بوشعيب حمراوي: “إنقاذ الديمقراطية يبدأ بإنقاذ ثقة المواطن… ومأساة سبتة جرس إنذار لا يجوز تجاهله”

0

بوشعيب حمراوي: “إنقاذ الديمقراطية يبدأ بإنقاذ ثقة المواطن… ومأساة سبتة جرس إنذار لا يجوز تجاهله”
دردشة مع ياسمين الحاج 2026/8/4
تواصل الإعلامية ياسمين الحاج فتح نوافذ الحوار مع نخبة من المفكرين والإعلاميين والفاعلين في الشأن العام، إيمانًا بأن النقاش الجاد والمسؤول يشكل ركيزة أساسية لترسيخ الوعي وتعزيز ثقافة المشاركة في القضايا الوطنية.
وفي هذه الحلقة، نستضيف الصحفي والكاتب والباحث بوشعيب حمراوي، الذي يقدم قراءة شاملة لرهانات الاستحقاقات التشريعية المقبلة، ويحلل واقع المشهد السياسي المغربي، وأداء المؤسسة التشريعية، وأولويات البرلمان القادم، كما يتوقف عند السبل الكفيلة باستعادة ثقة المواطن في العمل السياسي وترسيخ الممارسة الديمقراطية.
أولا : بدايةً، نرحب بكم في زاوية “دردشة مع ياسمين الحاج” حبذا لو تعرفون القراء بشخصكم الكريم، وتحدثوننا عن أبرز محطات مساركم المهني والسياسي، والدوافع التي قادتكم إلى الانخراط في العمل العام، وكيف تنظرون اليوم إلى مسؤولية الفاعل السياسي في ظل الاستحقاقات التشريعية المقبلة والتحديات التي يواجهها المغرب؟
أشكرك على هذه الاستضافة الكريمة، ويسعدني أن ألتقي بقراء جريدتك من خلال هذا الحوار الذي يتناول قضية تهم كل المغاربة، وهي الاستحقاقات التشريعية المقبلة وما يرتبط بها من رهانات سياسية وديمقراطية.
أنا بوشعيب حمراوي، أستاذ سابق لمادة الرياضيات بالتعليم الثانوي التأهيلي، وكاتب وصحفي وباحث في قضايا التربية والمواطنة والهوية الوطنية والوحدة الترابية. ولدت بمدينة بنسليمان سنة 1965، وتلقيت تكويني بالمركز الجهوي لأساتذة التعليم الثانوي الإعدادي ثم بالمدرسة العليا للأساتذة شعبة الرياضيات، قبل أن أمارس مهنة التدريس لعدة عقود. وأستطيع القول إن الثانوية كانت أول فضاء تعلمت فيه معنى المسؤولية، لأن تدريس الرياضيات لا يقتصر على نقل المعارف، بل يرسخ قيم التفكير المنطقي، واحترام الدليل، والانضباط، والبحث عن الحلول، وهي القيم نفسها التي أؤمن بأنها يجب أن تؤطر تدبير الشأن العام.
وبموازاة العمل التربوي، خضت تجارب صحفية امتدت لحوالي ثلاثة عقود اشتغلت خلالها بعدد من الصحف الوطنية والعربية والدولية، وما زلت أواصل الكتابة الصحفية وكتابة الرأي في منابر متعددة وكنية ودولية، كما تحملت مسؤوليات مهنية وإعلامية، من بينها إدارة مؤسسات صحفية،. مدير نشر الجريدة الورقية البديل الصحفي سابقا، ومدير موقع بديل بريس ورئيس المركز الدولي البديل للصحافة والإعلام حاليا، كما كانت ولازالت لدي مساهمات في العمل النقابي والمهني، عضو قيادي حاليا بالجامعة الوطنية للصحافة والاعلام. إلى جانب حضوري في عدد من الندوات واللقاءات الوطنية والدولية، والإذاعية والتلفزية، التي تناولت قضايا التربية والإعلام والسياسة والوحدة الترابية.
كما انخرطت في العمل الفكري والثقافي من خلال تأليف عدد من الكتب في مجالات التربية والسياسة والهوية الوطنية والرياضة وقصص الاطفال التاريخية وإطلاق مبادرات تربوية، من أبرزها مشروع “الدبلوماسية التلاميذية والطلابية”، وأحداث اندية سفراء الوحدة الترابية داخل الثانويات بشراكة مع أكاديمية التربية والتكوين بجهة الدار البيضاء سطات. إيمانًا مني بأن الدفاع عن الوطن لا يقتصر على المؤسسات الرسمية، بل يبدأ من المدرسة، ومن بناء وعي الأجيال الصاعدة بقضايا وطنها وتاريخها ومؤسساته.
أما فيما يتعلق بالعمل السياسي، فأنا ليس لدي انتماء حزبي. اخترت أن أكون فاعلًا في الشأن العام من موقع الكاتب والصحفي والباحث والفاعل المدني، لأنني مقتنع بأن خدمة الوطن لا تقتصر على العمل الحزبي، وإنما تشمل أيضًا الكلمة المسؤولة، والفكر الجاد، والمبادرات المواطنة التي تسهم في ترسيخ الوعي، وتعزيز قيم الحوار، والدفاع عن الثوابت الوطنية.
واليوم، ونحن على أبواب انتخابات تشريعية جديدة، أرى أن مسؤولية الفاعل السياسي أصبحت مضاعفة، لأن المغرب يعيش مرحلة دقيقة وحاسمة، تتسم باستمرار الأوراش الإصلاحية الكبرى، وبمواجهة تحديات اقتصادية واجتماعية وإقليمية ودولية متسارعة. لذلك فإن المرحلة تحتاج إلى نخب سياسية تمتلك الكفاءة والنزاهة والرؤية، وتضع المصلحة العليا للوطن فوق كل اعتبار، وتؤمن بأن السياسة ليست وسيلة لبلوغ المواقع، وإنما مسؤولية لخدمة المواطن، وصيانة الثقة في المؤسسات، والمساهمة في ترسيخ دولة الحق والقانون وربط المسؤولية بالمحاسبة.
وأعتقد أن نجاح الاستحقاقات المقبلة لن يقاس فقط بنسبة المشاركة أو بعدد المقاعد التي ستفوز بها الأحزاب، بل بمدى قدرتها على إفراز مؤسسات قوية، ونخب قادرة على الإنصات للمواطن، وتحويل انتظاراته إلى سياسات عمومية ناجعة، لأن الديمقراطية الحقيقية لا تُختزل في يوم الاقتراع، وإنما تتجسد في حسن تدبير المرحلة التي تليه

ثانيا : كيف تنظرون إلى أهمية الانتخابات التشريعية المقبلة في ترسيخ المسار الديمقراطي، وما أبرز الرهانات التي تميزها عن الاستحقاقات السابقة؟
لا يمكن النظر إلى الانتخابات التشريعية المقبلة باعتبارها مجرد استحقاق دستوري يتجدد كل خمس سنوات، أو مناسبة لاختيار أعضاء مجلس النواب، بل إنها محطة سياسية ووطنية مفصلية تأتي في سياق داخلي وإقليمي ودولي يفرض على المغرب الارتقاء بجودة مؤسساته المنتخبة، وتعزيز فعالية أدائه الديمقراطي، وربط المسؤولية بالمحاسبة، بما ينسجم مع التوجيهات الملكية الرامية إلى بناء دولة المؤسسات وترسيخ النموذج التنموي الجديد.
