عبد الحكيم قرمان: «الانتخابات تحولت من معركة برامج إلى معركة مكاسب ومصالح»

0

عبد الحكيم قرمان: «الانتخابات تحولت من معركة برامج إلى معركة مكاسب ومصالح»
دردشة مع ياسمين الحاج
في لحظة سياسية دقيقة، لا تبدو الانتخابات التشريعية المغربية المقبلة مجرد موعد جديد في أجندة الاستحقاقات، بل محطة حقيقية لإعادة طرح أسئلة طال تأجيلها: أين تقف الثقة بين المواطن والسياسة؟ وهل ما زالت الأحزاب قادرة على إقناع المغاربة بأن الانتخابات يمكن أن تكون مدخلًا للتغيير، لا مجرد سباق على المقاعد والمواقع؟
في هذه الحلقة تفتح الإعلامية ياسمين الحاج النقاش على مصراعيه مع عبد الحكيم قرمان، المنسق الوطني للهيئة التأسيسية لحزب البديل الاجتماعي الديمقراطي، ورئيس منتدى الأطر والكفاءات المهنية، ورئيس الائتلاف المغربي للملكية الفكرية، والكاتب والمحلل السياسي والباحث في العلوم السياسية.
حوار نقترب فيه من الأسئلة التي تؤرق المشهد السياسي المغربي: أزمة الثقة والعزوف الانتخابي، صراع مكونات الأغلبية، ظاهرة الترحال السياسي، تجديد النخب، مستقبل اليسار، ودور الشباب، إلى جانب الرهانات الكبرى التي تنتظر الحكومة المقبلة، من محاربة الغلاء والبطالة إلى إصلاح الصحة والتعليم وترسيخ الدولة الاجتماعية.
ضيفنا لا يكتفي بتشخيص الأزمة، بل يقدم رؤية تقوم على «البرنامج ثم البرنامج ثم البرنامج»، وعلى تجديد النخب وفتح المجال أمام الكفاءات الشابة والنسائية، وعلى جعل المشاركة المواطنة جزءًا أساسيًا من الممارسة السياسية؟

ومن أكثر القضايا التي يضعها قرمان على طاولة النقاش الترحال السياسي، وصراع المواقع، وتحول الانتخابات من منافسة حول البرامج إلى سباق نحو المكاسب والمصالح، معتبرًا أن هذا المسار يضرب مصداقية العمل السياسي ويعمق أزمة ثقة المواطن في الأحزاب والمنتخبين.
فهل فقدت الأحزاب بوصلتها؟ وهل تستطيع النخب الجديدة إعادة الاعتبار للعمل السياسي؟ وهل يكون الاستحقاق التشريعي المقبل فرصة حقيقية لتجديد النخب والبرامج، أم مجرد إعادة إنتاج للمشهد نفسه؟
لا نبحث عن إجابات جاهزة، ولا نكتفي بلغة الخشب. نطرح الأسئلة التي تشغل المواطن، ونفتح الملفات التي تحتاج إلى نقاش صريح، لأن السياسة حين تنفصل عن الناس تتحول إلى صراع على المواقع، وحين تستعيد علاقتها بالمواطن تصبح أداة لبناء المستقبل.
حوار جريء ومفتوح مع عبد الحكيم قرمان… حول انتخابات 2026، وأزمة الأحزاب، ومستقبل السياسة المغربية.

السؤال الأول: كيف ترون المشهد السياسي المغربي عشية الاستحقاقات التشريعية المقبلة؟

