الأسس التاريخية للترافع عن القضية الوطنية.

د. حميد المرزوقي
0

د.حميد المرزوقي، مدير مكتب الدراسات واليقظة الإستراتيجية
الكلمات المفتاح: القضية الوطنية الصحراء المغربية، مؤتمر مدريد، مؤتمر برلين، اتفاقية باريس ،مؤتمر الجزيرة الخضراء، الساقية الحمراء ، سانتا كروز، شنقيط، طنجة ، لكويرة، معركة إسلي، للا مغنية، تندوف، كلومبشار، معاهدةالحماية1912 .
لقضية الصحراء المغربية جدور تاريخية عميقة تجمع بين قارتي إفريقيا وأوروبا، تبدئ من القرن السابع عشر إلى الآن، ولضرورة منهجية بحثة سنقوم بقراءة متأنية للوقائع التاريخية التي عاشتها أوربا بمجرد اتفاق أمراء الاقطاع الخروج من النظام الاقطاعي واعترافهم المتبادل فيما بينهم في اطار معاهدة ويست فاليا سنة 1648 وهو ما شكل شهادة ميلاد الدول الأوربية بالمفهوم الحديث وأعلن عن بداية نظام دولي جنيني على الأقل في القارة الأوربية في انتظار ظهور قوى دولية جديدة بعد اكتشاف أمريكا من طرف كريستوفر كلومبوس سنة 1492 الذي تزامن مع طرد العرب والمسلمين واليهود من آخر معاقل ملوك الطوائف غرناطة بالأندلس ، حيث أنه بمجرد شعور ووعي الأوربيين بأنهم أصبحوا يشكلون كيانات دولية وما واكب ذلك من انتعاش للبحث العلمي والاكتشافات العلمية التي ستتزامن مع النهضة الأوربية الشاملة، الثقافية العلمية والتجارية المركنتيلية وفيما بعد الصناعية، أدرك الأوربيون أنهم مطالبون بالبحث عن المواد الأولية الأساسية لصناعتهم الصاعدة من أجل هذا أطلقوا ما اصطلح عليه المؤرخون الإكتشافات الجغرافية حيث أرسلت عدة بعثات مكونة من رجال دين وجغرافيين وعلماء اجتماع وطبوغرافيين وخبراء عسكريين ومؤرخين قامت بتغطية كل أفريقيا جنوبا شمالا غربا وشرقا، انحصرت مهامها في حملة تنصيرية واسعة النطاق وأخرى استكشافية تروم جمع كل المعلومات المتعلقة بالثروات الطبيعية المتعلقة بالغطاء النباتي والغابوي والمعادن والثروات الحيوانية والأحوال الإجتماعية والسياسية ، وقد رصدت لهذه البعثات اعتمادات مالية مهمة نظرا لاهميتها، لذلك استطاعت أن تنجح في إماطة اللثام عن الخيرات الذي تزخر بها القارة السمراء بحيث تمكنت من إنجاز دراسات سوسيو اقتصادية في غاية الدقة تم الاعتماد عليها في التخطيط لولوج أفريقيا برا وبحرا للاستفادة من مخزوناتها الطبيعية والبشرية لتنمية أوربا تنمية شاملة وبعدما أصبحت الصورة مكتملة ومعالم أفريقيا وخيراتها واضحة في أذهان صانعي القرار تم عقد سلسلة مؤتمرات مدريد 1880وبرلين 1884 التي بموجبها تم تقسيم إفريقيا إلى مناطق نفوذ الدول الأوربية الاستعمارية التي دخلت أفريقيا بكل الوسائل المتاحة آنذاك وشرعنت احتلالها واستغلالها تحت غطاء مساعدة أفريقيا وتنميتها، وهكذا تم ترسيم احتلال الجزائر الذي وقع على إثر حادثة المروحة الشهير1830، تلاه اقتطاع مساحات مهمة من شرق المغرب كتوات قندوسة كلومبشار تندوف حاسي البيضا بمقتضى اتفاقية للا مغنية سنة 1845، على إثر الهزيمة التي مني بها الجيش المغربي على عهد السلطان مولاي عبد الرحمان بقيادة ابنه محمد الرابع في معركة إسلي سنة 1844، تلاه احتلال تونس 1881 تم احتلال الصحراء المغربية من طرف إسبانيا في إقليمي الساقية الحمراء ووادي الذهب وبعض