وإذا كانت جميع الانتخابات تشكل ركيزة أساسية في بناء الديمقراطية، فإن استحقاقات 2026 تكتسي أهمية استثنائية لأنها ستفرز برلماناً وحكومة سيقع على عاتقهما تدبير مرحلة دقيقة من تاريخ المملكة، عنوانها استكمال الأوراش الإصلاحية الكبرى، وفي مقدمتها تعزيز الدولة الاجتماعية، وإنجاح ورش الحماية الاجتماعية، ومواجهة التحديات الاقتصادية والمائية والغذائية والرقمية، فضلاً عن مواكبة الاستعدادات الوطنية للاستحقاقات الدولية والقارية التي يحتضنها المغرب خلال السنوات المقبلة، وفي مقدمتها كأس العالم 2030 الذي سينظمه المغرب بشراكة مع إسبانيا والبرتغال، وما يفرضه ذلك من تعبئة شاملة على مستوى البنيات التحتية، والنقل، والسياحة، والخدمات، والرقمنة، وتعزيز الجاذبية الترابية، إلى جانب احتضان المملكة لعدد من التظاهرات الرياضية الإفريقية والدولية التي تعكس مكانتها المتنامية كوجهة رياضية وتنظيمية موثوقة.
كما أن هذه الانتخابات تأتي في ظل التحولات التي يعرفها ملف الصحراء المغربية، بعد المكاسب الدبلوماسية المتتالية التي حققتها المملكة، وما أفرزه القرار الأممي 2797 من دينامية سياسية جديدة عززت مكانة مبادرة الحكم الذاتي باعتبارها الإطار الأكثر جدية وواقعية ومصداقية للتوصل إلى حل سياسي لهذا النزاع الإقليمي. وهذا المعطى يضع البرلمان المقبل أمام مسؤولية تاريخية تتمثل في مواصلة استكمال ورش الجهوية المتقدمة، والاستعداد التشريعي والمؤسساتي لمواكبة أي تطورات مستقبلية قد تعرفها القضية الوطنية، من خلال مراجعة وتأهيل المنظومة القانونية والمؤسساتية بما يخدم الوحدة الترابية للمملكة ويكرس الحكامة الترابية المتقدمة في إطار السيادة المغربية.
ومن هنا، فإن الرهان الحقيقي لهذه الانتخابات لا يكمن فقط في نسبة المشاركة أو عدد المقاعد التي ستحصل عليها الأحزاب، وإنما في قدرتها على إفراز نخب سياسية تمتلك الكفاءة والنزاهة والرؤية الاستراتيجية، وتكون قادرة على ممارسة التشريع والرقابة وتقييم السياسات العمومية بكفاءة، بعيداً عن الحسابات الضيقة أو منطق التدبير الانتخابي الموسمي.
لقد أثبتت التجارب السابقة أن قوة البرلمان لا تقاس بعدد القوانين التي يصادق عليها، وإنما بجودة التشريع، وفعالية الرقابة، وقدرته على مواكبة التحولات الوطنية والدولية، والدفاع عن المصالح العليا للوطن، والتفاعل معظ انتظارات المواطنين. كما أن قوة البرلمان تظل رهينة بقوة الأحزاب السياسية، لأن الأحزاب هي المدرسة التي تصنع النخب، وإذا ضعفت الأحزاب أو تراجع أداؤها، انعكس ذلك مباشرة على أداء المؤسسة التشريعية وعلى جودة الحياة السياسية برمتها.
لذلك، فإن نجاح هذه الانتخابات ينبغي أن يقاس بمدى قدرتها على إعادة الاعتبار للعمل السياسي، وتجديد النخب، وتعزيز ثقة المواطنين في المؤسسات المنتخبة، وإفراز برلمان في مستوى التحديات الكبرى التي تنتظر المغرب خلال السنوات المقبلة، لأن بناء الديمقراطية لا يتحقق بتنظيم الانتخابات فقط، وإنما بإنتاج مؤسسات قوية، وأحزاب مسؤولة، ونخب كفؤة، ومواطنين واعين يمارسون حقهم الدستوري في الاختيار على أساس الكفاءة والبرامج والمصلحة الوطنية.
ثالثا: كيف تقيمون واقع المشهد السياسي المغربي اليوم، وهل ترون أنه مهيأ لإفراز نخب قادرة على الاستجابة لانتظارات المواطنات والمواطنين؟
يصعب إصدار حكم مطلق على المشهد السياسي المغربي، لأنه يعرف، كغيره من الأنظمة الديمقراطية، جوانب قوة وأخرى تستوجب المراجعة والإصلاح. فمن جهة، راكم المغرب تجربة سياسية ودستورية مهمة، ونجح في ترسيخ التعددية الحزبية واستمرارية المؤسسات، والحفاظ على الاستقرار في محيط إقليمي مضطرب. ومن جهة أخرى، لا تزال الممارسة السياسية تعاني اختلالات تحد من قدرتها على إنتاج نخب قادرة على مواكبة التحولات الكبرى التي تعرفها البلاد.
إن الإشكال في تقديري لا يكمن في كثرة الأحزاب أو في وفرة النصوص القانونية، وإنما في ضعف التأطير السياسي، وتراجع الأداء الحزبي، وغياب التنافس الحقيقي حول المشاريع المجتمعية والبرامج القابلة للتنفيذ. فقد أصبحت بعض الأحزاب تنشط بقوة خلال المواسم الانتخابية، ثم يخفت حضورها في التأطير والتواصل مع المواطنين، وهو ما ساهم في اتساع الهوة بين المجتمع والعمل السياسي، وأضعف الثقة في المؤسسات المنتخبة.
لقد كنت دائماً أردد أن قوة البرلمان من قوة الأحزاب، وقوة الأحزاب من قوة النخب التي تفرزها. فإذا لم تنجح الأحزاب في استقطاب الكفاءات، وتأهيل الأطر، وفتح المجال أمام الطاقات الشابة والنساء وأصحاب الخبرة، فمن الطبيعي أن ينعكس ذلك على جودة التشريع، وفعالية الرقابة، ومستوى النقاش العمومي داخل المؤسسة التشريعية.
واليوم، يعيش المغرب مرحلة دقيقة تتطلب نخباً تمتلك رؤية استراتيجية، وتستوعب التحولات الاقتصادية والاجتماعية والرقمية والبيئية، كما تدرك حجم الرهانات الوطنية الكبرى، وفي مقدمتها استكمال ورش الدولة الاجتماعية، وإنجاح النموذج التنموي، وترسيخ الجهوية المتقدمة، والاستعداد للمراحل المقبلة التي قد تفرضها التطورات التي تعرفها قضية الصحراء المغربية، وما قد يستتبعها من أوراش دستورية وتشريعية ومؤسساتية. وهذه الملفات لا يمكن تدبيرها بمنطق التدافع السياسي الضيق أو الحسابات الانتخابية، بل تحتاج إلى كفاءات قادرة على التشريع والتخطيط والاستشراف.