للإجابة عن هذا السؤال، لا بد من وضع المشهد الانتخابي في سياقه السوسيولوجي والسياسي الواسع. يمكننا قراءة المشهد الحالي من خلال أربع ملامح رئيسية:
أولاً: أزمة الثقة المتراكمة
قبل الحديث عن أي استحقاق انتخابي، علينا أن نعترف بحقيقة مؤسفة: المواطن المغربي لم يعد يثق في الأحزاب السياسية كما كان في السابق. استطلاعات الرأي غير المنشورة، والمؤشرات السلوكية (كتدني نسب المشاركة في الانتخابات السابقة وارتفاع نسب المقاطعة)، كلها تشير إلى أن هناك شرخًا متسعًا بين المجتمع ونخبه السياسية. هذا الشرخ ليس وليد اليوم؛ إنه نتيجة تراكمات عقود من الممارسات التي جعلت المواطن ينظر إلى السياسة كسوق للمصالح الخاصة، لا كفضاء لخدمة الصالح العام.
ثانيًا: الأغلبية الحكومية في حالة تفكك
ما يميز هذه الفترة الانتخابية هو المشهد الدراماتيكي الذي تقدمه أحزاب الأغلبية الثالثة (التجمع الوطني للأحرار، الأصالة والمعاصرة، الاستقلال). لقد تحولت العلاقة بينها من «تحالف مصالحي» إلى «صراع تموقع» مكشوف. كل طرف يمارس سياسة «تصدير الإخفاقات» إلى شريكه، وكأن كل حزب يريد أن يقنع الناخب أنه «الضحية البريئة» في هذا التحالف، وأن الشريك هو المسؤول عن تردي الأوضاع. هذا المشهد يقدم خدمة مجانية للمقاطعين، الذين يرون في هذا الصراع دليلاً إضافيًا على أن الأحزاب لا تهتم إلا بمصالحها الذاتية.
ثالثًا: رهانات كبرى تنتظر الحكومة المقبلة
الانتخابات المقبلة ليست استحقاقًا عاديًا. الحكومة القادمة ستواجه ثلاث رهانات وجودية:
المونديال: تحضير المغرب لاستضافة كأس العالم 2030، وهو مشروع يتطلب استثمارات ضخمة وتدبيرًا استثنائيًا للموارد والإمكانيات.
تنزيل الحكم الذاتي: محلية مدربة في الأقاليم الجنوبية، وهو ورش وطني يتطلب نخبًا وآليات حكامة مبتكرة.
الدولة الاجتماعية: الانتقال من خطاب الحماية الاجتماعية إلى تنزيل فعلي لمعالم «العدالة الاجتماعية والمجالية» على الأرض، ينعكس بشكل ملموس على معيش المواطن، يلمسه في جيبه ويأنس بآثاره الإيجابية على حياته العامة اليومية.
رابعًا: هامشية البرامج في النقاش العام
المؤسف أن النقاش الانتخابي الجاري، على الأقل حتى الآن، يدور حول «من سيقود الحكومة» و«كيف ستوزع المقاعد»، وليس حول «كيف سنواجه الغلاء؟» أو «كيف سنصلح التعليم؟» أو «كيف سنوفر فرص الشغل للشباب؟». هذه الفجوة بين ما ينشغل به النخب وما يعيشه المواطنون هي جوهر الأزمة.
السؤال الثاني: ما هي أبرز التحديات التي تواجه العملية الانتخابية برأيكم؟

التحديات التي تواجه الانتخابات المقبلة يمكن تصنيفها في ثلاث مستويات مترابطة:
المستوى الأول: التحديات الهيكلية المتصلة بالثقة
أولاً، ظاهرة العزوف السياسي التي تتفاقم مع كل استحقاق انتخابي. الشباب المغربي، الذي يشكل ثلثي السكان، ينظر إلى الانتخابات كـ«مسرحية» لا تغير شيئًا في واقعه. وهذا ليس تهوينًا من شأن الشباب، بل هو قراءة موضوعية لواقع يرفضه الكثيرون لكنهم يجدون أنفسهم فيه.
ثانيًا، تراجع المصداقية الحزبية. المواطن لم يعد يصدق وعود الأحزاب، لأنه جربها مرارًا وتكرارًا، ورأى كيف تتبخر بمجرد إعلان النتائج. هذه الأزمة ليست أزمة حزب معين؛ إنها أزمة نسق بأكمله.
المستوى الثاني: التحديات الإجرائية المتصلة بتنظيم الانتخابات
أولاً، شفافية آليات الاقتراع والفرز. شكوك المواطنين حول نزاهة العملية الانتخابية ليست جديدة، لكنها تتصاعد في كل دورة. هذه الشكوك، مهما كانت مبرراتها أو عدمها، تشكل تحديًا حقيقيًا لشرعية المؤسسات المنتخبة.
ثانيًا، التحديات اللوجستية المرتبطة بحجم العملية الانتخابية في بلد مترامي الأطراف، وضمان وصول المكاتب الانتخابية إلى كل المناطق النائية، مع احترام إجراءات النزاهة والشفافية.
المستوى الثالث: التحديات السياسية المتصلة بتشكيل الحكومة
أولاً، الاستقطاب الحاد داخل الأغلبية. إذا استمرت حرب «النيران الصديقة» بين أحزاب التحالف الحالي، وأسفرت الانتخابات عن تشكيلة معقدة، فقد نواجه أزمة في تشكيل الحكومة تطول لأشهر، مما يضعف ثقة المواطنين في العملية الديمقراطية برمتها.
ثانيًا، إدارة توقعات الناخبين. هناك فجوة كبيرة بين ما يعد به المرشحون في الحملات الانتخابية وما يمكن أن تحققه الحكومة فعليًا. هذه الفجوة تغذي خيبة الأمل وتعمق أزمة الثقة.
السؤال الثالث: كيف يخطط حزب «البديل الاجتماعي الديمقراطي» لخوض هذه الانتخابات؟

