ياسمين الحاج تكتب : من قلب خريبكة… شهادة على صوت نسائي يوقظ الأسئلة المؤجلة

من قلب خريبكة… شهادة على صوت نسائي يوقظ الأسئلة المؤجلة
في مساء فكري مفعم بجرأة الطرح وعمق الأسئلة، حضرت الندوة التي احتضنتها مدينة خريبكة يوم 16 أبريل 2026، بدعوة من الكتابة الإقليمية لحزب التقدم والاشتراكية، حيث تحول اللقاء إلى مساحة حقيقية لمساءلة واقع السياسة في المغرب، من خلال مداخلة قوية للقيادية حسناء أبو زيد.
منذ البداية، اختارت أبو زيد أن تتحدث بلغة الأرقام لا الانطباعات، مقدّمة قراءة دقيقة لمسار المشاركة النسائية في المغرب. فقد كشفت أن تجربة تمتد لنحو عشرين سنة من اعتماد آليات التمييز الإيجابي (2002-2021)، لم تفض إلا إلى وصول 32 امرأة فقط عبر اللوائح المحلية، بمعدل سنوي لا يتجاوز 1.6 امرأة، وهو رقم اعتبرته دالًا على محدودية الأثر الحقيقي لهذه الآليات.
هذا المعطى، كما بدا في مداخلتها، لم يكن مجرد رقم، بل مدخلا لنقد أعمق، حيث اعتبرت أن الحضور النسائي لا يزال محصورا في بعده الشكلي، دون أن يترجم إلى تأثير فعلي داخل مراكز القرار، بما يكرّس نوعًا من التراتبية غير المعلنة داخل المؤسسات.
وفي لحظة لافتة، توقفت عند ما وصفته بـ“شيطنة العمل السياسي”، معتبرة أن هذا الخطاب المتنامي يساهم في إضعاف الثقة في الفعل الحزبي، ويغذي العزوف بدل تحفيز المشاركة الواعية.
كما أثارت، بنبرة استنكارية قوية، إشكالية توظيف الدعم العمومي، متسائلة: “علاش في بلادنا سيتحول دعم المجتمع المدني إلى التحكم في المجتمع المدني؟ ودعم الإعلام إلى طريقة لمسخ الإعلام؟ ودعم الأحزاب إلى طريقة للولوج إلى الأحزاب؟ لماذا دعمنا مسموم ولا يخدم وطننا؟”
قبل أن تؤكد أن هذا النقاش يندرج في صلب قضايا المالية العامة، وليس مجرد جدل سياسي عابر.
ولم يقف تحليلها عند حدود تمثيلية النساء، بل امتد ليشمل بنية النظام الديمقراطي، حيث حذرت من تحوّل الديمقراطية إلى واجهة شكلية، في مقابل صعود مراكز تأثير موازية تُصاغ داخلها القرارات بعيدًا عن المؤسسات المنتخبة. كما انتقدت طبيعة التحالفات السياسية وصعود لوبيات المصالح، معتبرة أن المشهد يشهد تحولا مقلقا من تداخل المال والسلطة إلى مرحلة أكثر تعقيدا، حيث باتت القيم نفسها عرضة للتوظيف والانزلاق.
وفي البعد الاجتماعي، دقت أبو زيد ناقوس الخطر بشأن ما يتعرض له التوازن المجتمعي، خاصة مع الضغوط المتزايدة على مهن الطبقة الوسطى في قطاعي الصحة والتعليم، منتقدة التوجه نحو تسليع هذه القطاعات، بما قد يفقدها بعدها الإنساني ويهدد استقرارها.
ورغم حدة النقد، لم تغب نبرة الأمل عن ختام مداخلتها، حيث شددت على أن وعي المجتمع يظل متقدما، وأن إنقاذ الفعل السياسي يمر عبر استعادة الأحزاب لأدوارها التأطيرية، والعودة إلى جوهر الوساطة بين الدولة والمجتمع.
كحاضرة في هذا اللقاء، لم يكن ما استوقفني فقط قوة التحليل، بل جرأة الطرح ووضوح الموقف. لقد بدا صوت حسناء أبو زيد مختلفا، لأنه لا يكتفي بوصف الأعطاب، بل يضعها في قلب النقاش العمومي، داعيًا إلى مساءلة حقيقية لما نعتبره بديهيًا، وهو ما يمنح مثل هذه اللحظات الفكرية قيمتها وضرورتها.
ياسمين الحاج