ولا ينبغي أن نحمل الأحزاب وحدها مسؤولية هذا الواقع، فالمشهد السياسي هو نتاج تفاعل عدة فاعلين، من مؤسسات، وإعلام، ومدرسة، وجامعات، ومجتمع مدني، ونخب فكرية واقتصادية. لذلك فإن تجديد الحياة السياسية يقتضي إعادة الاعتبار للعمل الحزبي الجاد، وربط المسؤولية بالكفاءة، وتوسيع فضاءات النقاش العمومي، وتشجيع انخراط الكفاءات الوطنية في الحياة السياسية بدل بقائها على الهامش.
ورغم هذه الملاحظات، فإنني أعتقد أن المغرب يتوفر على كفاءات بشرية كبيرة داخل الوطن وخارجه، غير أن التحدي الحقيقي يتمثل في قدرة الأحزاب على استقطابها، ومنحها المكانة التي تستحقها، بعيداً عن منطق الولاءات والاعتبارات الانتخابية الضيقة. فالمستقبل لن يصنعه عدد الأحزاب، وإنما جودة النخب التي ستقود المؤسسات، وقدرتها على جعل السياسة وسيلة لخدمة الوطن والمواطن، لا مجرد وسيلة للوصول إلى المواقع والمسؤوليات.
لذلك فإن الاستحقاقات المقبلة تمثل فرصة حقيقية لإعادة ترتيب المشهد السياسي على أساس الكفاءة والمصداقية وربط المسؤولية بالمحاسبة، حتى تستعيد الأحزاب دورها الطبيعي كمدارس لتكوين النخب، وتستعيد السياسة معناها النبيل باعتبارها أداة للإصلاح وصناعة المستقبل. رابعا : كيف تقيمون أداء المؤسسة التشريعية خلال الولاية الحالية؟ وهل نجحت في الاضطلاع بأدوارها التشريعية والرقابية والاستجابة لتطلعات المواطنين؟
يصعب إصدار حكم بالإيجاب أو السلب على أداء المؤسسة التشريعية خلال الولاية الحالية، لأن حصيلة أي برلمان ينبغي أن تقاس بمدى نجاحه في ممارسة وظائفه الدستورية الثلاث: التشريع، والرقابة، وتقييم السياسات العمومية، ومدى انعكاس ذلك على حياة المواطنين. وإذا كان البرلمان قد تمكن من المصادقة على عدد من القوانين ذات الأهمية، ومواكبة عدد من الأوراش الإصلاحية الكبرى التي أطلقتها الدولة، فإن ذلك لا يمنع من تسجيل عدد من الملاحظات التي تستحق الوقوف عندها بكل موضوعية.
لقد أبانت التجربة البرلمانية الحالية عن دينامية تشريعية مهمة في بعض المجالات، خاصة تلك المرتبطة بتنزيل الأوراش الاجتماعية والإصلاحات الاقتصادية والمؤسساتية، غير أن المواطن لا يقيس أداء البرلمان بعدد النصوص القانونية التي يصادق عليها، وإنما بمدى تأثيرها الإيجابي على واقعه اليومي، وبقدرته على الإحساس بأن المؤسسة التشريعية تدافع عن مصالحه، وتراقب أداء الحكومة، وتسائلها حول السياسات العمومية التي تمس حياته بشكل مباشر.
أما على المستوى الرقابي، فما زال الرأي العام ينتظر من البرلمان أداء أكثر قوة وفعالية، يجعل من الرقابة البرلمانية آلية حقيقية لتحسين الأداء الحكومي، وليس مجرد ممارسة شكلية تفرضها المساطر الدستورية. فالديمقراطية لا تقوى بالأغلبية وحدها، وإنما أيضاً بمعارضة قوية ومسؤولة، ونقاش عمومي رصين، ولجان برلمانية تمارس اختصاصاتها بكل استقلالية وجرأة، وتضع المصلحة العامة فوق كل اعتبار.
وفي تقديري، فإن أحد أبرز التحديات التي واجهت المؤسسة التشريعية هو استمرار ضعف المبادرة التشريعية لدى عدد من البرلمانيين، مقابل الحضور القوي للمشاريع الحكومية. صحيح أن الدستور منح البرلمان اختصاصات واسعة، لكن تفعيلها يظل رهيناً بوجود كفاءات تمتلك الخبرة القانونية والسياسية، وقادرة على إعداد مقترحات قوانين ذات جودة، وممارسة الرقابة بكفاءة، وتقييم السياسات العمومية وفق معايير علمية وموضوعية.
كما أن البرلمان الحالي كان مطالباً، إلى جانب وظائفه التقليدية، بمواكبة التحولات الكبرى التي تعرفها المملكة، سواء في مجال ترسيخ الدولة الاجتماعية، أو مواصلة تنزيل الجهوية المتقدمة، أو مواكبة الأوراش الاستراتيجية المرتبطة بتعزيز مكانة المغرب قارياً ودولياً. واليوم، ومع التطورات التي يعرفها ملف الصحراء المغربية، تزداد الحاجة إلى مؤسسة تشريعية تمتلك رؤية استشرافية، وتبدأ منذ الآن في التفكير في تأهيل المنظومة القانونية والمؤسساتية، حتى تكون بلادنا مستعدة لمواكبة أي تطور إيجابي قد يشهده هذا الملف، في إطار الوحدة الترابية والسيادة الوطنية.
وأعتقد أن التقييم الحقيقي لأي برلمان لا ينبغي أن ينطلق من منطق الأغلبية أو المعارضة، ولا من الانتماءات الحزبية، وإنما من احترامه للمؤسسة البرلمانية بالحضور والمشاركة والتمثيلية الحقة للمواطنين. وكذا من مدى نجاحه في تجسيد الإرادة الشعبية، والدفاع عن المصلحة العامة، والارتقاء بجودة التشريع، وتعزيز الرقابة، وتقريب المؤسسة التشريعية من المواطنين. فكلما كان البرلمان أكثر حضوراً في قضايا المجتمع، وأكثر جرأة في النقاش، وأكثر انفتاحاً على الخبرات والكفاءات الوطنية، ازدادت ثقة المواطنين في العمل البرلماني، وتعززت مكانة المؤسسة التشريعية باعتبارها إحدى الركائز الأساسية للديمقراطية الدستورية.
ويبقى الدرس الأهم الذي ينبغي استخلاصه من هذه التجربة هو أن إصلاح المؤسسة التشريعية لا ينفصل عن إصلاح المشهد الحزبي برمته. فالبرلمان هو مرآة للحياة السياسية، وجودة أدائه تظل مرتبطة بجودة النخب التي تفرزها الأحزاب، وبمدى قدرتها على تقديم كفاءات تمتلك المعرفة، والنزاهة، والاستقلالية، وروح المسؤولية، لأن الرهانات التي تنتظر المغرب خلال المرحلة المقبلة تتطلب برلماناً لا يكتفي بمواكبة الأحداث، بل يساهم في صناعتها واستشراف مستقبلها.
