محمد النوحي: طالب باحث بسلك الدكتوراه
بكلية العلوم القانونية والاقتصادية والاجتماعية – أكدال،
جامعة محمد الخامس بالرباط
حرماني من مناقشة أطروحة الدكتوراه: أي احترام للشرعية وسيادة القانون وتكافؤ الفرص؟
لا تندرج قضية حرماني من مناقشة أطروحة الدكتوراه ضمن إطار نزاع فردي أو حالة شخصية معزولة، وإنما تثير إشكالية قانونية ومؤسساتية ذات أبعاد دستورية وحقوقية، تتعلق بمدى احترام الجامعة لمبادئ المساواة وتكافؤ الفرص بين الطلبة الباحثين وحماية الحقوق المكتسبة وضمان الأمن القانوني داخل مرفق التعليم العالي، وللشرعية وسيادة القانون،
وتستند هذه المبادئ إلى منظومة متكاملة من المرجعيات الدولية والدستورية ، فعلى المستوى الدولي تؤكد المادة السادسة والعشرون من الإعلان العالمي لحقوق الإنسان أن التعليم حق أساسي وأن الولوج إلى التعليم العالي يجب أن يتم على أساس الكفاءة وفي إطار المساواة بين الجميع، ويكرس العهد الدولي الخاص بالحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية في مادته الثانية مبدأ عدم التمييز في التمتع بالحقوق يكفلها، بينما تنص المادة الثالثة عشرة على أن الحق في التعليم يجب أن يكون متاحًا للجميع على قدم المساواة،
وانسجاما مع هذه الالتزامات الدولية لحقوق الإنسان، أكد الدستور المغربي الحالي في ديباجته “التزام المملكة ببناء مجتمع يقوم على المساواة وتكافؤ الفرص والعدالة الاجتماعية والكرامة الإنسانية”، كما ينص الفصل السادس منه على أن القانون هو أسمى تعبير عن إرادة الأمة وأن الجميع بمن فيهم السلطات العمومية متساوون أمامه وملزمون بالامتثال لأحكامه ، كما نص الفصل 31 من الدستور على التزام الدولة والمؤسسات العمومية والجماعات الترابية بتعبئة جميع الوسائل المتاحة لتيسير استفادة المواطنات والمواطنين على قدم المساواة من الحق في تعليم عصري ميسر الولوج وذي جودة، بينما أكد الفصل 154 أن المرافق العمومية تخضع لمبادئ المساواة والإنصاف والشفافية والاستمرارية وربط المسؤولية بالمحاسبة،
وتعزز هذه المرجعيات توصية اليونسكو بشأن أوضاع هيئات التدريس في التعليم العالي لسنة 1997 مرجعًا دوليًا مهمًا في هذا المجال، إذ تؤكد على ضرورة اعتماد معايير موضوعية وشفافة في اتخاذ القرارات الأكاديمية واحترام مبدأ المساواة وعدم التمييز بين الباحثين وضمان حقهم في مراجعة القرارات التي تمس حقوقهم الأكاديمية بما يكفل نزاهة الإجراءات الجامعية وعدالتها،
كما تندرج في الإطار نفسه اتفاقية الإطار للتعاون والشراكة الموقعة بتاريخ 4 فبراير 2021 بين المجلس الوطني لحقوق الإنسان ووزارة التربية الوطنية والتكوين المهني والتعليم العالي والبحث العلمي، والتي تهدف إلى ترسيخ قيم المساواة وعدم التمييز والشفافية وتشجيع اعتماد مقاربة حقوقية في تدبير المؤسسات التعليمية والجامعية، كما تروم إلى احترام الكرامة ومحاربة جميع أشكال التمييز واعتماد معايير موضوعية ومنصفة في تدبير الشأن الجامعي،.
