محمد رفعت ابو الذهب يكتب : لا تنسوا فلسطين

0

لا تنسوا فلسطين… نداءٌ إلى الضمير الحي

في خِضَمِّ التحوّلات المتسارعة التي يشهدها العالم، وفي ظلِّ صراعاتٍ دوليةٍ تتصدر المشهد وتستأثر باهتمام الإعلام والرأي العام، يطفو سؤالٌ ملحٌّ على سطح الوعي العربي: هل يمكن أن تنزاح القضية الفلسطينية عن موقعها الطبيعي في صدارة الاهتمام؟ وهل يجوز أن تتحوّل من قضيةٍ مركزية إلى ملفٍّ مؤجّل تُحدده أولويات اللحظة وتقلبات السياسة؟
إنّ ما يشهده العالم اليوم من توتراتٍ متشابكة، قد يخطف الأبصار ويُربك المتابعات، لكنه لا ينبغي أن يخطف البصيرة. فالتاريخ القريب والبعيد يُعلّمنا أنّ الصراعات الدولية تتبدّل، والتحالفات تتغير، وموازين القوى لا تعرف الثبات، غير أنّ الحقّ يظلّ حقًا، لا تسقطه تقادمات الزمن ولا تُلغيه تحوّلات المصالح. ومن هذا المنطلق، تبقى فلسطين ثابتةً في الوجدان، راسخةً في الضمير، بوصفها قضية شعبٍ يناضل من أجل حريته وحقوقه المشروعة على أرضه.
إنّ أخطر ما يمكن أن تواجهه القضايا العادلة ليس فقط العدوان المباشر، بل النسيان التدريجي، والانشغال عنها بقضايا أخرى، مهما كانت أهميتها. فالقضية الفلسطينية ليست حدثًا عابرًا في نشرات الأخبار، ولا موسماً يُستحضر عند الأزمات، بل هي هوية ووعي وتاريخ ومسؤولية مستمرة. وكل محاولة لتهميشها أو التقليل من شأنها، إنما تُعدّ خسارةً معنويةً قبل أن تكون سياسية، لأنها تمسّ جوهر الانتماء وصدق المواقف.
وفلسطين ليست مجرد جغرافيا تُختزل في حدودٍ أو خرائط، بل هي رمزٌ للصمود، ومعيارٌ حقيقيٌّ لقياس نبض الضمير الإنساني. إنها امتحانٌ دائمٌ لمدى التزام العالم بقيم العدالة والحرية، واختبارٌ صريحٌ لمدى قدرة الشعوب على الحفاظ على قضاياها العادلة في وجه النسيان والتشتيت.
وفي قلب هذه القضية، تقف غزة شاهدًا حيًّا على أقسى صور المعاناة الإنسانية، وعلى أسمى معاني الصمود في آنٍ واحد. غزة ليست رقعةً جغرافية فحسب، بل حكايةُ ألمٍ يوميٍّ يعيشه شعبٌ محاصر، يواجه القصف والدمار، ويكابد نقص الدواء والغذاء، ومع ذلك يتمسّك بالحياة بكرامةٍ لا تنكسر. هناك، حيث تهدّمت البيوت فوق ساكنيها، وحُرم الأطفال من أبسط حقوقهم في الأمان والتعليم، تتجلّى مأساةٌ إنسانية تتجاوز حدود السياسة لتلامس عمق الضمير الإنساني.
ورغم كل هذا الألم، لا تزال غزة تقف شامخة، تُرسل رسالةً واضحة للعالم: أن الإنسان قد يتألم، لكنه لا يستسلم. وأن الشعوب التي تؤمن بحقها، لا يمكن أن تُهزم مهما اشتدّ الحصار أو طال أمد المعاناة.
إنّ معاناة غزة تُذكّرنا بأن القضية الفلسطينية ليست فكرةً مجرّدة، بل واقعٌ حيٌّ يعيشه بشرٌ من لحمٍ ودم، يحتاجون إلى دعمٍ حقيقي، ومواقف واضحة، ووعيٍ لا يخبو. فكل صمتٍ يطول، وكل انشغالٍ يُبعد الأنظار، إنما يُسهم في تعميق الجرح وإطالة أمد الألم.
غير أنّ الحفاظ على مركزية القضية الفلسطينية لا يعني تجاهل بقية الأحداث الدولية، بل يقتضي ترتيب الأولويات، والتمييز بين ما هو عابر وما هو ثابت. فالصراعات مهما تعاظمت، تبقى رهينة المصالح والتوازنات، بينما تبقى فلسطين قضية حقٍّ لا تموت، وقضية شعبٍ لا يستسلم، وقضية أمةٍ لا يليق بها أن تنسى.
إنّ دعم فلسطين لا يقتصر على الشعارات، بل يبدأ بالوعي، ويتعزّز بالتربية، ويترسّخ بالموقف، ويتجلّى في الفعل. وهو مسؤولية جماعية، تتقاسمها الأجيال، وتُغذّيها الذاكرة، ويحرسها الضمير.
فلا تنسوا فلسطين… لأنها البوصلة التي إن ضاعت، ضاع الاتجاه كله. ولا تنسوا غزة… لأنها القلب الذي ينزف ليذكّر العالم بأن للحق ثمنًا، وأن للصمود معنى، وأن للكرامة وجوهًا لا تنحني.
ولتكن فلسطين حاضرةً في العقول قبل القلوب، وفي القرارات قبل الكلمات، ولنجعل من كل حدثٍ عالمي دافعًا لتجديد التذكير بها، لا سببًا للانشغال عنها. فالقضية التي تسكن وجدان أمة، لا يجوز أن تغيب، مهما اشتدت العواصف، وتعدّدت الأزمات.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.