خامسا : برأيكم، ما أبرز الأولويات التي ينبغي أن يضعها البرلمان المقبل في صدارة اهتماماته؟
أعتقد أن البرلمان المقبل لن يكون أمام ولاية تشريعية عادية، بل أمام مرحلة استثنائية تفرض عليه الارتقاء بأدائه إلى مستوى التحولات الكبرى التي يعرفها المغرب. فالأولوية اليوم لم تعد تقتصر على سن القوانين أو مناقشة مشاريعها، وإنما أصبحت تتعلق ببناء منظومة تشريعية ومؤسساتية قادرة على مواكبة مشروع الدولة المغربية في أبعاده الاقتصادية والاجتماعية والترابية والاستراتيجية.
وفي مقدمة هذه الأولويات، يأتي استكمال بناء الدولة الاجتماعية، من خلال تطوير المنظومة الصحية، وإصلاح المدرسة العمومية، وتعزيز الحماية الاجتماعية، وإيجاد حلول مستدامة لإشكالات التشغيل والقدرة الشرائية، وتقليص الفوارق المجالية والاجتماعية. فنجاح أي مشروع ديمقراطي يظل رهيناً بقدرته على تحسين جودة حياة المواطنين وترسيخ العدالة الاجتماعية.
كما أن البرلمان المقبل سيكون مطالباً بمواصلة مواكبة الأوراش الاستراتيجية الكبرى التي انخرط فيها المغرب، وفي مقدمتها الاستعداد لاحتضان كأس العالم 2030، وما يرتبط به من تحديث للبنيات التحتية، وتطوير منظومة النقل، وتأهيل المدن، وتسريع التحول الرقمي، وتحسين مناخ الاستثمار، لأن هذه الأوراش لا ينبغي أن ينظر إليها باعتبارها مشاريع ظرفية، بل باعتبارها فرصة تاريخية لتسريع وتيرة التنمية وتعزيز تنافسية الاقتصاد الوطني.
غير أن الأولوية التي أراها ذات بعد استراتيجي، والتي قد تطبع عمل البرلمان خلال السنوات المقبلة، تتمثل في مواكبة المرحلة الجديدة التي تعرفها قضية الصحراء المغربية. فالمكاسب الدبلوماسية التي حققتها المملكة، وما أفرزه القرار الأممي 2797 من تطور في التعاطي مع مبادرة الحكم الذاتي، يفرضان على المغرب الانتقال من مرحلة الدفاع عن المبادرة إلى مرحلة الاستعداد العملي والمؤسساتي لتنزيلها، متى توفرت الشروط السياسية والقانونية لذلك.
ومن هذا المنطلق، يصبح البرلمان مطالباً بالإسراع في استكمال ورش الجهوية المتقدمة، ليس باعتبارها خياراً تنموياً فقط، وإنما باعتبارها الإطار المؤسساتي الذي يؤسس لتوسيع اختصاصات الجهات وتعزيز الحكامة الترابية، ويهيئ البيئة القانونية والإدارية اللازمة لإنجاح أي تطور مستقبلي في إطار مبادرة الحكم الذاتي تحت السيادة المغربية.
كما سيكون من الضروري الشروع، منذ الآن، في تقييم المنظومة التشريعية القائمة، واستشراف التعديلات التي قد تستوجبها المرحلة المقبلة، سواء تعلق الأمر بمراجعة بعض المقتضيات الدستورية إذا اقتضى الأمر ذلك، أو بتحيين القوانين التنظيمية المتعلقة بالجهات، والجماعات الترابية، والبرلمان، والحكومة، والإدارة الترابية، والمالية العمومية، وباقي النصوص التي تنظم توزيع الاختصاصات بين الدولة والهيئات الترابية. فالدول الناجحة هي التي تستعد للتحولات قبل وقوعها، ولا تنتظر اكتمالها حتى تبدأ التفكير في أدوات تنزيلها.
ولا يقل عن ذلك أهمية إطلاق ورش وطني واسع للتعريف بمبادرة الحكم الذاتي، وشرح مضامينها الدستورية والسياسية والتنموية، حتى يتحول هذا المشروع من ملف تتداوله المؤسسات والدبلوماسية إلى مشروع مجتمعي يشارك في فهمه والدفاع عنه المواطن، والجامعة، والمدرسة، والإعلام، والأحزاب، وهيئات المجتمع المدني. فالتعبئة الوطنية الواعية تشكل أحد أهم عناصر نجاح أي مشروع استراتيجي.
ومن الأولويات كذلك الارتقاء بجودة التشريع، من خلال تعزيز الدراسات القبلية لمشاريع القوانين، والاستماع إلى الخبراء والجامعات ومراكز البحث، وإخضاع النصوص القانونية لتقييم دوري يقيس أثرها الاقتصادي والاجتماعي، حتى لا تتحول العملية التشريعية إلى مجرد إنتاج كمي للقوانين، بل إلى صناعة تشريعية تستجيب لحاجيات المجتمع وتواكب سرعة التحولات.
كما ينبغي للبرلمان المقبل أن يمنح عناية خاصة للدبلوماسية البرلمانية، باعتبارها إحدى أدوات الدفاع عن المصالح العليا للمملكة، وفي مقدمتها قضية الصحراء المغربية، وذلك من خلال توسيع حضور البرلمانيين المغاربة داخل المحافل الدولية، وتعزيز التواصل مع البرلمانات الوطنية والإقليمية، وتقديم صورة حقيقية عن التجربة الديمقراطية والتنموية التي راكمها المغرب.
وفي اعتقادي، فإن نجاح البرلمان المقبل لن يقاس فقط بعدد القوانين التي سيصادق عليها، وإنما بقدرته على استشراف المستقبل، وتأهيل الدولة لمواجهة تحدياته، وإفراز تشريعات تؤسس لمغرب أكثر عدالة، وأكثر تنافسية، وأكثر ديمقراطية، وأكثر جاهزية لمواصلة الدفاع عن وحدته الترابية، وتحويل مكاسبه الدبلوماسية إلى مكاسب دستورية ومؤسساتية وتنموية مستدامة.
السؤال السادس: كيف يمكن استعادة ثقة المواطن في العمل السياسي وتشجيعه على المشاركة الفاعلة في الانتخابات؟
إن استعادة ثقة المواطن في العمل السياسي لا تتحقق بحملات دعائية ظرفية تسبق الانتخابات، ولا بخطابات عاطفية تدعو إلى المشاركة، وإنما تبدأ بإصلاح الممارسة السياسية نفسها. فالثقة لا تُطلب من المواطن، بل تُكتسب من خلال الصدق في الالتزام، واحترام الوعود، وربط المسؤولية بالمحاسبة، وإثبات أن المؤسسات المنتخبة قادرة فعلاً على تحسين حياة الناس والدفاع عن مصالحهم.