حزبنا يعتمد مقاربة تختلف جذريًا عن المقاربات التقليدية. يمكن تلخيصها في ثلاث مبادئ رئيسية:
أولاً: البرنامج ثم البرنامج ثم البرنامج
نحن نؤمن بأن الانتخابات ليست مزادًا علنيًا للوعود، بل هي لحظة لتقديم برامج واضحة وقابلة للتنفيذ. لذلك، فإننا عندما تتهيأ لنا الشروط الموضوعية للمشاركة في الانتخابات مستقبلاً، سنخوضها بتقديم برنامج تفصيلي يغطي كل القطاعات الحيوية (التشغيل، الصحة، التعليم، السكن، البيئة)، مع جدولة زمنية للإنجاز ومؤشرات قياس الأداء والنجاعة. ولسنا هنا لنعد المواطنين «بالجنة الموعودة» كما يفعل عادة «تجار السياسة ولوبيات الانتخابات»، بل سنقدم خريطة طريق واقعية واضحة المعالم والبدائل والمقاربات.
ثانيًا: تجديد النخب
نحن منخرطون في عملية استقطاب وتأطير واحتضان للنخب من مختلف الجهات، المجالات، الفئات والآفاق من أبناء الوطن بالداخل والخارج. لدينا مناضلات ومناضلون مؤهلون لكي يكونوا مرشحين من مختلف الأعمار، ومن كلا الجنسين.
إننا في مشروع البديل الاجتماعي الديمقراطي، نعمل جاهدين ونسعى لإرساء ثقافة حزبية مبتكرة بخطاب سياسي واعٍ بالواقع وإكراهاته وممكناته، وكذا بالرهانات والتحديات المطروحة. أملنا كبير في أننا سنتمكن من تقديم بديل حزبي ببرنامج سياسي متفرد في مضامينه وحلوله ومقارباته، نسعى من خلاله للمساهمة الفعلية مع مجمل القوى الحية المجددة ببلادنا لإحداث انتقال ثقافي وسلوكي نضالي عقلاني، من شأنه إقناع الوجوه التقليدية التي تمارس السياسة كحرفة بتسليم المشعل، عن قناعة، للجيل الجديد، ونفتح الباب أمام الكفاءات الشابة والنسائية لولوج الحقل السياسي بكثافة وعزم والتزام.
ثالثًا: الإدماج الرقمي والمشاركة المواطنة
نحن نستثمر في التكنولوجيا ليس كأداة دعائية، بل كأداة تواصلية تأطيرية وتداولية لتعزيز مشاركة المواطنين في صنع القرار. كما سنطلق منصات رقمية تمكن المواطنين من متابعة أداء ممثليهم، وتقديم ملاحظاتهم واقتراحاتهم، والمشاركة في تقييم السياسات العمومية.
السياسة، في مفهومنا، ليست مهنة النخب فحسب، بل هي شأن كل المواطنين.
السؤال الرابع: كيف ترون المشهد التحالفي الحالي وتفاعلاته؟