في هذا الإطار، أنجزت أطروحتي لنيل الدكتوراه حول موضوع “حرية تكوين الجمعيات بالمغرب بين المعايير الدولية لحقوق الإنسان وواقع الممارسة” في إطار نظام دكتوراه وحدات التكوين والبحث الذي اعتمد بكلية العلوم القانونية والاقتصادية والاجتماعية – أكدال – قبل النظام الحالي للدكتوراه،
واستنادًا إلى المادة الثامنة من المرسوم رقم 2.96.795 المنظم للدكتوراه في إطار نظام وحدات التكوين والبحث، حصلت على رخصة استثنائية من أجل مناقشة أطروحتي وهي آلية قانونية أقرها المشرع لمعالجة الحالات الخاصة وتمكين الطلبة الباحثين الذين تعذر عليهم استكمال أطروحاتهم داخل الآجال القانونية من مواصلة مسارهم الأكاديمي،
كما احترمت الإعلان الصادر عن الكلية الذي حدد يوم 3 يوليوز 2023 آخر أجل لإيداع طلبات مناقشة الأطروحات الخاصة بطلبة نظام وحدات التكوين والبحث وبالفعل وقع الأستاذ المشرف رحمه الله امحمد داسر العميد السابق لكلية العلوم القانونية والاقتصادية والاجتماعية بمدينة المحمدية على طلب تعيين الأساتذة المقررين وصادق عليه السيد العميد بالنيابة بتاريخ 26 يونيو 2023، قبل إحالة الأطروحة على المقررين،
وقد أنجز الأساتذة المقررون تقاريرهم التي جاءت جميعها إيجابية وكان آخرها بتاريخ 29 يونيو 2024 ولم يتبق من المسطرة سوى المناقشة العلنية،
إلا أن المسطرة توقفت عند هذه المرحلة بناءً على تعليمات شفهية صادرة عن رئاسة الجامعة دون تبليغي بأي سند قانوني يبرر هذا التوقيف ودون إصدار بلاغ رسمي يحدد شروطًا جديدة أو يعلن إنهاء العمل بنظام وحدات التكوين والبحث، علما أن مناقشة أطروحات الدكتوراه الخاصة بهذا النظام استمرت إلى غاية شهر نونبر 2024 ،
ويطرح هذا الواقع تساؤلًا مشروعًا حول أسباب استبعادي من الاستفادة من الإمكانية نفسها رغم أن جميع الإجراءات القانونية والعلمية الخاصة بأطروحتي قد استوفيت، ابتداءً من الحصول على الرخصة الاستثنائية من أجل المناقشة وإيداع طلب المناقشة داخل الأجل وموافقة الأستاذ المشرف وتعيين الأساتذة المقررين وانتهاءً بإيداع تقاريرهم التي كانت كلها إيجابية،
وأمام هذا الوضع، وجهت عدة مراسلات إلى نائب رئيس الجامعة المكلف بالبحث العلمي والتعاون والحكامة ثم جددت طلبي بعد توليه مهام عميد بالنيابة للكلية ، غير أن جميع طلباتي بقيت دون جواب كما راسلت السيد رئيس الجامعة بتاريخ 23 يونيو 2025 ثم وجهت إليه رسالة تذكيرية بتاريخ 13 نونبر 2025، إلا أن الجامعة التزمت الصمت في مخالفة لمبادئ الحكامة الجيدة وواجب الإدارة في الرد على طلبات المرتفقين داخل أجل معقول،
وفي محاولة جديدة لتسوية هذا الملف، تقدمت بطلب لقاء مع السيدة مديرة قطب الدكتوراه بالجامعة، غيرأنها لم تستجب لطلبي واكتفت بتكليف إحدى الموظفات بالاتصال بي عبر مكالمة هاتفية من رقم مخفي لإبلاغي بأن السيدة المديرة ستستقبلني بعد عيد الأضحى دون تحديد تاريخ أو ساعة اللقاء وبعد مرور أكثر من شهر، قصدت رئاسة الجامعة للاستفسار عن مآل طلبي، فأبلغتني إحدى الموظفات بأن مديرة قطب الدكتوراه بالجامعة أحالت مذكرة إخبارية في الموضوع إلى عمادة الكلية،