لقد أصبح المواطن المغربي أكثر وعياً وأكثر قدرة على التمييز بين الخطاب والممارسة، ولم يعد يقبل بالشعارات العامة أو الوعود غير القابلة للتنفيذ. لذلك فإن أول مدخل لاستعادة الثقة هو أن تقدم الأحزاب برامج واقعية وقابلة للقياس، وأن تختار مرشحين يتمتعون بالكفاءة والنزاهة والاستقامة، ويظلون قريبين من المواطنين قبل الانتخابات وبعدها، لا أن ينقطع التواصل معهم بمجرد انتهاء الحملة الانتخابية.
كما أن الأحزاب مطالبة باستعادة دورها الحقيقي في التأطير السياسي والتكوين المستمر، لأن الحزب ليس آلة انتخابية تشتغل كل خمس سنوات، بل مؤسسة تؤطر المواطنين، وتكون النخب، وتنتج الأفكار والبدائل. وكلما استعادت الأحزاب هذه الوظيفة التأطيرية، عاد المواطن إلى الاهتمام بالشأن العام، وأصبح أكثر استعداداً للمشاركة في صناعة القرار.
ومن جهة أخرى، فإن البرلمان والحكومة مطالبان بإعطاء المثال في الحكامة الجيدة والشفافية، من خلال الرفع من جودة التشريع، وتعزيز الرقابة، وتقييم السياسات العمومية، وإشراك المواطنين في النقاش حول القضايا الكبرى. فحين يشعر المواطن بأن صوته ينعكس على القرارات والسياسات، تتحول المشاركة الانتخابية من واجب شكلي إلى ممارسة ديمقراطية ذات أثر حقيقي.
ولا يمكن إغفال الدور المحوري للتربية على المواطنة داخل المدرسة والجامعة، ولوسائل الإعلام، والمجتمع المدني، في نشر الثقافة الديمقراطية وترسيخ قيم المشاركة والمسؤولية. فالعزوف عن السياسة لا يعالج فقط يوم الاقتراع، وإنما يعالج عبر بناء وعي جماعي يعتبر المشاركة حقاً وواجباً، ويجعل من الانتخابات وسيلة لاختيار الكفاءات ومحاسبة المقصرين.
كما أن المرحلة التي يمر بها المغرب اليوم تفرض تعبئة وطنية واسعة حول القضايا الاستراتيجية الكبرى، وفي مقدمتها مواصلة بناء الدولة الاجتماعية، وإنجاح الجهوية المتقدمة، والدفاع عن الوحدة الترابية، والاستعداد للمراحل المقبلة التي قد تعرفها قضية الصحراء المغربية. فعندما يدرك المواطن أن البرلمان الذي سينتخبه ستكون له مسؤولية مباشرة في إعداد التشريعات والمؤسسات التي ستواكب هذه الأوراش المصيرية، سيزداد اقتناعاً بأن صوته ليس مجرد ورقة توضع في صندوق الاقتراع، بل مساهمة في رسم مستقبل الوطن.
وفي تقديري، فإن أفضل وسيلة لاستعادة الثقة هي أن يلمس المواطن نتائج اختياره على أرض الواقع. فإذا رأى منتخبين يحضرون، ويشرعون، ويراقبون، ويتواصلون مع المواطنين، ويضعون المصلحة العامة فوق المصالح الشخصية والحزبية، فإن الثقة ستعود تدريجياً، وسترتفع نسبة المشاركة تلقائياً، لأن الديمقراطية تتغذى من المصداقية أكثر مما تتغذى من الشعارات.
إن بناء الثقة مسؤولية مشتركة بين الدولة، والأحزاب، والمؤسسات المنتخبة، والإعلام، والمجتمع المدني، والمواطن نفسه. فكل طرف مطالب بأداء دوره، حتى تصبح الانتخابات محطة لتجديد المشروع الديمقراطي، لا مجرد استحقاق دوري ينتهي بانتهاء عملية الاقتراع
سادسا : كيف يمكن استعادة ثقة المواطن في العمل السياسي وتشجيعه على المشاركة الفاعلة في الانتخابات؟
استعادة ثقة المواطن في العمل السياسي لا يمكن أن تتحقق بخطابات موسمية تسبق الانتخابات بأيام أو أسابيع، ولا بحملات تواصلية تحاول إقناعه بأن كل شيء على ما يرام، وإنما تبدأ أولًا بالاعتراف بأن هناك أزمة ثقة حقيقية تراكمت عبر سنوات، وأن جزءًا مهمًا من المواطنين لم يعد يرى في السياسة وفي المؤسسات المنتخبة الوسيلة القادرة على تغيير واقعه والاستجابة لانتظاراته. وهذه أزمة ينبغي التعامل معها بجدية، لأن أخطر ما يمكن أن يصيب أي تجربة ديمقراطية هو أن يفقد المواطن ثقته في جدوى المشاركة نفسها.وأعتقد أن المسؤولية الأولى تقع على الأحزاب السياسية، التي عليها أن تستعيد وظائفها الأصلية في التأطير والتكوين وإنتاج النخب والبرامج، وأن تفتح أبوابها أمام الكفاءات والشباب والنساء، بدل أن تتحول الانتخابات إلى موسم للبحث عن أصحاب المال أو النفوذ أو الأعيان القادرين على حصد الأصوات. كما أن الثقة تحتاج إلى منتخب قريب من المواطنين قبل الانتخابات وبعدها، وإلى مسؤول سياسي يحترم وعوده، ويقبل المحاسبة، ولا يعتبر الحصول على المقعد نهاية علاقته بالناخبين.
كما ينبغي أن يشعر المواطن بأن صوته له قيمة فعلية، وأن المنافسة الانتخابية نزيهة، وأن القانون يطبق على الجميع دون استثناء، وأن شراء الأصوات واستغلال النفوذ واستعمال المال أو الإمكانات غير المشروعة ليست ممارسات يمكن التساهل معها.
وفي المقابل، للمواطن نفسه مسؤولية. فانتقاد الأحزاب والمرشحين والمؤسسات حق مشروع، لكن ترك صناديق الاقتراع للآخرين لن ينتج بالضرورة المؤسسات التي نريدها. المشاركة الواعية هي إحدى وسائل التغيير، والتصويت ينبغي أن يكون اختيارًا للأصلح والأكفأ والأكثر نزاهة، وليس استجابة للقرابة أو الصداقة أو المصلحة الشخصية أو المقابل المادي.
سابعا : تعرف مشاركة المرأة المغربية تطورًا ملحوظًا في الحياة السياسية. هل ترون أنها استطاعت فرض حضورها داخل المشهد السياسي والتشريعي، أم أنها لا تزال تواجه تحديات تحد من وصولها إلى مواقع القرار؟ وما السبل الكفيلة بتعزيز حضورها؟
لا شك أن المرأة المغربية حققت خلال العقود الأخيرة مكاسب مهمة في مجال المشاركة السياسية، سواء على مستوى التمثيلية البرلمانية، أو داخل الجماعات الترابية، أو في تقلد مناصب المسؤولية الحكومية والإدارية. وهذه المكاسب لم تكن وليدة الصدفة، بل جاءت نتيجة الإصلاحات الدستورية والقانونية التي عرفها المغرب، والإرادة السياسية الداعمة لتعزيز مكانة المرأة، إلى جانب النضال الذي خاضته الحركة النسائية والقوى الديمقراطية من أجل تكريس مبدأ المساواة وتكافؤ الفرص.
