أفول القيم وتراجع الأخلاق: خطر صامت يهدد الناشئة ومستقبل المجتمع
بقلم : عبد الحكيم البقريني
لم تعد قضية تراجع القيم والأخلاق مجرد موضوع عابر في أحاديث الأسر أو مجالس المثقفين، بل أصبحت من القضايا المجتمعية التي تستدعي نقاشا عميقا ومسؤولية مشتركة، بالنظر إلى انعكاساتها المحتملة على سلوك الناشئة، وعلى طبيعة العلاقات داخل الأسرة والمدرسة والمجتمع. فبناء الإنسان لا يتحقق بالتعليم وحده، ولا بتشييد المؤسسات وتطوير البنيات التحتية فحسب، وإنما يحتاج، قبل ذلك وبعده، إلى ترسيخ منظومة من القيم التي تمنح الحياة معناها، وتضبط السلوك، وتصون كرامة الإنسان وحقوقه، فعندما تتراجع القيم، يختل ميزان السلوك.
تعد القيم الأخلاقية من الركائز الأساسية التي تقوم عليها المجتمعات المتماسكة، فهي التي توجه الإنسان نحو الصدق والأمانة والاحترام والتسامح والتضامن وتحمل المسؤولية. وحين تضعف هذه القيم في الحياة اليومية، تتسع المسافة بين ما يعلنه المجتمع من مبادئ وما يمارسه أفراده من سلوكيات. ولا يعني الحديث عن أفول القيم أن المجتمع فقد أخلاقه بالكامل، أو أن الأجيال الجديدة أقل قيمة من سابقاتها، بل المقصود هو رصد مظاهر مقلقة تستوجب المعالجة، مثل التطبيع مع الكذب والغش، والاستهانة بالمسؤولية، وانتشار خطاب الإهانة والتنمر، وتراجع ثقافة الحوار، وضعف احترام الاختلاف والحق في الكرامة.
وتزداد خطورة هذه المظاهر عندما تتحول إلى سلوك مألوف يتكرر أمام الأطفال والمراهقين، فيصبح السلوك الخاطئ، بفعل التكرار والتقليد، أمرا عاديا لا يستدعي المراجعة أو المحاسبة.
تعيش الناشئة اليوم في عالم مفتوح تتدفق فيه المعلومات والصور والأفكار عبر الهواتف الذكية ومنصات التواصل الاجتماعي، دون أن تكون جميع المضامين المتاحة ملائمة لسنها أو منسجمة مع حاجاتها التربوية والنفسية.
وتتيح هذه الوسائط فرصا واسعة للتعلم والإبداع والتواصل، لكنها قد تتحول، في غياب المواكبة والتربية الإعلامية، إلى فضاءات لترويج العنف اللفظي، والسخرية من الآخرين، والسعي وراء الشهرة بأي ثمن، وتقليد أنماط سلوكية لا تراعي المسؤولية أو الخصوصية أو احترام الغير.
ولا تتحمل التكنولوجيا وحدها مسؤولية هذه التحولات؛ إذ تتداخل معها عوامل أخرى، من قبيل ضعف التواصل الأسري، وغياب القدوة الإيجابية، والتناقض بين الخطاب الأخلاقي والممارسة اليومية، فضلا عن بعض الضغوط الاجتماعية والاقتصادية التي قد تؤثر في الاستقرار الأسري والتوازن النفسي للناشئة. وفي هذا السياق، يجد الطفل أو المراهق نفسه أحيانا أمام رسائل متناقضة: يسمع في البيت والمدرسة دعوات إلى الصدق والاحترام، ثم يشاهد في محيطه نماذج تكافئ التحايل أو تحتفي بالإساءة أو تجعل المصلحة الشخصية فوق كل اعتبار. وهنا تتراجع سلطة الكلمة أمام قوة المثال، ويصبح السلوك الذي يراه الناشئ أكثر تأثيرا من النصائح التي يسمعها.
تتحمل الأسرة مسؤولية أساسية في غرس القيم، لأنها المحيط الأول الذي يتعلم فيه الطفل معنى الثقة والاحترام والتعاون والوفاء بالوعود. ولا يكفي أن يطالب الآباء أبناءهم بالانضباط والصدق، بل ينبغي أن يجسدوا هذه المبادئ في معاملاتهم اليومية، وأن يحرصوا على أن تكون العلاقة مع الأبناء قائمة على الحوار والإنصات والتوجيه.
كما أن التربية الأخلاقية لا ينبغي أن تختزل في الأوامر والنواهي والعقاب، بل تحتاج إلى تفسير أسباب السلوك الصحيح، وتعليم الطفل التمييز بين الحرية والفوضى، وبين الاختلاف والإساءة، وبين الحق في التعبير وواجب احترام الآخرين. ومن مسؤولية الأسرة أيضا مواكبة استعمال الأبناء للإنترنت، لا عبر المنع المطلق أو الرقابة المتشددة فحسب، وإنما من خلال بناء الوعي النقدي، ومناقشة المضامين التي يتعرضون لها، ومساعدتهم على التمييز بين المحتوى النافع والمحتوى المضلل أو المؤذي.
