حاميها حراميها

– بقلم : عزيز لعويسي
قد لا نتفاجأ لما ننام في أمن وسكينة، ونصحو في الصباح، على خبر السطو على وكالة بنكية أو الهجوم على سيارة لنقل الأموال، أو إقدام منحرف على هتك عرض فتاة قاصر، أو التحرش بامرأة في الشارع العام، أو تورط أستاذ في قضية “نقط مقابل جنس”، أو ترويج أقراص مهلوسة أمام المدارس، أو تعريض مواطنين للسرقات بالنشل أو الخطف أو تحت التهديد بالسلاح الأبيض، أو رشق سيارات وحافلات للنقل الحضري بالحجارة، أو ممارسة البعض لجرائم النصب والاحتيال والابتزاز والتشهير، أو سرقة مواطنين مغلوبين على أمرهم لصناديق خضر في ظل اشتداد حرارة ارتفاع الأسعار، أو تخريب قاصرين متهورين لتجهيزات ملعب رياضي أو لحافلة للنقل الحضري في لحظة هستيريا وعبث، أو رشق متهورين لعناصر أمن بالحجارة بمناسبة مباراة كرة قدم، أو إشهار سيوف في وجه الشرطة، أو إقدام تلميذ منحط على تعريض أستاذه أو أستاذته للسب والقدف والعنف الجسدي، أو لجوء تلاميذ غير مسؤولين إلى ممارسة الغش في امتحان إشهادي، أو ترامي أيادي منتخبين جماعيين على المال العام بدون حرج أو حياء، أو انتهاك صحافي عابث لحرمة صاحبة الجلالة، بحثا عن مكاسب آنية …
قد لا نتفاجأ لما نعاين أو ما يصل إلى مسامعنا من أخبار حول جريمة من الجرائم، في ظل ما نعيشه من انزلاقات خطيرة في قيم المواطنة والأخلاق، وفي سياق جائحة العبث والسخافة والتفاهة وانعدام المسؤولية، التي باتت تنخر جسد المجتمع في صمت ولا أحد يحرك ساكنا، لكن الأمر الذي لايمكن القبول به أو التطبيع معه بالمرة، أن ينزع مسؤول مكلف بإنفاذ القانون زي المسؤولية، ويتمرد على مختلف الأطر المهنية والإدارية والقانونية التي تؤطر عمله، ليلبس بذلة الجريمة النكراء بكل وقاحة وتهـور، بل وليتحول إلى مجرم بارع على درجة كبيرة من الحرفية والجرأة والمجازفة، ومناسبة هذا الكلام، قضية اختلاس أموال والفساد والابتزاز التي تفجرت بمدينة تيزنيت قبل أيـام، والتي جرت مديرة وكالة بنكية وموظف شرطة برتبة عميد شرطة ممتاز إلى القضاء، للاشتباه في ضلوعهما بمستويات ودرجات متفاوتة في الأفعال الإجرامية المقترفة، التي وثقت بعض تفاصيلها في شريط فيديو قصير تناقلته العديد من مواقع التواصل الاجتماعي.
في هذا الصدد، من غير الصواب أن ندلوا بدلونا في قضية جارية على مستوى القضاء، ومن غير اللائق أن ننبش في حفريات قضية جنائية نكاد نجهل تفاصيلها وحيثياتها بالمرة، ماعدا شريط فيديو قصير يوثق لجوانب من الافعال الجنائية المقترحة، وليس من عاداتنا التحريرية، أن نطلق العنان لقلمنا ليكتب ما شاء وكيف شاء، بعيدا عن ضوابط المسؤولية والأخلاق والالتزام، ومن الصعب علينا أن نخوض في تفاصيل واقعة تمس شئنا أم أبينا بشرف مهنة جديرة بالاحترام والتقدير، قضينا فيها فصولا مهمة من حياتنا المهنية، قبل أن نغادرها بشكل طوعي واختياري، بحثا عن تجارب مهنية جديدة ترفع من قدراتنا وخبراتنا المهنية والحياتية.
لكن في ذات الآن، لا يمكن إلا أن ندين أي تصرف أو فعل صادر عن موظف ينتمي إلى المؤسسة الشرطية، ليس فقط لما لذلك من مساس بشرف المهنة وقيمتها ومكانتها في المجتمع، بل ولأن الشخص المكلف بإنفاذ القانون والسهر على سلامة الأشخاص والممتلكات سواء كان شرطيا أو دركيا أو جمركيا أو مفتش ضرائب أو حتى قاضيا…، غير مسموح له البتة باختراق القانون، أو اعتياد إتيان تصرفات مشبوهة أو ممارسة الشطط في استعمال السلطة أو التصرف مع المواطنين بعيدا عن قواعد اللباقة والاحترام أو التورط في أفعال جرمية.
ما أقدم عليه العميد المشتبه في ضلوعه في قضية الاختلاس والفساد والابتزاز، هو أمر مدان قانونا ومهنيا وأخلاقا، ومساس بهيبة ووقار المؤسسة الشرطية، التي عرفت تحولات نوعية في السنوات الأخيرة، ليس فقط على مستوى الارتقاء بالأوضاع المهنية والمادية والاجتماعية لموظفيها، أو تجويد وسائل العمل، أو الرفع من القدرات التكوينية للموظفين، ولكن أيضا على مستوى الرهان على قواعد الحكامة وما يرتبط بها من شفافية ومسؤولية ومحاسبة، وفي هذا الإطار، وبقدر ما حرصت وتحرص هذه المؤسسة الشرطية على تجويد ظروف العمل على جميع المستويات، بقدر ما راهنت وتراهن على التعامل الصارم مع كل التصرفات غير المسؤولة التي قد تصدر عن بعض موظفيها، في إطار تطهير القطاع من مشاهد العبث وانعدام المسؤولية، والإسهام في إرساء لبنات جهاز أمني ناجع وفعال ومتواصل، خاضعا لقواعد المسؤولية والمحاسبة، ضامنا للأمن والاستقرار، ومعبرا عن الاحتياجات الأمنية للمواطنين، ومواكبا لما تشهده الدولة من دينامية إصلاحية وتحديثية في جميع المجالات.