ومع ذلك، فإن تقييم مشاركة المرأة ينبغي ألا يقتصر على عدد المقاعد التي تشغلها داخل المؤسسات المنتخبة، وإنما على مدى تأثيرها في صناعة القرار، وجودة مساهمتها في التشريع والرقابة وتقييم السياسات العمومية. فالتمثيلية الرقمية تظل مهمة، لكنها لا تحقق أهدافها إذا لم تقترن بحضور نوعي قائم على الكفاءة، والاستقلالية، والقدرة على المبادرة والاقتراح.
ولا تزال المرأة تواجه عدداً من التحديات التي تحد من وصولها إلى مواقع القرار، من بينها استمرار بعض العقليات التقليدية، وضعف الديمقراطية الداخلية داخل عدد من الأحزاب، إضافة إلى محدودية فرص التأطير والتكوين السياسي، وهي عوامل تجعل العديد من الكفاءات النسائية لا تجد المكانة التي تستحقها داخل هياكل الأحزاب أو في لوائح الترشيح.
وفي تقديري، فإن تعزيز حضور المرأة لا ينبغي أن يكون مجرد استجابة لاعتبارات قانونية أو إحصائية، بل يجب أن ينطلق من الإيمان بأن المغرب لا يمكن أن يحقق تنميته الشاملة دون الاستفادة من جميع كفاءاته، رجالاً ونساءً. فالمرأة المغربية أثبتت نجاحها في مجالات القضاء، والتعليم، والطب، والهندسة، والاقتصاد، والإدارة، والبحث العلمي، وهي قادرة بالقدر نفسه على الإسهام في العمل التشريعي وصنع السياسات العمومية متى أتيحت لها الفرصة في إطار المنافسة الشريفة وتكافؤ الفرص.
كما أن المرحلة المقبلة، بما تحمله من رهانات وطنية كبرى، سواء ما يتعلق باستكمال ورش الدولة الاجتماعية، أو تنزيل الجهوية المتقدمة، أو مواكبة التحولات المرتبطة بقضية الصحراء المغربية، تتطلب تعبئة جميع الطاقات الوطنية دون تمييز. فبناء المؤسسات القوية لا يتحقق بإقصاء نصف المجتمع، وإنما بإشراك كل الكفاءات القادرة على العطاء والإبداع وخدمة المصلحة العامة.
ولتحقيق ذلك، أرى أن الأحزاب مطالبة أولاً بإصلاح آلياتها الداخلية، واعتماد معايير واضحة وشفافة في اختيار المرشحين،ه تقوم على الكفاءة والاستحقاق لا على الولاءات أو الاعتبارات الضيقة. كما أن من الضروري توسيع برامج التكوين والتأهيل لفائدة النساء الراغبات في العمل السياسي، وتشجيع مشاركتهن في تدبير الشأن العام، مع توفير بيئة سياسية وإعلامية تحترم دور المرأة وتُقيِّم أداءها على أساس الكفاءة والإنجاز، لا على أساس الصور النمطية أو الأحكام المسبقة.
إن الرهان الحقيقي لم يعد هو الوصول إلى تمثيلية نسائية أكبر فحسب، وإنما الوصول إلى مشاركة مؤثرة ومنتجة، تجعل من المرأة شريكاً كاملاً في صناعة القرار، وفي بناء مغرب المستقبل، القائم على الكفاءة، والمواطنة، والمساواة في الحقوق والواجبات، وخدمة الصالح العام.
ثامنا : ما الرسائل التي تودون توجيهها إلى الشباب، خاصة الذين سيشاركون في الانتخابات لأول مرة؟
أود بداية أن أتوجه إلى الشباب المغربي، وخاصة الذين سيشاركون لأول مرة في الانتخابات التشريعية المقبلة، بالقول إن مشاركتهم ليست مجرد ممارسة لحق دستوري، وإنما هي مساهمة فعلية في صناعة مستقبلهم ومستقبل وطنهم. فكل جيل يترك بصمته في تاريخ الأمم من خلال القرارات التي يتخذها، والاختيارات التي يدافع عنها، والمواقف التي يتحمل مسؤوليتها، والانتخابات واحدة من أهم هذه المحطات.إن المغرب يعيش اليوم مرحلة مفصلية من تاريخه، تتسم بأوراش إصلاحية كبرى يقودها جلالة الملك محمد السادس نصره الله، تشمل بناء الدولة الاجتماعية، وتعزيز الجهوية المتقدمة، وتسريع التحول الرقمي، ومواجهة التحديات الاقتصادية والمناخية، إلى جانب المكتسبات الدبلوماسية التي حققتها المملكة في قضية الصحراء المغربية، وما تفرضه من استعدادات تشريعية ومؤسساتية للمراحل المقبلة. وهذه التحولات لن يصنعها جيل واحد، بل تحتاج إلى انخراط الشباب باعتبارهم القوة الحقيقية لبناء المستقبل.
وأقول للشباب إن السياسة ليست مجالاً يخص السياسيين وحدهم، بل هي شأن يومي يمس التعليم الذي يتلقونه، وفرص الشغل التي يبحثون عنها، وجودة الخدمات الصحية، والسكن، والنقل، والبيئة، والعدالة الاجتماعية. ولذلك فإن الابتعاد عن المشاركة لا يعني الابتعاد عن السياسة، بل يعني ترك الآخرين يقررون في قضايا تؤثر بشكل مباشر في حياتهم.
كما أدعو الشباب إلى عدم الانسياق وراء الخطابات الشعبوية أو الأخبار المضللة التي تنتشر عبر بعض منصات التواصل الاجتماعي، وأن يجعلوا معيارهم في الاختيار هو البرنامج، والكفاءة، والنزاهة، والقدرة على الإنجاز، لأن الديمقراطية الواعية تقوم على التفكير النقدي، لا على الانطباعات أو الحملات الرقمية العابرة
تاسعا : هل ترون أن البرامج الانتخابية أصبحت معيارًا حقيقيًا في اختيار الناخب، أم أن اعتبارات أخرى ما تزال تؤثر في السلوك الانتخابي؟
للأسف، لا أعتقد أن البرنامج الانتخابي أصبح بعد المعيار الحاسم لدى جزء واسع من الناخبين. صحيح أن الأحزاب تقدم برامج انتخابية وتتحدث عن الاقتصاد والتعليم والصحة والتشغيل والحماية الاجتماعية وغيرها، لكن السؤال هو: كم من الناخبين يطلعون فعلًا على هذه البرامج؟ وكم من الأحزاب تجعل منها أساسًا لحملتها بدل الاكتفاء بالشعارات والأسماء؟
ما تزال هناك اعتبارات أخرى تؤثر بقوة في السلوك الانتخابي، تختلف حدتها من منطقة إلى أخرى، من بينها العلاقات العائلية والقبلية والمحلية، والصداقة والمصالح الشخصية، والولاءات، والخدمات، وأحيانًا المال واستمالة الناخبين بوسائل لا علاقة لها بالتنافس الديمقراطي على أساس البرامج والكفاءة.
