خريبكة: لقاء تواصلي يفتح نقاشًا عميقًا حول التمكين السياسي للمرأة ورهانات الحكامة المحلية

0
pub top

خريبكة: لقاء تواصلي يفتح نقاشًا عميقًا حول التمكين السياسي للمرأة ورهانات الحكامة المحلية
خريبكة – 15 أبريل 2026
في سياق وطني يتسم بتنامي النقاش حول أدوار النساء في تدبير الشأن العام، احتضنت مدينة خريبكة، اليوم الأربعاء، لقاءً تواصليا نظمته جمعية كفاءات الغد للتنمية والثقافة تحت شعار: “نساء فاعلات من أجل حكامة محلية دامجة” بفضاء المركب الثقافي ، وذلك في إطار تفعيل برامج صندوق الدعم لتشجيع تمثيلية النساء. وقد عرف هذا الموعد الفكري حضور نخبة من الأكاديميات والمنتخبات والفاعلات الجمعويات، في محاولة جماعية لإعادة التفكير في موقع المرأة داخل منظومة القرار المحلي.
لم يكتفِ اللقاء بتقديم معطيات وصفية حول حضور النساء في المؤسسات المنتخبة، بل انخرط في تفكيك عميق لإشكالية الانتقال من التمثيلية الكمية إلى الفاعلية النوعية. وفي هذا السياق، قدمت الدكتورة إيجة بومزيل، المستشارة الجماعية والباحثة في الجغرافيا السياسية، مداخلة وازنة بعنوان: “التمثيلية النسائية بالمغرب: من منطق الإدماج الكمي إلى رهان التأثير النوعي”، شددت فيها على أن التحدي الحقيقي لم يعد مرتبطًا فقط برفع عدد النساء داخل المجالس المنتخبة، بل بمدى قدرتهن على التأثير في دوائر القرار وصناعة السياسات العمومية. وقد فتح هذا الطرح الباب أمام تساؤلات جوهرية حول طبيعة المشاركة السياسية النسائية، ومدى استقلاليتها عن البنيات التقليدية التي ما تزال، في كثير من الأحيان، تحد من فاعليتها.
من جهتها، توقفت كل من الدكتورة جهاد حجاوي والمهندسة مهوري نوال عند واقع المشاركة السياسية للنساء بالمغرب، مبرزتين أن التقدم المسجل على مستوى الحضور العددي لا يخفي استمرار عدد من العوائق البنيوية، من بينها الصور النمطية، وضعف الإمكانيات، وصعوبة الولوج إلى مراكز القرار داخل الأحزاب والمؤسسات المنتخبة. كما أكدت المتدخلتان أن تحقيق تمكين سياسي حقيقي يمر عبر إعادة النظر في آليات التأطير والتكوين، وتعزيز الثقة في الكفاءات النسائية، بعيدًا عن المقاربات الشكلية التي تختزل المشاركة في بعدها التمثيلي فقط.
وفي مداخلة ذات بعد ترابي، سلطت الدكتورة منية شهبون الضوء على أدوار النساء داخل الجماعات الترابية، مؤكدة أن حضورهن لم يعد هامشيًا، بل أصبح يساهم بشكل متزايد في بلورة السياسات المحلية، خصوصًا في المجالات المرتبطة بالتنمية الاجتماعية والقرب، غير أن هذا الحضور، رغم أهميته، يظل بحاجة إلى بيئة مؤسساتية داعمة تضمن تكافؤ الفرص وتكرس مبدأ الاستحقاق في تحمل المسؤوليات.
وفي خضم هذا النقاش، برزت مداخلة الإعلامية والفاعلة الجمعوية ياسمين الحاج كأحد أبرز لحظات اللقاء، حيث اختارت مقاربة نقدية جريئة، تجاوزت من خلالها الخطاب الاحتفالي إلى مساءلة عميقة لواقع التمكين السياسي للمرأة. وأكدت أن الرهان اليوم لا يكمن في مجاملة الواقع أو تكرار نفس الخطابات، بل في إعادة صياغتها بما يستجيب لتحديات المرحلة، متسائلة بوضوح: هل نحن أمام تمكين حقيقي للنساء، أم مجرد تجميل ديمقراطي يخفي أشكالًا جديدة من الإقصاء؟
وأبرزت الحاج أن الإشكال لا يتعلق بندرة الكفاءات النسائية، بقدر ما يرتبط بوجود عوائق غير مرئية تحول دون وصول هذه الكفاءات إلى مواقع القرار الفعلي، داعية إلى التحلي بالشجاعة في طرح الأسئلة بدل الاكتفاء بإجابات جاهزة. كما أشادت بالمداخلة العلمية للدكتورة إيجة بومزيل، معتبرة إياها نموذجًا للطرح الرصين، ونوهت بجرأة الدكتورة جهاد حجاوي في تشخيص البنية المجتمعية ذات الطابع الذكوري، التي ما تزال تؤثر على تقييم أدوار النساء.
ولم تغفل الحاج الإشارة إلى إشكالية التمويل، التي وصفتها بـ”العائق الصامت”، معتبرة أن غياب التمكين الاقتصادي يحد من قدرة النساء على الاستمرار والتأثير، سواء في العمل الجمعوي أو في تدبير الشأن العام. وفي ختام مداخلتها، طرحت سؤالًا إشكاليًا حول جدوى الحضور العددي للنساء داخل المؤسسات، متوقفة عند تجربة البرلمان المغربي، ومتسائلة عن مدى ترجمة هذا الحضور إلى أثر تشريعي ورقابي ملموس يخدم قضايا النساء، أم أنه ما يزال في حدود التمثيل الرمزي.
واختُتمت أشغال هذا اللقاء بتقديم حصيلة برنامج “نساء فاعلات من أجل حكامة محلية دامجة” من طرف الدكتورة والمهندسة أمينة ناجح، حيث تم الوقوف عند أبرز المكتسبات المحققة، وكذا التحديات المطروحة. كما عرف اللقاء نقاشًا مستفيضًا تُوِّج بصياغة جملة من التوصيات، همّت أساسًا تعزيز قدرات النساء في تدبير الشأن المحلي، والرفع من مستوى التنسيق بين الفاعلات السياسيات والجمعويات، والعمل على ترسيخ حكامة محلية أكثر شمولية ودماجًا.
وفي ختام هذا الموعد، تم توزيع شواهد المشاركة والتكوين على عدد من النساء المستفيدات، في خطوة رمزية تعكس أهمية الاستثمار في الكفاءات النسائية، وتعزز مسار بناء نخب قادرة على الإسهام الفعلي في صنع القرار. ويأتي هذا اللقاء ضمن سلسلة من المبادرات التي تقودها جمعية كفاءات الغد، في أفق تكريس نموذج تنموي أكثر إنصافًا وتوازنًا.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.