ما حدث في تيزنيت، وإن كان يضع – تحت المجهر- تصرفات بعض منتسبي الإدارة الأمنية، ممن يضعف لديهم منسوب الانضباط والاحساس بالمسؤولية، فهو في ذات الآن، يسائل الكثير من الأجهزة والقطاعات المعنية بالضبط وإنفاذ القوانين من قبيل الدرك والجمارك ومفتشي الضرائب والقضاء …، كما يسائل مدى حضور قواعد الانضباط والمسؤولية والالتزام والتحلي بالضمير المهني وقيم المواطنة في الأداء المهني للموظف، ومدى تفعيل آليات الرقابة والمسؤولية والمحاسبة، وبين هذا وذاك، يسائل المعايير المعتمدة في التوظيف، والمناهج والطرائق البيداغوجية ذات الصلة بتكوين المنتسبين الجدد، وخاصة فيما يتعلق بالمحتويات المقدمة لهؤلاء، سواء في إطار التكوينات الأساس أو التكوينات المستمرة.
بكل وضوح ومسؤولية، فما أقدم عليه العميد الممتاز المشتبه في تورطه في هذه القضية، ما هو إلا مرآة عاكسة لجائحة العبث التي تجتاح المجتمع منذ سنوات أمام مرأى ومسمع الجميع، وهي جائحة عابرة للمهن والقطاعات والإدارات وممتدة عبر مختلف الشرائح المجتمعية، وفي هذا الإطار، يكفي النظر إلى ما حدث قبل أيام في بوزنيقة وسطات من فوضى وانفلات بمناسبة انعقاد دورة المجلس الجماعي، والتأمل في حالة الخراب الذي طال أجهزة ومرافق المركب الرياضي الأمير مولاي عبدالله بالرباط، عقب نهاية مباراة الجيش الملكي والمغرب الفاسي في إطار منافسات كأس العرش، واستحضار ما عرفته الانتخابات التشريعية والجماعية الأخيرة من مشاهد العبث والتهور والعنف والسخافة والتفاهة، ويكفي تذكر ما تم تسجيله خلال السنوات الأخيرة من جرائم القتل والاغتصاب وهتك العرض التي امتدت حتى إلى الأطفال الأبرياء، ومعاينة ما تعرفه الكثير من الجماعات الحضرية والقروية من مظاهر سوء التدبير ومن مشاهد العبث والبؤس دون حسيب أو رقيب، ويكفي النظر في ما يجتاح المشهد الإعلامي من مشاهد العبث والتفاهة والسخافة، في انتهاك صارخ لحرمة صاحبة الجلالة وما تفرضه من ضوابط مهنية وأخلاقيات، ويكفي توجيه البوصلة نحو عدد من تجار المآسي كما حدث في واقعة الراحل ريان ، ويكفي ما نعاينه كممارسين في الوسط المدرسي، من مظاهر العبث وانعدام المسؤولية وضعف منسوب المواطنة وانعدام الجاهزية والدافعية في أوساط الكثير من المتمدرسات والمتمدرسين…
مشاهد وانحرافات من ضمن أخرى، تجعلنا نقتنع أكثر من أي وقت مضى، أننا نعيش في أحضان مجتمع غابت أو تكاد تغيب عنه شمس المسؤولية والانضباط والالتزام، وحضرت فيه طقوس العبث والتهور والفساد، لذلك، فما أقدم عليه رجل الشرطة من سلوك انحرافي، في تقديرنا هو سلوك طبيعي بالنظر إلى ما وصلنا إليه من تدهور قيمي وأخلاقي ومن انتكاسة في قيم المواطنة وما يرتبط بها من مسؤولية والتزام وتضحية ونكران للذات، وسواء تعلق الأمر بموظف الشرطة المعني أو بمديرة الوكالة البنكية التي خانت أمانة زبنائها، فنحن أمام جريمة نترك للقضاء فرصة النظر في عناصرها التكوينية وكشف النقاب عن ظروفها وملابساتها ودرجة تورط أطرافها، لكن من الناحية الاجتماعية والتربوية والأخلاقية، هي واقعة تفرض دق ناقوس الخطر قبل فوات الأوان، لأن الشرطي لما يترك المجرم ويتحول نفسه إلى مجرم بدون، ومديرة وكالة بنكية لما تخون أمانة زبنائها بدون حياء، فهذه انتكاسة أخلاقية وقيمية تتجاوز عتبات الجريمة والعقاب …
لذلك، فمن العبث ألا يتم استشعار المخاطر المحتملة لما يعرفه المجتمع من انزلاقات أخلاقية وقيمية مثيرة للقلق والخوف .. إنها ضريبة الرهان على “البنيان” على حساب “الإنسان” … فراهنوا رجاء على “الإنسان” فهو من يرفع “البنيان” ويبني “الأوطان” … ولا بناء للإنسان، إلا بالتعليم العصري “الناجع” والفعال” و”المنصف” و”المحفز، الذي يقطع شوكة “الاحتقان” ويطلق للخلق والإبداع والابتكار “العنان” …