وهنا نصل إلى مفارقة تستحق الوقوف عندها: نطالب ببرلمان قوي ونخب سياسية ذات كفاءة، لكننا لا نستطيع الوصول إلى ذلك إذا كان جزء من عملية الاختيار يتم بعيدًا عن معيار الكفاءة والبرنامج والنزاهة.
وأرى أن الناخب مطالب قبل وضع ورقة التصويت بأن يسأل نفسه أسئلة بسيطة لكنها حاسمة: من هو هذا المرشح؟ ماذا قدم؟ ما كفاءته؟ ما مواقفه؟ هل يستطيع أن يشرع ويراقب الحكومة ويدافع عن مصالح المواطنين؟ وما البرنامج الذي يلتزم به؟
فالبرلمان ليس مجلسًا لتدبير المصالح الشخصية أو المحلية الضيقة فقط، وإنما مؤسسة دستورية للتشريع ومراقبة العمل الحكومي وتقييم السياسات العمومية وتمثيل الأمة.
عاشرا : كيف يمكن الحد من ظاهرة العزوف الانتخابي، والتصدي للممارسات التي تمس نزاهة الاستحقاقات وتعزز فقدان الثقة؟
العزوف الانتخابي لا ينبغي التعامل معه باعتباره مجرد كسل أو لامبالاة من المواطن، لأنه في حالات كثيرة رسالة سياسية تعكس فقدان الثقة والشعور بعدم جدوى المشاركة. لذلك، فإن معالجة العزوف تبدأ بفهم أسبابه وليس بإدانة أصحابه.
هناك مواطنون لا يسجلون أصلًا في اللوائح الانتخابية، وهناك مسجلون لا يتوجهون إلى صناديق الاقتراع، وهناك من يعتقد أن صوته لن يغير شيئًا. وهذه مؤشرات ينبغي أن تدفع الأحزاب والمؤسسات إلى مساءلة نفسها: لماذا وصل جزء من المواطنين إلى هذه القناعة؟
الجواب يجب أن يكون عمليًا: تسهيل التسجيل والمشاركة، تكثيف التوعية المدنية، تجديد النخب، تحسين جودة المرشحين، وإعادة الاعتبار للعمل الحزبي والسياسي طوال السنوات وليس فقط خلال الحملات الانتخابية.
أما الممارسات التي تمس نزاهة الانتخابات، وخصوصًا استعمال المال لشراء الأصوات أو استغلال النفوذ والإمكانات أو الضغط على الناخبين، فينبغي مواجهتها بالقانون وبالحزم نفسه مهما كانت صفة مرتكبها أو انتماؤه. لأن صوتًا واحدًا يتم شراؤه لا يسيء إلى مرشح منافس فقط، وإنما يسيء إلى العملية الديمقراطية برمتها.
كما أن المواطن شريك في حماية نزاهة الانتخابات. فمن يبيع صوته مقابل مبلغ مالي أو مصلحة آنية يتنازل عمليًا عن جزء من حقه في محاسبة من انتخبه. ولهذا نحتاج إلى ثقافة انتخابية تجعل المواطن يدرك أن صوته أمانة ومسؤولية، وأن اختياره اليوم يحدد، بصورة أو بأخرى، نوعية المؤسسة التي ستمثله غدًا.
حادي عشر : ما الصفات التي ينبغي أن يتحلى بها المرشح الذي يستحق ثقة المواطنين وتمثيلهم داخل المؤسسة التشريعية؟
أول صفة أبحث عنها في المرشح هي النزاهة، لأنها أساس الثقة. ثم تأتي الكفاءة والقدرة على تحمل المسؤولية، والاستقلال في اتخاذ المواقف، والقدرة على الإنصات والتواصل والدفاع عن المصلحة العامة.
ولا يكفي أن يكون المرشح معروفًا في منطقته أو يمتلك شبكة واسعة من العلاقات حتى يكون مؤهلًا للبرلمان. النائب البرلماني مطالب بالتشريع، ومراقبة الحكومة، ومناقشة الميزانية والسياسات العمومية، وطرح الأسئلة، ودراسة مشاريع ومقترحات القوانين، وتمثيل المواطنين والأمة. وهذه مسؤوليات تحتاج إلى مستوى من المعرفة والكفاءة والقدرة على التحليل واتخاذ الموقف.
وأضيف إلى ذلك صفة أعتبرها أساسية، وهي الصدق مع المواطن. فلا ينبغي للمرشح أن يقدم وعودًا يعرف مسبقًا أنه لا يستطيع تنفيذها، أو أن ينسب إلى نفسه صلاحيات ليست من اختصاصه، فقط للحصول على الأصوات.
كما يجب أن يكون قريبًا من المواطنين بعد الانتخابات كما كان قريبًا منهم أثناء الحملة، وأن يقبل النقد والمساءلة، وأن يقدم حصيلة عمله، لأن التفويض الانتخابي ليس شيكًا على بياض.
وأخيرًا، يجب أن يكون المرشح وطنيًا في ممارسته، يضع مصالح المغرب وثوابته ومصالح المواطنين فوق الحسابات الشخصية والحزبية الضيقة. فالبرلمان يحتاج إلى نساء ورجال دولة، وليس فقط إلى فائزين في الانتخابات.
ثاني عشر : في نظركم، ما الدور الذي ينبغي أن تضطلع به وسائل الإعلام، بمختلف مكوناتها، في مواكبة الانتخابات، وتعزيز الوعي الديمقراطي، ومحاربة الأخبار المضللة؟
بحكم تجربتي في الصحافة والإعلام لحوالي ثلاثة عقود، أرى أن مسؤولية وسائل الإعلام خلال الانتخابات كبيرة جدًا، لأنها لا ينبغي أن تتحول إلى مجرد ناقل للبلاغات والتجمعات والتصريحات، وإنما عليها أن تكون فضاءً للنقاش العمومي الجاد، ومصدرًا للمعلومة الموثوقة، ووسيلة لمساعدة المواطن على تكوين رأيه واختيار ممثليه عن معرفة ووعي.الإعلام مطالب أولًا بتوفير فرص عادلة للتعريف بالبرامج والمواقف، ومناقشتها وتحليلها بدل الاكتفاء بالشعارات، كما ينبغي أن يسائل المرشحين عن حصيلتهم وكفاءتهم والتزاماتهم، وأن يشرح للمواطن اختصاصات البرلمان ودور النائب، حتى لا تتحول الحملات إلى سباق في إطلاق وعود لا تدخل أصلًا ضمن صلاحيات المؤسسة التشريعية.وعليه أيضًا أن يمارس دوره الرقابي في كشف التجاوزات والممارسات التي تمس نزاهة العملية الانتخابية، ولكن وفق قواعد المهنة والتحقق من المعلومات واحترام قرينة البراءة، بعيدًا عن التشهير وتصفية الحسابات وهذه المسؤولية أصبحت أصعب مع مواقع التواصل الاجتماعي، حيث يمكن نشر إشاعة أو صورة مفبركة أو مقطع مجتزأ والوصول به إلى آلاف الأشخاص خلال دقائق. لذلك أصبح التحقق من الأخبار وتصحيح المعلومات الزائفة جزءًا أساسيًا من المسؤولية الإعلامية،لكنني أؤكد في المقابل أن محاربة الأخبار المضللة لا ينبغي أن تتحول إلى ذريعة لتقييد حرية الصحافة أو حق النقد. المطلوب هو إعلام حر ومسؤول ومهني، لأن الصحافة الجادة ليست خصمًا للديمقراطية، بل واحدة من أهم ضماناتها.