مشهد التحالفات الحالي، كما يتراءى للمهتمين وللمتتبعين، يعكس أزمة بنيوية في طريقة تصور الأحزاب للسياسة. ما يحدث اليوم في صفوف الأغلبية الحكومية هو نموذج مصغر لمأزمية الفاعل السياسي عموما، ولترهل النسق الحزبي على وجه التحديد.
دعني أشرح ذلك بمفهوم «أحزاب الكارتيل»، وهو مفهوم طوره علماء السياسة لوصف الأحزاب التي لا تسعى إلى تجسيد إرادة المجتمع بقدر ما تسعى إلى التحكم في مرافق الدولة واستغلال مواردها.
هذه الأحزاب تمتلك جاهزية لوجيستية هائلة لخوض الانتخابات، لكنها تعاني من ضمور حاد في وظائفها الأساسية المتمثلة في التنشئة السياسية، التأطير والتنظيم للمواطنين وتعبئتهم وتوعيتهم، القيام بدور الوساطة التفاعلية الإيجابية بين الدولة والمجتمع، وكذا إنتاج الأفكار والبرامج وتخريج النخب والتداول الديمقراطي.
لقد تحولت أدوارها من كل ما سبق، في علاقاتها بالمجتمع والدولة، إلى مجرد قلاع «ببوابات» تفتح لاستقبال شبكات المصالح ومجموعات الضغط والتأثير، وتغلق في وجه مطالب ومتطلبات ترقية أوضاع المرتفقين وقضاء مصالح المواطنين.
الصراع الحالي في الأغلبية هو صراع على مواقع السلطة وليس على البرامج والسياسات. وهذا يفسر لماذا تتحول الحملات الانتخابية إلى «مهرجانات شعبوية» تخلو من أي عمق برامجي.
السؤال الخامس: ما هي قراءتكم لظاهرة «الترحال السياسي»؟ وما تأثيرها في الانتخابات؟

