بين فرحة الفوز وحزن الفاجعة: المغرب بين مجد الرياضة ووجع آسفي
في الوقت الذي كان فيه المغاربة، من طنجة إلى الكويرة، يحتفلون بفوز مستحق للمنتخب الوطني المغربي، ويستحضرون بفخر صورة وطن يصنع المجد داخل المستطيل الأخضر، كانت مدينة آسفي تعيش على وقع مأساة إنسانية مؤلمة، حيث تحوّلت الأمطار إلى سيول جارفة، وخيّم الحزن على بيوت فقدت أحباءها، وعلى شوارع ابتلعت الماء والخوف معاً.
فوز المغرب لم يكن مجرد نتيجة رياضية، بل رسالة رمزية قوية تؤكد أن هذا الوطن قادر على فرض احترامه، وبناء مدرسة كروية قائمة على التخطيط، والاستمرارية، وربط المسؤولية بالنتائج. لحظة فرح جماعي نادرة، أعادت الثقة، وجمعت المغاربة حول علم واحد وحلم واحد.
لكن، وفي الجهة الأخرى من المشهد، كانت آسفي تدفع ثمناً باهظاً لهشاشة البنية التحتية وغياب الاستباق. فالأمطار، رغم غزارتها، كشفت واقع قنوات صرف صحي مختنقة، وشبكات تصريف عاجزة عن حماية المواطنين، لتحوّل الفرح الوطني إلى صمت مشوب بالحزن، وتعاطف واسع مع الضحايا وأسرهم.
وبهذه المناسبة الأليمة، نتقدّم بأحرّ التعازي والمواساة إلى عائلات الضحايا، سائلين الله تعالى أن يتغمّدهم بواسع رحمته، وأن يمنّ على المصابين بالشفاء، وعلى ساكنة آسفي بالصبر والقوة.
لا يمكن لوطن أن يحتفل بنجاحاته في مجال، ويغضّ الطرف عن إخفاقاته في مجال آخر. فكما نجح المغرب في بناء منتخب قوي بفضل رؤية واضحة ومحاسبة واستثمار في الإنسان، فإن المدن المغربية، وفي مقدمتها آسفي، تحتاج إلى الرؤية نفسها في التخطيط الحضري، والبنية التحتية، وحماية الأرواح.
إن الانتصار الحقيقي لا يُقاس فقط بعدد الأهداف، بل بعدد الأرواح التي نحميها، وبمدى شعور المواطن بالأمان داخل بيته وشارعه. وما حدث في آسفي يجب أن يكون لحظة وعي جماعي، ننتقل فيها من منطق ردّ الفعل إلى منطق الوقاية والمساءلة.
نفرح لفوز المغرب، ونفخر بإنجازاته، لكننا ننحني إجلالاً لأرواح ضحايا آسفي. فالوطن القوي لا يكتفي بصناعة الفرح، بل يحمي الحياة، ويصون كرامة مواطنيه في السلم كما في الشدّة. رحم الله الضحايا، وحفظ الله المغرب وأهله.
إن التباين الصارخ بين مشهد الاحتفال الوطني ومشهد الفاجعة المحلية يفرض استخلاص دروس عملية، في مقدمتها أن النجاح حين يُدار برؤية واستمرارية ومحاسبة—كما في الرياضة—يُثمر نتائج مشرّفة، وحين يُدار بعشوائية وتأجيل—كما في بعض البنيات الحضرية—يُنتج كلفة إنسانية باهظة.
أولاً: منطق الوقاية قبل الطوارئ
التغيرات المناخية لم تعد احتمالاً بعيداً، بل واقعاً متكرراً. وهو ما يستدعي مراجعة عاجلة لمخططات تصريف مياه الأمطار، وفصلها تقنياً عن قنوات الصرف الصحي، وتحيين المعايير الهندسية بما يستجيب للسيناريوهات القصوى، لا للحدود الدنيا.
ثانياً: الحكامة وربط المسؤولية بالمحاسبة .
لا معنى للتعزية دون مساءلة، ولا جدوى من التحقيقات إن لم تُفضِ إلى تصحيح ملموس. المطلوب هو وضوح في تحديد المسؤوليات، وجدولة زمنية للإصلاح، ونشر المعطيات للرأي العام، بما يعيد الثقة بين المواطن والمؤسسات.
المدينة الآمنة تُبنى بالتشاركية. إشراك الفاعلين الجمعويين، والمهندسين، والجامعات، في التتبع والتقييم، يضمن حكامة أفضل ويقلّل من فجوات التنفيذ.
قد يبهجنا هدف في مرمى الخصم دقائق، لكن ما يبقى هو الإحساس بالأمان في البيت والشارع. الانتصار الإنساني هو أن لا تتحوّل الأمطار إلى مأتم، ولا الفرح إلى صمت. بهذا المعنى، يكون الفوز الحقيقي حين تتكامل الإنجازات: رياضةً، وتنميةً، وحمايةً للحياة.
ياسمين الحاج
