ياسمين الحاج تكتب : المغرب ينتصر بالهوية قبل النتيجة

المغرب ينتصر بالهوية قبل النتيجة
يجمعنا في كرة القدم أكثر مما يفرقنا، فهي في جوهرها لعبة، عنوانها الربح أو الخسارة، لكنها أيضا مساحة للانتماء والصدق والروح الوطنية. وما شهده الجمهور المغربي في آخر مبارااة للمنتخب الوطني لم يكن مجرد مباراة انتهت بجدل، بل اختبارا للقيم، وللأخلاق، ولحظة يختبر فيها الانتماء الحقيقي.
ورغم مشروعية التساؤل حول فوز السنغال بالطريقة التي حدثت، وقرار الانسحاب ثم العودة، وما رافقه من فوضى جماهيرية وتكسير للملعب، فإن صورة المنتخب المغربي كانت أعمق وأصدق. لقد لعب الأسود بحرقة، وبروح عالية، وبسلوك يليق بقميص الوطن، ما جعل دماء يونس العيناوي ورسالة التضحية التي حملها أبرز رموز البطولة، في حين جسدت دموع إبراهيم دياز الصدق في الانتماء والوفاء لقميص الوطن، معبرة عن حرارة المشاعر وعمق الالتزام.،حتى وسط خيبة الأداء وضغط المنافسة خصوصا بعد تسجيل الهدف عبر الضربة الترجيحية.
فكفى جلدا للاعبين؛ وصولهم إلى النهائي شرف كبير بحد ذاته. كان بإمكان عدد من لاعبي المنتخب، المولودين في المهجر، أن يحملوا أقمصة منتخبات أوروبية قوية، وأن يعيشوا أفراحا “هادئة” بلا ارتجاف أو دموع. غير أن اختيارهم للمغرب لم يكن خيارا تقنيا ولا حسابا احتياطيا، بل موقفا واضحا: الانتماء الحقيقي لا يفرض، بل يُختار. ومن يتأمل احتفالات هؤلاء اللاعبين يدرك أن القميص الوطني بالنسبة إليهم ليس مجرد لون، بل ذاكرة حية. فالمغرب حاضر في البيوت قبل الملاعب، وفي الوجدان قبل الوثائق، لذلك جاء الفرح مختلفا، صادقا، ومشحونا بمعنى لا تصنعه الكاميرات.
ولم يكن هذا التحول ليكتمل لولا العمل الهادئ والمتراكم الذي قامت به الجامعة الملكية المغربية لكرة القدم، حين انتقلت من منطق الاستدعاء الظرفي إلى منطق المشروع بعيد المدى، القائم على بناء الثقة، واحترام ذكاء اللاعب، وتوفير بيئة احترافية تجعل اختيار المغرب قرارًا مهنيًا بقدر ما هو عاطفي. وهكذا أصبح القميص الوطني فضاءً جاذبا لا خيارا اضطراريا
صحيح أن هناك غيرة وحقدا على المغرب، لكن الثابت أيضا أن التنظيم كان في مستوى رفيع، وأن صورة البلاد ظلت مشرفة. فالقيم لا تهزم، حتى إن خانتك النتيجة، والأخلاق تبقى حين يسقط الجدل. المغرب لم يكتفِ بالأداء داخل الملعب، بل أظهر للعالم تنظيمًا استثنائيًا وكرمًا لا يُضاهى في استقبال ضيوفه، مما جعل البطولة نموذجًا للاحتراف والروح الرياضية. وفي المقابل، ظهر خذلان بعض الأشقاء في الجزائر ومصر من خلال فرحتهم بفوز السنغال، وكأن روح المنافسة تُنسى حين يتعاطى البعض كرة القدم كأداة للتقليل من نجاح الآخرين.
ورغم كل ما تناقلته وسائل الإعلام ووسائل التواصل حول المباراة، هناك كواليس لا تزال غامضة، لم يعشها إلا من كان داخل الملعب. لحظات ارتجاف الدماء، انفعالات خفية، نظرات وتوجيهات تكشف عن روح الفريق، وسخونة المواجهة التي لا تصل إلى الشاشة أو الكاميرات. هذه اللحظات الصغيرة كانت تحدد مسار المباراة في دقائقها الحاسمة، وتثبت أن الفرح والحزن، الانتصار والخسارة، لا يُقاسان بالنتيجة النهائية وحدها، بل بالروح التي تلعب بها المباراة وبالصدق الذي يحمله اللاعبون في قلوبهم نحو قميص الوطن.
في زمن تميّعت فيه الحدود، وبات الانتماء سلعة قابلة للتفاوض، يذكّرنا لاعبو المنتخب المغربي بأن بعض الاختيارات لا تُقاس بالأرباح، بل بالصدق. الجغرافيا قد تتغيّر… لكن الهوية، حين تكون حقيقية، لا تتبدّل.
ديما المغرب ❤️❤️