ظاهرة «الترحال السياسي»، أي انتقال القيادات والمنتخبين بين الأحزاب بحثًا عن تزكيات أسهل أو مواقع أفضل، باتت تشكل مرضًا عضالاً في النسق الحزبي المغربي. وتتمظهر في شكلين:
الشكل الأول: الانتقال المعلن، حيث يترك منتخب حزبه وينضم إلى حزب آخر، غالبًا في ظروف ملتبسة وسياقات انتخابية يغلب عليها الطابع الذاتي المصلحي أكثر من تبرير ذلك وفقًا لتغيير رؤية سياسية جديدة، أو لقناعة واختلاف فكري، أو لتطبيق برنامج عمل سياسي ضمن إطار سياسي أكثر مصداقية وجدية من الهيئة السابقة، وهو ما يثير الشكوك دائمًا حول الدوافع والمسوغات المصرح بها من طرف «المتحولين» أنفسهم.
الشكل الثاني: الانتقال الصامت، حيث يحتفظ المنتخب بعضويته الحزبية لكنه يتصرف وكأنه مستقل، أو يستعد للانتقال بعد انتهاء الولاية، هذا شكل لا يقل فضاضة وانتهازية عن سابقه، إذا لم تتوفر الظروف والحيثيات الموضوعية المعقولة والمقبولة لتبريره.
المشكلة أن هذه الظاهرة، التي تتفلت من روح الدستور الذي يجرد البرلماني من صفته إذا تخلى عن انتمائه أثناء الولاية (الفصل 61)، تُقرأ في الرأي العام كدليل على أن السياسة مجرد «سمسرة أو مقايضة منافع» وليست تعاقدًا فكريًا، وانخراطًا تنظيميًا، أو التزامًا بقيم أو برامج.
أثرها في الانتخابات كارثي:
إضعاف لمصداقية العمل السياسي وإساءة لصورة الفاعل الحزبي في أعين المواطنين.
تضليل الناخبين الذين انتخبوا شخصًا على أساس برنامج حزب معين، ليكتشفوا بعد الانتخابات أنه أصبح في حزب آخر.
تحويل الانتخابات من معركة برامج إلى معركة انتزاع مكاسب ومصالح، وسوق مقايضات وإغواء بالمغانم لكسب ولاءات خاصة على حساب التفريط في المصالح العليا للمجتمع.
في «البديل الاجتماعي الديمقراطي»، قطعنا عهدًا على أنفسنا بأن لا نكون جزءًا من هذه اللعبة. لقد بنينا حزبنا على أساس برامجي، وكل مرشحينا يلتزمون بميثاق أخلاقي يمنع أي ترحال انتهازي.
السؤال السادس: كيف تنظرون إلى تحالف «اليسار الموحد» الجديد؟
عبد الحكيم قرمان:
تحالف «اليسار الموحد»، الذي جمع مؤخرًا الحزب الاشتراكي الموحد وفيدرالية اليسار الديمقراطي، هو، في تقديري، خطوة في الاتجاه الصحيح لكنها غير كافية.
الإيجابي فيه: أنه يحاول تجاوز حالة التشرذم التي أنهكت اليسار المغربي، ويقدم صورة موحدة للناخبين التقدميين.
المؤاخذ عليه: أنه لم يقدم فكرًا سياسيًا، برنامج عمل نضالي مشترك مبتكر مع تحديد الوسائل والمقاربات والآفاق المنشودة. كما أن المشروع جاء بمبادرة من نفس القيادات التقليدية التي سبق لها أن «حلت» نفس التحالف (بنفس المكونات تقريبًا) وبنفس الخطاب السياسي المألوف لعقود لدى هذه المكونات «المتحدة».
من جهة ثانية، ينظر الكثير من المتتبعين لهذه المبادرة -المحمودة على كل حال- كونها لم تجتهد بالشكل الكافي وبالعمق المطلوب لبلورة «أطروحة فكرية» استشرافية تسهم نظريًا في حلحلة مأزمية اليسار المغربي، أو على الأقل تقدم برنامج عمل سياسي متوسط الأمد وعلى المستوى الاستشرافي الاستراتيجي… وبأن إعادة التذكير والتركيز فقط على مطلب «الملكية البرلمانية» يبدو خطابًا نخبويًا لا يلامس انشغالات المواطن اليومية.
ويرى جمع من المحللين والمهتمين والمتابعين للشأن العام ولمخاض النسق الحزبي ببلادنا، أن هذه الخطوة المعلنة، مهمة بالنسبة «للمكونات الحزبية التي أعلنتها، ولها كل الحق في ذلك من الناحية التكتيكية المرحلية في خضم التحضير لخوض الاستحقاقات الانتخابية المقبلة». لكنها في المقابل، لم تستطع أن تخلق الفارق المأمول والحدث المحلحل للحقل السياسي الوطني، بالنظر إلى كونها تأتي في سياق راهن يهيمن عليه قلق اجتماعي نظرا للعديد من المخاضات والتحولات الاجتماعية والقيمية للمجتمع المغربي، بالإضافة إلى قضايا ملحة مثل البطالة، الفقر والهشاشة، التعليم والسكن والصحة، معاناة فئات عريضة من المغاربة من جراء الغلاء وارتفاع كلفة المعيش، وانحدار الطبقة الوسطى ومأسسة الريع وكل أشكال الفساد الاقتصادي، السياسي والإداري، إلخ…..
نحن في «البديل» قد نتفهم أو نتوافق مع روح «المبادرة» لكن نختلف مع هذا التحالف في الرؤية.
نحن لا نرى أن التغيير يأتي من خلال خطاب «مثالي» يركز على فكرة مركزية تطالب بتغيير شكل النظام بالانتقال من الملكية التنفيذية إلى الملكية البرلمانية، وكأنه «إجراء سحري» سيحل كل الإشكاليات والقضايا التي تحتاج إلى معالجة وإصلاح في هذا الوطن. بل نؤمن بأن الوصول إلى أرقى صيغ التطور السياسي إطلاقًا من الوضع الراهن وصولا إلى الاندراج في الملكية البرلمانية كما هي معلنة في دستور المملكة، يخضع لتراكمات البناء والتفاعل والتوافق بين المؤسسات في إطار «التجويد والاستمرارية» ونعتقد أيضًا بأن التغيير نحو الأفضل يأتي وفقًا لتوافق وطني واسع حول الأولويات والتدرج في التنزيل والتكريس من داخل المؤسسات.
وعلى هذا الأساس، نعتقد بأن أولوية الأولويات اليوم، تكمن في إرساء وتقوية دعائم الدولة الاجتماعية الديمقراطية الحاضنة لكل أبنائها في الداخل والخارج. وهو الأفق السياسي والعملي الذي يتطلب توافقًا مبدئيًا ومنهجيًا وعمليًا بين كل المؤسسات الوطنية حول برامج تنموية ناجعة واقعية تلامس حاجات الناس اليومية، يكون مآلها تحقيق العدالة الاجتماعية والمجالية في كل مناطق البلاد وتحقيق الكرامة لكل أبناء هذا الوطن.
هذا لا يعني أننا ضد المطالب الدستورية من هذا القبيل، لكننا نعتقد أن الأولوية اليوم هي لمحاربة الفقر والهشاشة والمحسوبية والريع والفساد والغلاء والبطالة، ووووو….. قبل الحديث عن شكل النظام السياسي.
ومع ذلك، نمد يدنا للتعاون مع كل القوى التي تؤمن بالتغيير الديمقراطي، ومنها الإخوة في هذا التحالف، في إطار الثوابت الوطنية، مع متمنياتنا الخالصة لهم بالتوفيق والسداد.
السؤال السابع: ما هي رؤيتكم لدور الشباب في الانتخابات المقبلة؟

