

في ختام هذا الحوار، أعتقد أن على كل المواطنات والمواطنين أن يتحملوا مسؤوليتهم في هذا الاستحقاق.
فمن اختار منطق المشاركة، فعليه أن يحسن اختيار من يمثله، ومن يملك القدرة على الترافع الحقيقي عن همومه ومشاكله والدفاع عن مصالحه داخل المؤسسات، وأن يتابع أداء من اختاره ويحاسبه على حصيلته.
وفي المقابل، فإن من اختار منطق المقاطعة، من حقه طبعا أن يتخذ هذا الموقف، لكن من مسؤوليته أيضا أن يقنعنا بجدوى هذا الخيار، وبأثره في تعزيز الثقة في المؤسسات، وخدمة الصالح العام، والاستجابة لتطلعات الأجيال المقبلة.
وفي النهاية، سواء اخترنا المشاركة أو المقاطعة، فإننا جميعا معنيون بمستقبل مؤسساتنا وبمستقبل بلادنا.
والمسؤولية الحقيقية تبدأ بالوعي، وبالاختيار المسؤول، وبالقدرة على تقييم النتائج والمساهمة في تصحيح المسار.

ads
اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.