فالأسرة التي تنجح في إقامة جسور الثقة مع أبنائها تمنحهم قدرة أكبر على مواجهة الضغوط الخارجية، واتخاذ القرارات المسؤولة، والرجوع إلى ذويهم طلبا للنصيحة عند الحاجة.
تحتل المدرسة موقعا محوريا في بناء شخصية المتعلم، فهي ليست فضاء لتلقين المعارف واكتساب المهارات فقط، بل مؤسسة للتنشئة الاجتماعية والتربية على المواطنة واحترام القانون والاختلاف. غير أن الحديث عن دور المدرسة في ترسيخ القيم يقتضي تجاوز المقاربة الوعظية التي تكتفي بترديد الشعارات، والانتقال إلى ممارسات تربوية تجعل القيم جزءا من الحياة المدرسية اليومية. فاحترام المتعلم، والإنصاف في التقويم، ومحاربة الغش والتنمر، وتشجيع التعاون، وتكافؤ الفرص، كلها ممارسات تربوية تعلم الناشئة معنى العدالة والمسؤولية بصورة ملموسة.
كما أن الأستاذ، بما يمثله من قدوة معرفية وأخلاقية، يساهم في تشكيل وعي المتعلمين من خلال طريقة تعامله معهم، واحترامه لشخصياتهم، واعتماده الحوار بدل الإهانة، والإنصاف بدل التمييز.
ومن ثم، فإن المدرسة التي تسعى إلى تخريج متعلم متفوق معرفيا، دون الاهتمام بتكوينه الإنساني والأخلاقي، تظل مهمتها التربوية غير مكتملة. فالمطلوب هو بناء شخصية متوازنة تجمع بين المعرفة والسلوك، وبين التفكير النقدي والشعور بالمسؤولية، وبين الحقوق والواجبات.
تضطلع المؤسسات الدينية بدور مهم في تعزيز القيم الروحية والأخلاقية، من خلال ترسيخ معاني الرحمة والصدق والأمانة والتكافل وصون كرامة الإنسان، وربط التدين بالسلوك اليومي المسؤول. وتزداد أهمية هذا الدور عندما تتجاوز الرسالة الدينية مجرد الوعظ المباشر إلى معالجة القضايا التي تشغل الناشئة، بلغة قريبة من واقعهم، تستوعب أسئلتهم وتحترم حاجاتهم إلى الفهم والحوار.
كما أن الخطاب الديني المؤثر هو الذي يوازن بين التوجيه والرفق، ويقدم القدوة الحسنة، ويشجع على التسامح ونبذ الكراهية والعنف، ويؤكد أن الأخلاق ليست مظاهر شكلية، بل التزام عملي يظهر في المعاملة واحترام الحقوق والوفاء بالعهود.
ولا ينبغي أن تعمل المؤسسة الدينية بمعزل عن الأسرة والمدرسة، بل يتعين أن تتكامل الأدوار وتتقارب الرسائل التربوية، حتى لا يجد الناشئ نفسه أمام خطابات متناقضة بشأن القيم والسلوك.
لم يعد الإعلام مجرد وسيلة لنقل الأخبار والترفيه، بل أصبح فاعلا مؤثرا في تشكيل التصورات والاتجاهات، ولا سيما لدى الأطفال والمراهقين. ولذلك تقع على المؤسسات الإعلامية مسؤولية أخلاقية ومهنية في تقديم محتوى يحترم كرامة الإنسان، ويتجنب تمجيد العنف أو تحويل الإساءة إلى وسيلة لجذب المشاهدات، ويفتح المجال أمام النماذج الإيجابية في العلم والثقافة والعمل والتطوع.
أما منصات التواصل الاجتماعي، فينبغي التعامل معها باعتبارها فضاءات تحتاج إلى التربية على الاستخدام المسؤول، بما يشمل احترام الخصوصية، والتحقق من الأخبار، ومواجهة التنمر الرقمي، وعدم الانسياق وراء الشائعات أو حملات التشهير.
ومن جهته، يستطيع المجتمع المدني أن يسهم في حماية القيم من خلال تنظيم الأنشطة الثقافية والفنية والرياضية، وإطلاق المبادرات التطوعية، وتأطير الشباب، وخلق فضاءات للحوار والإبداع. فالشاب الذي يجد فرصا للمشاركة والعطاء، ويشعر بأن صوته مسموع وأن قدراته محل تقدير، يكون أكثر استعدادا لتحمل المسؤولية والانخراط الإيجابي في مجتمعه.
