هيئة المساواة وتكافؤ الفرص… بين روح القانون وبرود التفاعل

هيئة المساواة وتكافؤ الفرص… بين روح القانون وبرود التفاعل
ليست هيئة المساواة وتكافؤ الفرص ومقاربة النوع ترفا إداريا، ولا بندا تجميليا في هندسة المجالس الترابية، بل هي ثمرة مسار دستوري وقانوني يروم ترسيخ الديمقراطية التشاركية، وإشراك المجتمع المدني في صناعة القرار المحلي. غير أن السؤال المؤرق يظل مطروحا بإلحاح ،ما جدوى هذه الهيئة إن بقيت حبيسة النصوص، وإن اكتفى بعض رؤساء الجماعات بإحداثها شكليًا دون روح ولا تفاعل؟
لقد جاء التنصيص على هذه الهيئة في القوانين التنظيمية للجماعات الترابية باعتبارها آلية استشارية تسهم في إدماج مقاربة النوع وتعزيز تكافؤ الفرص ومحاربة كل أشكال التمييز والإقصاء. وهي بذلك تمثل جسرا بين المنتخبين والمجتمع المدني، وفضاء بلورة اقتراحات تستحضر حاجيات النساء، والشباب، والأشخاص في وضعية إعاقة، والفئات الهشة عمومًا.
غير أن التجربة الميدانية في بعض الجماعات تكشف اختلالا واضحا بين النص والممارسة. تحدث الهيئة في بداية الولاية، تُلتقط الصور التذكارية، ويعلن عن “الانخراط في الديمقراطية التشاركية”، ثم يدخل الملف في سبات طويل. لا اجتماعات منتظمة، لا إحالة فعلية للبرامج على أنظار الهيئة، لا تفاعل مع توصياتها، وكأنها مجرد قوس بروتوكولي يُفتح عند الحاجة ويغلق عند أول اختبار للجدية.
إن الرئيس في المجالس المنتخبة ، بحكم موقعه التنفيذي، يتحمل مسؤولية مركزية في تفعيل هذه الآلية. فإحداث الهيئة ليس نهاية المسار، بل بدايته. والتفاعل مع توصياتها ليس منة ، بل جزء من روح الحكامة الجيدة. كما أن تمكينها من المعلومة والوثائق المرتبطة ببرامج العمل ومشاريع التنمية شرط أساسي لكي تضطلع بدورها الاستشاري بفعالية ومسؤولية.
عندما تختزل هيئة المساواة وتكافؤ الفرص في دور “المكياج المؤسساتي”، فإن الخسارة لا تصيب أعضاءها فحسب، بل تمس صورة المجلس ككل. إذ كيف يمكن الحديث عن تنمية دامجة دون إشراك حقيقي للطاقات المدنية؟ وكيف نطالب المواطن بالثقة في المؤسسات إذا كانت آليات المشاركة تعطل بصمت؟
إن الديمقراطية التشاركية ليست شعارًا يُرفع في الخطب، بل ممارسة يومية قوامها الإنصات، والحوار، وتقبل الرأي المختلف. وهيئة المساواة وتكافؤ الفرص يمكن أن تكون رافعة حقيقية لتجويد السياسات المحلية، متى وُجدت الإرادة السياسية الصادقة.
المطلوب اليوم ليس فقط احترام النص القانوني، بل استحضار فلسفته. فلسفة تقوم على الإيمان بأن القرار المحلي يصبح أكثر عدالة ونجاعة حين يُصاغ بتشاور واسع، وحين تُدمج فيه مقاربة النوع باعتبارها مدخلا للإنصاف لا مجرد مصطلح تقني.
إن مسؤولية تفعيل هذه الهيئة هي امتحان حقيقي لمدى اقتناع رؤساء الجماعات بروح المشاركة. فإما أن تكون الهيئة فضاءً حيا للحوار والاقتراح، وإما أن تبقى صفحة جميلة في تقارير سنوية لا يقرأها أحد.
والتنمية، في نهاية المطاف، لا تبنى بالزينة… بل بالإرادة
.
ياسمين الحاج