المسيرة الخضراء: ملحمة العرش والشعب لاسترجاع الأقاليم الجنوبية المغتصبة

0

 

فاس: محمد أمقران حمداوي

شكلت المسيرة الخضراء المظفرة سنة 1975 محطة تاريخية فارقة وحدثا استثنائيا في تاريخ المغرب الحديث والمعاصر، حيث جسدت عبقرية الملك الراحل الحسن الثاني والتحام العرش والشعب لاستكمال الوحدة الترابية للمملكة سلميا. وعبر هذه الملحمة الوطنية، استطاع المغرب استرجاع أقاليمه الجنوبية التي عانت لعقود تحت الاستعمار الإسباني، مكرسا أسلوبا نضاليا فريدا زاوج بين الشرعية التاريخية، والدبلوماسية الدولية، والتعبئة الشعبية الشاملة.

المحور الأول: السياق التاريخي والسياسي لقضية الصحراء المغربية

الروابط التاريخية والأقاليم الجنوبية:

ترتبط الأقاليم الجنوبية المغربية بتاريخ عريق من بيعة القبائل الصحراوية للسلاطين والملوك العلويين، وهي بيعة قانونية وسياسية وروحية وثقها التاريخ عبر المعاهدات والوثائق الرسمية والتعيينات السلطانية للقياد والقضاة.

دوافع التشبث الإسباني:

تمسكت إسبانيا بالصحراء المغربية لدوافع استراتيجية واقتصادية؛ إذ رغبت في استغلال الثروات الطبيعية كالفوسفاط في بوكراع والمصايد البحرية الغنية، إلى جانب موقعها الجيو-استراتيجي المطل على المحيط الأطلسي وقربها من جزر الكناري الإسبانية.

الجهود الدبلوماسية للعرش:

لم يدخر الملك الحسن الثاني جهدا في تدويل القضية للدفاع عن الوحدة الترابية، حيث لجأ إلى المنظمات الدولية والإقليمية (الأمم المتحدة، ومجلس الأمن، ومنظمة الوحدة الإفريقية، وجامعة الدول العربية) مطالبا بإنهاء الاحتلال الإسباني وإعادة الحق إلى أصحابه عبر المنابر القانونية والسياسية.

المحور الثاني: محكمة العدل الدولية والتمهيد للمسيرة الخضراء

اللجوء إلى محكمة العدل الدولية:

في إطار المعركة القانونية، تقدم المغرب بطلب للأمم المتحدة لاستفتائها حول الرأي الاستشاري لمحكمة العدل الدولية بلاهاي بشأن الوضع القانوني للصحراء قبل الاستعمار الإسباني.

رأي المحكمة الصادر في 16 أكتوبر 1975:

أكدت المحكمة في قرارها التاريخي وجود روابط قانونية وروابط بيعة قائمة بين سلاطين المغرب والقبائل الصحراوية، مما فند ادعاءات إسبانيا بأن المنطقة كانت أرضا خلاء عند احتلالها.

الإعلان عن المسيرة والاستعدادات:

في نفس اليوم (16 أكتوبر 1975)، أعلن الملك الحسن الثاني في خطاب موجه للأمة عن تنظيم “المسيرة الخضراء” لاسترجاع الصحراء سلميا. وانطلقت التعبئة الوطنية الشاملة لتجنيد 350,000 متطوع ومتطوعة (من بينهم 10% من النساء)، وتوفير اللوجستيك والتأمين الصحي والغذائي ونقلهم ونشرهم نحو الحدود الجنوبية.

انطلاق المسيرة وتوقفها:

في 6 نونبر 1975، عبر المتطوعون الحدود الوهمية حاملين المصحف الشريف والأعلام الوطنية، وفي 9 نونبر 1975 أعلن الملك الحسن الثاني توقف المسيرة بعد أن أدت رسالتها وأجبرت إسبانيا على التفاوض المباشر.