لا يمكن تحميل الأسرة والمدرسة وحدهما مسؤولية تراجع القيم، في الوقت الذي تتأثر فيه التربية بالظروف الاجتماعية والاقتصادية وبمدى الثقة في المؤسسات. فترسيخ الأخلاق يحتاج أيضا إلى سياسات عمومية تدعم المدرسة العمومية، وتحمي الطفولة، وتيسر الولوج إلى الثقافة والرياضة، وتوفر فضاءات آمنة للشباب، وتواجه العنف والتمييز والاستغلال. وتظل العدالة وتكافؤ الفرص واحترام القانون من أهم الشروط التي تساعد على بناء الثقة بين المواطن والمؤسسات. فحين يلاحظ الناشئ أن القواعد تطبق بإنصاف، وأن المسؤولية تقترن بالمحاسبة، وأن الكفاءة والنزاهة تحظيان بالتقدير، فإنه يتعلم عمليا أن القيم ليست مجرد مواعظ، بل مبادئ تنظم الحياة المشتركة.
وفي المقابل، فإن التناقض بين الخطاب والممارسة قد يضعف مصداقية الرسائل التربوية، ويجعل الناشئة أكثر ميلا إلى التشكيك في جدوى الالتزام الأخلاقي. لذلك، فإن الإصلاح القيمي لا ينفصل عن ترسيخ الحكامة الجيدة، وربط المسؤولية بالمحاسبة، واحترام الحقوق والواجبات.
إن مواجهة تراجع القيم لا تتحقق بإلقاء اللوم على جيل بعينه، ولا بتضخيم مظاهر الانحراف، ولا بالحنين إلى الماضي باعتباره زمنا مثاليا خاليا من المشكلات. فلكل جيل تحدياته، ولكل مرحلة تحولات تفرض فهما جديدا لسبل التربية والتأطير.
المطلوب هو إطلاق مشروع مجتمعي متكامل يجعل بناء الإنسان أولوية، ويقوم على التنسيق بين الأسرة والمدرسة والمؤسسة الدينية والإعلام والمجتمع المدني ومؤسسات الدولة. ويمكن أن يبدأ هذا المشروع بإدماج التربية على القيم في الممارسات اليومية، وتنظيم لقاءات مشتركة بين الآباء والمدرسين، وتشجيع القراءة والمسرح والفنون، وتعزيز ثقافة التطوع، وتطوير برامج التربية الرقمية، وتوفير آليات للوساطة وحل النزاعات داخل المؤسسات التعليمية.
كما ينبغي إشراك الناشئة أنفسهم في صياغة المبادرات التي تهمهم، والاستماع إلى تصوراتهم ومشكلاتهم، ومنحهم فرصا حقيقية للمشاركة في الحياة المدرسية والمجتمعية. فالقيم لا تترسخ بالإكراه وحده، بل تنمو بالحوار والاقتناع والممارسة والشعور بالانتماء.
إن أفول القيم، إن تُرك دون معالجة، قد يضعف الثقة والتضامن ويؤثر في قدرة المجتمع على نقل خبراته الإنسانية بين الأجيال. أما استعادة الاعتبار للأخلاق فتبدأ من تفاصيل الحياة اليومية: كلمة صادقة، ووعد يُحترم، وحق يُصان، وخلاف يُدار بالحوار، ومسؤولية تُؤدى بإخلاص.
إن مستقبل الناشئة لا تصنعه المؤسسات المادية وحدها، مهما بلغت أهميتها، بل تصنعه أيضا القيم التي يتشربونها، والقدوات التي يتأثرون بها، والفرص التي تتيح لهم أن يكونوا مواطنين فاعلين ومسؤولين.
ومن هنا، فإن بناء الإنسان يسبق البنيان من حيث الأولوية التربوية، ويرافقه من حيث الاستمرار. فالمؤسسات القوية تحتاج إلى إنسان يؤمن بالمسؤولية والنزاهة والعدل، والمجتمع المتماسك يحتاج إلى أجيال تدرك أن الحرية لا تنفصل عن المسؤولية، وأن الاختلاف لا يلغي الاحترام، وأن النجاح الحقيقي لا يقاس بما يحققه الفرد لنفسه فقط، بل بما يقدمه للآخرين ولمجتمعه.
إن حماية القيم ليست مسؤولية جهة واحدة، بل أمانة مشتركة. وحين تتكامل جهود الأسرة والمدرسة والمؤسسة الدينية والإعلام والمجتمع المدني والدولة، يصبح بالإمكان تحويل القيم من شعارات معلنة إلى ممارسة يومية، ومن نصائح عابرة إلى ثقافة مجتمعية تحفظ للناشئة إنسانيتهم، وللمجتمع تماسكه، وللمستقبل فرصه في البناء والتقدم.