الثغور كسيدي افني وطرفاية سنة 1885 وشنقيط من طرف فرنسا في نفس السياق، وقد تم الاتفاق على إرجاء احتلال المغرب إلى وقت لاحق بعد بلورة مخطط محكم لإضعاف السلطة المركزية لدولة المغرب تم تدارس مختلف تفاصيله في مِؤتمر مدريد ما بين يوليو ويوليوز 1880 برئاىسة رئيس مجلس النواب الإسباني أنطونيو كانوباس ديل كاستيو بطلب من السلطان الحسن الأول ومشاركة الأطراف التي لها مصلحة في المغرب وهي : ألمانيا، النامسا المجرية، بلجيكا، الدانمرك، فرنسا، بريطانيا العظمى، إيطاليا، هولندا، البرتغال، إسبانيا، السويد، النرويج، بالإضافة للولايات المتحدة الأمريكية، حيث بمقتضى هذه الاتفاقية منحت الدول المشاركة حق امتلاك الأراضي والعقارات وممارسة التجارة في كافة أنحاء المغرب طالما تعترف بسيادة المغرب على كل أراضيه من شماله بطنجة الى جنوبه بشنقيط، في نفس السياق تم إعطاء صلاحيات لكل من إسبانيا وفرنسا تفوق تلك الممنوحة لباقي الدول بعدما لم يعد للبرتغال أي حظ في المغرب مند حرب وادي المخازن والهزائم التي منيـت بها في مواقع أخرى ، ومن أهم الطرائف التي وقعت لتبرير امتلاك إسبانيا لأحد الثغور في المغرب هو ادعاء المدعو”يبوكوكارسيادمي أريزا ” ملكيته على ثغر صغير بنقطة ما على الساحل المغربي “سماها سانتا كروز دي مار بيكينيا ” “الرأس المقدس للبحر الصغير ” حيث قام بإجلاء سكانها وقد نجم عما قام به خلاف حاد بين إسيانيا والبرتغال استدعى الكنيسة لحله في شخص الأسكندر الرابع، بعد ذلك توالت المحاولات الإسبانية لتحديد ثغر سانتا كروز منها تكوين لجنة عليا بإسبانيا سنة 1861 لممارسة ضغوط إضافية على المغرب لتحديد موقع سانتا كروز ولهذا الغرض أقلعت سفينة إسبانية سنة 1878 من طنجة وعلى مثنها خبراء من البلدين مزودين بالخرائط والمستندات وعلى طول الساحل الأطلسي وقعت خلافات ومناوشات بين اعضاء الوفدين المغربي والإسباني وصولا إلى لكويرة حول تحديد موقع سانتا كروز وفي كل مرة كان أعضاء الوفد المغربي يفندون ادعاءات الوفد الإسباني ويعطونهم الدليل على اسمه الحقيقي، وعند الوصول الى نقطة إفني ادعى أعضاء الوفد الإسباني أنه هو ثغر سانتا كروز فلم يقبل أعضاء الوفد المغربي ادعاءهم ولكي يضع الإسبان الوفد المغربي أمام الأمر الواقع قاموا بإنجاز محضر ووقعوه من جانبهم في حين رفض الوفد المغربي التوقيع عليه، بعد ذلك في سنة 1883 تأسست شركة إسبانية أطلق عليها “الشركة الإسبانية للمستعمرات” التي قامت في 30 مارس 1885 بإعلان الداخلة هي موقع سانتا كروز كما عمدت لإقامة بعض المنشآت الخشبية والبنايات الخفيفة إلا أن سكان وادي الذهب هجموا على الموقع وأسروا احد المستخدمين وقدموه للسلطان على يد خليفته بالسمارة ، وبالرغم من هذه المقاومة من أهالي المنطقة فقد عممت إسبانيا مذكرة على الدول الأوربية في 20 دجنبر 1885 بانها استقرت عن طريق الشركة الإسبانية للمستعمرات في الداخلة، وتجدر الإشارة هنا إلى أن إسبانيا وفرنسا عقدتا العديد من الاتفاقيات السرية لتحديد مناطق نفوذ كل واحدة منهما كان أهمها اتفاقية 27يونيو 1900 واتفاقية باريس في3أكتوبر 1904 ومؤتمر الجزيرة الخضراء 1906التي شارك فيه 16 دولة كانت إلى حدود انعقاده تجمع على أن المغرب دولة موحدة من طنجة إلى شنقيط ومن خلال استقراء هذه الاتفاقيات السرية يظهر أنها كانت تجمع على شيئين أساسيين وهما:
أولا: وضع فرنسا يدها على منطقة شنقيط في سنة1902التي عملت كلما في وسعها لمنحها الاستقلال في28 نونبر 1960 بدعم شرس من الرئيس التونسي الحبيب بورقيبة بعد الضغط على المغرب للقبول باقتطاع موريتانيا من ترابه وفق السياسة الكولينيالية القائمة على مبدأ تقسيم المقسم وتجزئ المجزأ، وبالمقابل وضع اسبانيا يدها علي منطقة الساقية الحمراء ووادي الذهب مند 1885 لكن ظل احتلالها لهذين الإقليمين متعثرا بسبب المقاومة الشرسة لأبناء القبائل الصحراوية المغربية المطوق عنقها بالبيعة للسلاطين المغربية وهو ما أثبته الرأي الاستشاري لمحكمة العدل الدولية بلاهاي
ثانيا: أما الشيء الثاني الذي كان يشكل تحالفا استراتيجيا بين إسبانيا وفرنسا هو الاتفاق السري المبرم بين هاتين الدولتين الكولونياليتين على هامش مؤتمر مدريد 1880 والقاضي بخلق آليات لتفكيك السلطة المركزية بالمغرب المعروفة بالمخزن والتي كانت تعمل وفق نظام هرمي أعلى نقطة فيه هو السلطان يليه خلفاؤهُ ثم العمال والبشوات في المدن والقواد في البوادي والقبائل وفي أسفل الهرم الشيوخ والمقدمين وأهم ما يميز هذا النظام هو جمعه بين السلطة المدنية والعسكرية بالإضافة للإدارة الجبائية إذ كان القواد يتوفرون على جيوشهم التي يشاركون بها في الحركات التي كان ينظمها السلطان كلما دعت الضرورة لذلك كما كانوا في نفس الوقت يتكلفون باستخلاص الضرائب والمكوس “كالترتيب وضريبة الأذن ” وهو ما جعل هذا النظام يكتسب صلابة وقوة تجعله قادرا على مواجهة كل ما يهدد أمن وسلامة الدولة من أخطار داخلية كانت أم خارجية، ولتفكيك هدا النظام القوي الذي كان يزعج السلطات الاستعمارية الفرنسية والإسبانية على حد السواء ويقف كجر عثرة على احتلالهما للمغرب اتفقتا فيما بينهما على سن نظام الحمايات الذي يقوم على منح حمايات لرعايا مغاربة من وجهاء وأعيان وتجار من قناصلة وتجار أجانب وبالأخص حمايات فرنسية وإسبانية وبريطانية وبرتغالية ، ولقد نجح نظام الحماية هذا في إضعاف السلطة المركزية للدولة المغربية أو ما اصطلح على تسميته بالمخزن في ظرف وجيز لم يتعدى30 سنة ثلاثين سنة كانت كافية لإرغام المغرب على التوقيع على معاهدة الحماية في 30مارس 1912 بعدما أصبحت سجلات الضرائب لا تتضمن إلا لوائح الفقراء بينما يعيش الأغنياء المتمتعين بالحمايات على نفقة المخزن وهو ما ترتب عنه حسب استنتاج الباحث المغربي محمد كنبيب مدير المعهد الملكي للبحث في تاريخ المغرب نقصا مهولا في مداخيل الضرائب، علاوة على التصدع الذي عرفته هيبة الدولة بسبب ظهور فئة في المجتمع فوق القانون حيث وصف دبلوماسي فرنسي ذلك بقوله “إن المستفيد من الحماية يمكنه أن يسرق أو يقتل ولكنه يظل دون معاقبة” أما عالم الآثار” شارل فيرو” فقال : “لقد أصبح المخزن بالنسبة إلى هؤلاء المستفيدين من الحماية الأجنبية مثل بقرة حلوب يجب الانتفاع منها ” ورغبة من الدول الاستعمارية المعنية التغلغل في هيكل الدولة لم تقتصر ظاهرة الحمايات على الوجهاء والأعيان والتجار بل تجاوزتها إلى بعض أهم رجالات الدولة ،مثل الوزير المنبهي الذي كان وزيرا للحربية كانت له حماية انجليزية، والقايد المدني لكلاوي كانت له حماية فرنسية، وابن بيروك تكني التاجر الكبير في جنوب تيزنيت كانت له حماية إسبانية، والمحصلة وكما سبقت الإشارة لذلك ما أن حلت سنة 1912 حتى كانت الدولة المغربية طائعة راضية بمصيرها المحتوم المتمثل في التوقيع على معاهدة الحماية،