المحور الثالث: المسيرة الخضراء والتحولات الدبلوماسية

القيادة السياسية والمفاوضات:

أدار الملك الحسن الثاني الأزمة بحكمة وحنكة دبلوماسية عالية، موازنا بين الضغط الشعبي الميداني والمفاوضات السياسية المغلقة مع القوى الدولية.

المفاوضات الثلاثية ومشاركة موريتانيا:

دخل المغرب وإسبانيا وموريتانيا في مباحثات مكثفة حول مستقبل الإقليم وإجراءات الانسحاب الإسباني وتدبير الفترة الانتقالية.

اتفاقية مدريد (14 نونبر 1975):

توجت المفاوضات بتوقيع اتفاقية مدريد الثلاثية، والتي قضت بالانسحاب الإسباني النهائي من الصحراء وتقسيم الإقليم إداريا مؤقتا بين المغرب وموريتانيا، مما أنهى رسميا الوجود الاستعماري الإسباني.

الموقف الموريتاني وتطوراته:

شاركت موريتانيا في البداية كطرف في الاتفاق لتأمين حدودها الشمالية، قبل أن تنسحب لاحقا سنة 1979 إثر ضغوطات واعتداءات عسكرية من جبهة البوليساريو، ليسترجع المغرب المنطقة الجنوبية (وادي الذهب) كاملا ويستكمل سيادته عليها.

المحور الرابع: الشخصيات والقوى السياسية والمواقف الإقليمية والدولية

شخصيات وأطراف في القضية:

خطري ولد سعيد ولد الجماني:

رئيس الجماعة الصحراوية (الهيئة التمثيلية التي أنشأتها إسبانيا)، والذي أعلن ولاءه وانضمامه للمغرب وتجديد البيعة للملك الحسن الثاني، مما أضفى شرعية شعبية صحراوية على عودة الأقاليم للمملكة.

جبهة البوليساريو:

تأسست سنة 1973 كتنظيم لمقاومة الاستعمار الإسباني، لكنها تحولت بعد الانسحاب الإسباني إلى حركة انفصالية بسب الاستقطاب الأيديولوجي الإقليمي ورفع السلاح ضد المغرب بدعم خارجي.

إعلان “الجمهورية الصحراوية”:

أعلنت الجبهة بدعم جزائري سنة 1976 عن قيام كيان غير معترف به دوليا، مما عمق النزاع الإقليمي.

الموقف الجزائري:

تبنت الجزائر موقفا معاديا للوحدة الترابية للمغرب، حيث قدمت الدعم العسكري والمالي والدبلوماسي والسخاء اللوجستي لجبهة البوليساريو واحتضنت مخيمات تندوف، مما انعكس سلبيًا على العلاقات المغربية الجزائرية وتعطيل بناء الاتحاد المغاربي.

المواقف العربية والدولية:

الدعم العربي:

حظي المغرب بمساندة واسعة من عدة دول عربية؛ حيث برز الدعم القوي والمشهود من المملكة العربية السعودية والعراق والأردن والدول الخليجية، والذين شارك بعض وفودهم بشكل رمزي ومباشر في فعاليات المسيرة الخضراء.

التفاعل الدولي:

اختلفت ردود أفعال المنظمات الدولية بين الداعية لضبط النفس وخفض التوتر (كقرارات مجلس الأمن) والداعية للحلول السلمية، في حين استقر الموقف الدولي على التمسك باتفاقية مدريد والحلول الدبلوماسية والتفاوضية تحت مظلة الأمم المتحدة.

وخلاصة القول، إن المسيرة الخضراء شكلت ملحمة شعبية وعبقرية ملكية نجحت في استرجاع المغرب لأقاليمه الجنوبية وتكريس وحدته الترابية دون إراقة دماء. ورغم التحولات السياسية والنزاعات الإقليمية التي تلتها، تظل المسيرة الخضراء محطة إلهام ومصدر قوة للدبلوماسية المغربية، التي تواصل اليوم حصد الاعترافات الدولية بمغربية الصحراء وبجدية مبادرة الحكم الذاتي تحت السيادة المغربية.

ads
اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.