الشباب ليس مجرد فئة عمرية نستهدفها في برامجنا؛ إنه الركيزة الأساسية لأي مشروع سياسي مستقبلي. لكن علينا أن نكون صادقين مع أنفسنا: الشباب المغربي يعاني من أزمة ثقة حادة تجاه السياسة والأحزاب.
الأسباب:
غياب التمثيل: الشباب لا يجدون أنفسهم في برامج وتحاليل وبدائل النخب السياسية الحالية، التي تهيمن عليها وجوه تشتغل في السياسة بأسلوب متجاوز عفا عنه الزمن.
غياب البرامج: الوعود الانتخابية تظل حبيسة الشعارات، دون ترجمة فعلية على الأرض.
غياب المشاركة: حتى عندما يشارك الشباب في الحياة الحزبية، يجدون أنفسهم مهمشين في صنع القرار.
الحلول التي نقدمها:
تمثيل فعلي: نخصص نسبًا محددة للشباب في قوائمنا الانتخابية، وليس مجرد حشو للقوائم.
برامج خاصة: نقدم برامج تستهدف احتياجات الشباب الخاصة: التشغيل، السكن، التكوين، ريادة الأعمال.
مشاركة في صنع القرار: نؤسس لآليات تمكن الشباب من المشاركة في وضع البرامج وتقييم السياسات.
رسالتنا للشباب: السياسة ليست مهنة، بل هي قناعات مشتركة، وتعاقدات جامعة للإرادات النضالية الصادقة، وهي منهج للفعل وأداة لتغيير الواقع وفقًا للبرامج وليس للمصالح الخاصة.
إذا أردتم التغيير، فكونوا حاضرين في الميدان السياسي، وليس متفرجين على مشاهده.
المقاطعة لا تغير شيئًا، لكن المشاركة الفاعلة هي التي تصنع الفرق.