نظام الحماية لم يكن العنصر الوحيد الذي بنت عليه الدول الإستعمارية استراتجيتها التوسعية بل هناك عناصر أخرى لا تقل أهمية وخطورة أهمها مصادرة جزء كبير من الجبايات الجمركية منذ انتكاسة معركة اسلي مما أضعف مالية الدولة وجعلها غير قادرة على الوفاء بالتزاماتها واقتناء الأسلحة للدفاع عن سيادة الدولة وحرمتها، أما العنصر الأخطر على الإطلاق الدي وظفته الدول الإستعمارية لإضعاف المغرب فكان يتمثل في تفكيك البنيات الإقتصادية التقليدية عن طريق إغراق الأسواق المغربية وبالأخص المدن السلطانية كمراكش ومكناس وتطوان وفاس والرباط بالسلع الأجنبية المنافسة للسلع والمنتوجات المحلية كالملابس والمنسوجات والأدوات الفلاحية والأسمدة والصابون والزيوت والسكر والمواد الجلدية ومواد البناء.
إن مسلسل استعمار المغرب كان وفق إستراتيجية كولونيالية بعيدة المدى تم التخطيط لها بعناية من طرف القوى الاستعمارية الأوربية لتمويل عمليات نموالقارة الأوربية وذلك باستغلال ثروات إفريقيا الطبيعية والبشرية لضمان سوق مفتوحة للمنتوجات الصناعية الأوربية ومصدرا دائما لا ينقطع للمعادن والمواد الأولية لدلك فإن الترافع عن قضية وحدتنا الوطنية يقتضي منا
أولا:الإطلاع العلمي والدقيق على الوقائع التاريخية المرتبطة باحتلال أوربا لإفريقيا والبحث في أرشيفها عما يمكن أن يقدم إضاءات لأهم الإشكالات المطروحة ؛
ثانيا: رصد كل ما يحاك من خطط ومناورات تهدف المس بالقضية الوطنية محليا إقليميا ودوليا وجمع المعطيات التاريخية والموضوعية والترافع بشراسة عن القضية الوطنية؛
ثالثا: الضغط بواسطة فعاليات الرأي العام الوطني والدولي على القوى الإستعمارية القديمة لرفع السرية عن الاتفاقيات الدولية السرية واستغلال الحقائق المكشوف عنها للترافع عن القضية الوطنية .
وشكرا لكم على انتباهكم

 

المراجع:
1- تاريخ المغرب من مولاي إدريس إلى محمد السادس لدلنييل ريفييه ترجمة المهندس أحمد بن الصديق،الطبعة الثانية 2022؛
Histoire du Maroc, Daniel Rivet ,
2- مداخلة الأستاذ شبيهنا حمداتي مكلف بمهمة في الديوان الملكي في ندوة علمية حول جهاد الصحراء من أجل استقلال المملكة ووحدتها الترابية المنظمة بولاية العيون بوجدور في يبراير 1997؛

3- Henri Terrasse, Histoire du Maroc : des origines à l’établissement du protectorat Français 2vol Casablanca, Édition Atlantides, 1949-1950 ;
4- Histoire du Maroc, Hatier, Librairie nationale, Paris/Casablanca ; 1967 ouvrage collectif des auteurs : Jean Brignon, Abdelaziz Amine, Brahim Boutaleb, Guy martinet, Bernard Robensberger ;
5- André Adam, Casablanca , Essai sur la transformation de la société Marocaine au contact de l’Occident , Edition du CNRS,1972.

 

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.