الجذور تصنع الانتماء، أما التكوين فهو الذي يصنع الأبطال.

0

في كل مرة يعتلي فيها نجم من أصول مغربية منصة المجد العالمية، يشتعل في الداخل شعور مشروع بالفخر. نهتف، نحتفل، ونستحضر الجذور. لكن بين حرارة العاطفة وبرودة الوقائع، تبقى حقيقة واحدة لا تقبل الجدل: الجذور تصنع الانتماء، أما التكوين فهو الذي يصنع الأبطال.
تتويج المنتخب الإسباني بكأس العالم 2026 لم يكن مفاجأة، ولم يكن ثمرة جيل استثنائي ظهر بالصدفة. لقد كان نهاية طبيعية لمسار بدأ منذ سنوات طويلة، حين قررت إسبانيا أن تستثمر في الإنسان قبل النتيجة، وفي المدرسة قبل البطولة، وفي الهوية قبل الأسماء. لذلك لم يهتز المنتخب برحيل جيل تشافي وإنييستا وبوسكيتس، لأن المنظومة بقيت، واستمرت في إنتاج المواهب بنفس الفلسفة ونفس الأسلوب.
وفي قلب هذا الإنجاز يبرز اسم لامين يامال، اللاعب الذي تعود جذور والده إلى مدينة العرائش المغربية. من حق أبناء المدينة، ومن حق المغاربة جميعا، أن يشعروا بالفخر وهم يرون اسما يمتلك هذه الأصول يعتلي قمة كرة القدم العالمية. لكن من واجبنا أيضا أن نعترف بالحقيقة كاملة: لامين يامال موهبة مغربية الجذور… لكنه صناعة إسبانية في التكوين.
لم تصنعه الصدفة، ولم يصنعه الإرث العائلي وحده، بل صنعته أكاديمية، ومدربون، وبنية رياضية، وفلسفة لعب، ومسابقات للفئات السنية، وثقافة كروية تعرف كيف تحول الموهبة الخام إلى لاعب عالمي.
وهنا يكمن الدرس الذي ينبغي أن يصل إلى المغرب. فبلدنا لا يعاني من نقص في المواهب، بل يعاني في كثير من الأحيان من غياب منظومة قادرة على اكتشافها وصقلها وحمايتها. وإذا أردنا أن نرى أبطالا يرفعون الراية المغربية من داخل المنتخب الوطني، فعلينا أن نستثمر في مراكز التكوين، وفي الأكاديميات، وفي المدربين، وفي هوية كروية واضحة، تماما كما فعلت إسبانيا.
إن الفخر بأصول لامين يامال جميل، لكنه لا يجب أن يتحول إلى وهم بأن الجذور وحدها تصنع الإنجازات. فالمنتخبات لا تفوز بالذكريات، بل بالمشاريع. والكؤوس لا تُرفع بالعاطفة، بل بالتخطيط.
لقد رفعت إسبانيا كأس العالم لأنها آمنت بأن الاستثمار في التكوين هو الطريق الأقصر إلى المجد. أما المغرب، فإذا أراد أن يكرر المشهد، فلا يكفي أن يفرح بنجوم يحملون جذوره، بل عليه أن يصنع نجومه داخل حدوده.
فالعرائش أنجبت الجذور… وإسبانيا صنعت البطل. وبين الجذور والتكوين، وُلد بطلٌ للعالم.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.