السؤال الثامن: ما هي وعودكم الأساسية للناخبين المغاربة في هذه الانتخابات؟

لن نعدكم بالمستحيل؛ حينما تتوفر لنا ظروف العمل والمشاركة في الاستحقاقات الانتخابية، نعدكم بـ:
أولاً: محاربة الغلاء
عبر سياسات دعم موجهة للفئات الهشة.
عبر رقابة صارمة على الأسواق ومحاربة الاحتكار.
عبر رفع الحد الأدنى للأجور تدريجيًا مع ربطه بمؤشر التضخم.
ثانيًا: التشغيل
عبر إحداث صندوق وطني لدعم التشغيل.
عبر حوافز للمقاولات التي توظف الشباب وحاملي الشهادات.
عبر تعزيز التكوين المهني وربطه بحاجات السوق.
ثالثًا: الصحة والتعليم
عبر تعميم التغطية الصحية الشاملة.
عبر تحسين جودة التعليم العام وتجويد مناهجه.
عبر دعم البحث العلمي والابتكار.
رابعًا: الحكامة الجيدة
عبر تعزيز الشفافية ومحاربة الفساد.
عبر ربط المسؤولية بالمحاسبة.
عبر تفعيل آليات المشاركة المواطنة في صنع القرار.
خامسًا: العدالة المجالية
عبر تصحيح الفجوات التنموية بين الجهات.
عبر دعم التنمية المحلية واللامركزية.
عبر إشراك المجالس المنتخبة في تدبير الشأن العام المحلي.
نحن لا نعد بأكثر مما يمكن تقديمه، لكننا نعد بأن نكون أمناء فيما نعد به، وشفافين فيما نفعله، ومسؤولين أمام المواطنين عن كل قرار نتخذه.
السؤال التاسع: ما هي رسالتكم الأخيرة للناخبين المغاربة عشية الانتخابات؟

رسالتي للناخبين المغاربة، وخاصة الشباب منهم، هي:
أولاً: لا تغيبوا عن صناديق الاقتراع
المقاطعة ليست حلاً؛ المقاطعة تمنح الفرصة للآخرين ليقرروا مصيركم بدلاً عنكم. صوتكم هو السلاح الوحيد الذي تملكونه لتغيير واقعكم. استعملوه بوعي، وليس بعاطفة.
ثانيًا: انتخبوا البرنامج والأشخاص الأمناء الصالحين
لا تنتخبوا وجهًا معروفًا أو حزبًا كبيرًا لمجرد أنه كبير، بل ركزوا على صدق وواقعية الوعود ووجاهة البرامج والوجوه الصادقة التي أنستم بصلاحها بالمعرفة. انظروا إلى البرامج: ماذا يقدم كل حزب؟ كيف سيواجه التحديات التي تعيشونها؟ ماذا سيقدم لكم في التشغيل والصحة والتعليم؟ البرامج هي التي تفرق، وليس الشعارات.
ثالثًا: أعطوا فرصة للجديد
لا تخافوا من تجربة وجوه جديدة. النخب التقليدية أثبتت عجزها عن تقديم حلول مبتكرة. الكفاءات الشابة المستقلة هي أمل المغرب القادم. امنحوهم الثقة، وامنحوا أنفسكم فرصة للتغيير.
رابعًا: تحلوا بالمسؤولية
أنتم تنتخبون ليس فقط من يمثلونكم في البرلمان، بل من سيقررون مستقبل أبنائكم وأحفادكم.
الانتخاب ليس لحظة عابرة، إنه قرار استراتيجي يؤثر في مسار الوطن لعقود قادمة.

السؤال العاشر: كلمة أخيرة تحبون توجيهها للرأي العام؟

أقول للرأي العام المغربي: المغرب يستحق أفضل مما نعيشه اليوم. يستحق حكومة تحترمه، ونخبًا ترعى مصالحه وتشتغل من أجل رقيه، ومؤسسات تخدمه وتضمن كرامته. لكن هذه الأشياء لا تأتي من تلقاء نفسها؛ إنها نتاج وعي جماعي، وإرادة سياسية، ومشاركة مواطنة فاعلة.
نحن في «البديل الاجتماعي الديمقراطي»: قدمنا نموذجًا مختلفًا لمشروع حزب يقوم على البرامج لا الشعارات، على الكفاءة لا المحسوبية والولاءات، على الشفافية لا التعتيم، على المشاركة لا التهميش.
ندعوكم إلى الانضمام إلينا في هذه الرحلة، أو على الأقل إلى منحنا فرصة لإثبات أننا مختلفون.
لا نطلب منكم الثقة العمياء، بل نطلب منكم الفرصة لنثبت بالعمل، لا بالأقوال، أن السياسة يمكن أن تكون أداة للتغيير، لا سوقًا للمصالح.
معًا، نحو مغرب الكرامة والعدالة والديمقراطية.

ads
اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.