وخلال لقائي بنائبة عميد كلية العلوم القانونية والاقتصادية والاجتماعية – أكدال- بالرباط، من أجل استفسارها عن فحوى المدكرة الإخبارية، أبلغتني شفاهيا دون أن أطلع على المدكرة بأن الطلبة الباحثين في نظام وحدات التكوين والبحث يمكنهم التسجيل في النظام الجديد للدكتوراه قبل 30 أكتوبر 2026،
هدا وقد سبق، أن لجأت إلى مؤسسة وسيط المملكة بتاريخ 10 أبريل 2026 أملاً في إيجاد حل يحترم مبدأ المشروعية وسيادة القانون،
غير أن جواب الجامعة الموجه إلى المؤسسة كان مبهما ولم يناقش الوقائع المثارة أو الدفوع القانونية المقدمة، بل اكتفى بالإشارة إلى أن الطلبة الباحثين في نظام وحدات التكوين والبحث يمكنهم مناقشة أطروحاتهم شريطة استيفاء مجموعة من الشروط، دون تحديد طبيعة هذه الشروط أو بيان أساسها القانوني أو توضيح الشرط الذي لم أستوفيه وهو ما يجعل التعليل عامًا ومبهمًا ولا يستجيب للمتطلبات القانونية الواجبة في تعليل القرارات الإدارية،
كما أن المذكرة الإخبارية لم يتم نشرها أو الإعلان عنها رسميًا ولم يتم إشعار الطلبة الباحثين المعنيين بها رغم أن الأجل المحدد للتسجيل سينتهي في 30 أكتوبر 2026، كما لم تبادر الجامعة إلى مراسلتهم أو الاتصال بهم لإخبارهم بهذه المستجدات وهو ما من شأنه أن يحرم عددًا منهم من الاستفادة من هذا الإجراء خاصة أولئك الذين لا تسمح لهم ظروفهم بالحضور المستمر إلى الكلية لتتبع المستجدات الإدارية، وهو ما يتعارض مع مبادئ الشفافية والحق في المعلومة ويهدد مبدأ الأمن القانوني،
ويتعزز هذا الطرح بالمقتضيات الدستورية والقانونية المتعلقة بتعليل القرارات الإدارية، ولا سيما الفصلين 27 و154 من الدستور، والقانون رقم 31.13 المتعلق بالحق في الحصول على المعلومات والقانون رقم 03.01 المتعلق بإلزام الإدارات العمومية والجماعات الترابية والمؤسسات العمومية بتعليل قراراتها الإدارية، إضافة إلى القانون رقم 54.19 بمثابة ميثاق المرافق العمومية والتي تلزم الإدارة بإصدار قرارات معللة قانونًا وواقعًا بما يمكن المعنيين من معرفة أسبابها وممارسة حقهم في التظلم والطعن،
لذلك، فإن الإشكال المطروح لا يتعلق فقط بالإعلان عن مناقشة أطروحة دكتوراه وإنما يتعلق بمدى احترام الجامعة لمبادئ الشرعية وتكافؤ الفرص والأمن القانوني وحماية الحقوق المكتسبة والشفافية في تدبير المرفق الجامعي،
ويبقى السؤال الجوهري قائمًا: إذا كانت جميع الإجراءات العلمية والقانونية قد استوفيت ولم يصدر أي قرار إداري معلل يوقف المسطرة فما هو الأساس القانوني الذي يحول دون تمكيني من ممارسة حقي في المناقشة العلنية لأطروحتي؟
إن الإجابة عن هذا السؤال لا تهم وضعيتي الشخصية فحسب، بل تمس مصداقية الجامعة، ومدى التزامها بمبادئ دولة القانون وصيانة الثقة في المؤسسات الجامعية وضمان المساواة بين جميع الطلبة الباحثين في الاستفادة من الحقوق التي يكفلها القانون.