السؤال الثالث عشر :
كيف رأيتم ما وقع في مدينة سبتة، ومحاولة آلاف الشباب، ومن بينهم أطفال وقاصرون، الهجرة بشكل جماعي؟ وما الرسائل السياسية والاجتماعية التي تعكسها هذه الأحداث؟ وهل ترون أنها تستدعي مراجعة السياسات العمومية الموجهة للشباب؟
قبل كل شيء، أتقدم بأحر التعازي وأصدق مشاعر المواساة إلى أسر جميع الضحايا الذين فقدوا حياتهم خلال محاولات الوصول إلى مدينة سبتة المحتلة، راجيًا من الله أن يتغمدهم بواسع رحمته ويلهم ذويهم الصبر والسلوان. فما حدث لم يكن مجرد موجة للهجرة غير النظامية، بل مأساة إنسانية حقيقية أزهقت فيها أرواح كان من حقها أن تعيش وتحلم بمستقبل أفضل.
كما ينبغي التوضيح أن هذا التدفق لم يكن مشكلًا فقط من شباب وأطفال وقاصرين مغاربة من الجنسين، وإنما ضم أيضًا نساء وشيوخًا، ومهاجرين من دول إفريقيا جنوب الصحراء، فضلًا عن مواطنين جزائريين، وهو ما يجعل الظاهرة أكبر من أن تُختزل في أزمة شبابية مغربية، ويضعنا أمام إشكالية إقليمية وقارية ترتبط بالفقر والهشاشة والبطالة وانسداد الآفاق وشبكات الهجرة والاتجار بالبشر.
وبالنسبة إلى المغرب، لا يمكن إنكار الرسائل الاجتماعية القوية التي حملتها تلك المشاهد. فهناك بطالة وغلاء للمعيشة وتراجع للقدرة الشرائية وفوارق مجالية، وهناك شباب يشعرون بالإحباط وضعف الثقة في المستقبل. ووجود أطفال وقاصرين ضمن محاولات العبور ينبغي أن يدفعنا أيضًا إلى مساءلة أدوار الأسرة والمدرسة ومؤسسات الحماية الاجتماعية وقدرتها على احتضان هؤلاء ومنحهم الأمل.
لكن الظروف الاجتماعية، على أهميتها، لا تفسر وحدها ذلك التدفق الجماعي والمتزامن. فقد تم استغلال حكم قضائي إسباني يتعلق بالضمانات القانونية لبعض المهاجرين، وخاصة القاصرين غير المرفقين، وتسويقه بصورة مضللة عبر شبكات التواصل والتراسل، وكأنه قرار بفتح الحدود وضمان البقاء لكل من يصل إلى الأراضي الإسبانية. وهنا يظهر الدور الخطير لشبكات الهجرة والاتجار بالبشر التي لم تعد تتاجر فقط بأجساد المهاجرين، بل أصبحت تتاجر أيضًا بأحلامهم، وتستخدم الفضاء الرقمي لصناعة أمل كاذب ودفع الناس إلى مغامرات قد يكون ثمنها حياتهم.
أما سياسيًا، فإن تزامن هذه الأحداث مع احتفالات المغرب بعيد العرش يطرح أسئلة مشروعة حول الجهات التي استفادت إعلاميًا من تلك الصور وعملت على تضخيمها واستثمارها للإساءة إلى صورة المغرب. ولا أستطيع الجزم، في غياب أدلة قاطعة، بوجود مخطط منظم وراء التوقيت، لكن من حقنا طرح السؤال، خصوصًا في ظل ما أصبح يعرفه الفضاء الرقمي من حملات تضليل وتأثير ممنهجة. وفي الوقت نفسه، يجب التمييز بوضوح بين هذه الممارسات وبين النقد المسؤول للسياسات العمومية، فهذا الأخير حق مشروع وضروري للإصلاح.
وأعتقد أن أهم رسالة ينبغي أن تلتقطها الدولة والحكومة والأحزاب من هذه الأحداث هي ضرورة مراجعة السياسات العمومية الموجهة إلى الشباب. فنحن لا نحتاج فقط إلى برامج جديدة، بل إلى تقييم جدي لما سبقها، ومعرفة لماذا لم تصل بعض المبادرات إلى أهدافها، وإشراك الشباب أنفسهم في صناعة السياسات التي تخص مستقبلهم، مع جعل التعليم والتكوين والتشغيل والعدالة الاجتماعية والمجالية والمشاركة في الحياة العامة في صدارة الأولويات.كما ينبغي أن تشمل المعالجة الجانب التربوي والرقمي، ببناء مناعة لدى الشباب ضد الأخبار الزائفة والإشاعات، بالتوازي مع تعاون إقليمي ودولي أكثر فاعلية لمحاربة شبكات الاتجار بالبشر ومعالجة جذور الهجرة في بلدان المصدر والعبور.
وخلاصة القول، لا يمكن حماية الوطن بإنكار مشاكله، كما لا يمكن إصلاح هذه المشاكل بتحويل معاناة المواطنين والمهاجرين إلى مادة للتضليل أو التشويش. علينا أن نعترف بالاختلالات ونعالجها، وأن نحارب في الوقت نفسه من يتاجر باليأس والأحلام.
فالشباب لا يحتاجون فقط إلى من يمنعهم من الهجرة، بل إلى وطن يمنحهم أسباب البقاء، والكرامة، والثقة والأمل في المستقبل.
في ختام هذا الحوار، ما الرسالة التي تودون توجيهها إلى المواطنات والمواطنين بمناسبة الاستحقاقات التشريعية المقبلة؟
رسالتي بسيطة وواضحة:
: أدعو المواطنات والمواطنين إلى عدم التفريط في حقهم في الاختيار، والتصويت بوعي ومسؤولية بعيدًا عن المال والولاءات. فبناء مؤسسات قوية يبدأ باختيار ممثلين أكفاء ونزهاء، لأن الديمقراطية لا تُبنى بالشعارات، بل بالمشاركة الواعية وتحمل المسؤولية الوطنية.
يمكن أن نختلف حول الأحزاب، ويمكن أن ننتقد الحكومة والبرلمان والمنتخبين، ويمكن أن نشعر بخيبة الأمل من تجربة أو مسؤول أو حزب، لكن كل ذلك لا ينبغي أن يدفعنا إلى التخلي عن حقنا في المشاركة بالترشح والتصويت، ولا نترك الآخرين يقررون نيابة عنا.صوت المواطن ليس مجرد ورقة توضع في صندوق، وإنما موقف ومسؤولية وأمانة.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.