بقلم: فاطمة لمحرحر ( باحثة في الدراسات السياسية )
أعتقد قبل القيام بعرض موجز لطبيعة صورة المرأة في مجال الإعلانات والدعاية وأثرها على نظرة المجتمع للمرأة، سيكون من المفيد استعراض إجمالي لما تثيره الإعلانات من معان ودلالات وما ترسمه من أفكار وأبعاد في العقل الباطن للمشاهد، خاصة وأن قضية المرأة في الإعلام بشكل عام ومجال الإعلانات بصفة خاصة، من القضايا التي شغلت الحقل الأكاديمي والمعرفي والثقافي، نظرا للصورة المشوهة التي تقدمها وسائل الإعلام للمرأة على صفحات الجرائد والمجلات وشاشات التلفزيون وشبكات التواصل الاجتماعي.
ومع انتشار العولمة كواقع اقتصادي وسياسي وإعلامي، فقد بدأ المشهد الثقافي العربي يتغير على مستوى التصورات والمفردات، حيث أصبح للصورة وقعها المباشر على المجتمع بما تخلقه من انطباعات ورموز تؤثر على طبيعة واتجاهات العلاقات بين الناس بعضهم ببعض.
وبالتالي، فإن الإعلان يعد من الوسائل الإعلامية الفعالة في التأثير على ثقافات الشعوب، لقدرته في تكوين مجموعة من الصور الذهنية لدى الناس حيال أشياء وأشخاص سواء في قوالب سلبية أو إيجابية، مما يجعله سلاحا حضاريا حاسما في التنافس والتدافع الثقافي.
وهكذا، نجد أن الإعلان وخاصة ذو السمة التجارية يؤدي وعلى فترات مختلفة وعن طريق التكرار إلى خلق صور ذهنية عند المشاهد ترسخ ثقافة المرأة الجسد، فالمؤسسات الإعلانية ونتيجة للتحول والتقدم الاقتصادي فهي تسعى إلى الترويج لمنتوجاتها وزيادة قيمة مبيعاتها من أجل تحقيق الربح، ولذلك فهي تعتمد العديد من الأساليب والتقنيات لجذب أكبر عدد من المستهلكين، سواء في وسائل الإعلام التقليدية أو الجديدة.
ولو قمنا بتفحص وتحليل للإعلانات، وباختلاف القنوات الإعلامية العربية أو الغربية على حد سواء لوجدنا أن الإعلانات المعروضة قدمت النساء بصور نمطية متعددة وجعلت منهن عنصرا أساسيا لمختلف منتوجاتها الإعلانية مثل، (المأكولات والمشروبات، والعطور والملابس، ومواد التنظيف…)، بالإضافة إلى الترويج لمختلف أنواع السيارات والخدمات وغيرها، من خلال استخدام إيحاءات وخلفيات ومؤثرات لإثارة انتباه المستهلك أو المشاهد.
هذا من جهة، ومن جهة أخرى، نلاحظ أن الإعلانات تحول المرأة إلى مجرد أداة أو وسيلة، بالتركيز على جسد المرأة في جانبه الشبقي وكأن هذه السمة هي الأصل في المرأة أما العقل فعارض وثانوي، حيث يتم الدفع بقيمة الجمال الجسدي في المرأة إلى أقصى حد في سياق مجتمع يولي أهمية قصوى للجمال الظاهري.
ويستند هذا التصور في معظم الأحيان إلى ثقافة راسخة في المتخيل العربي، الذي حدد وظيفة وحيدة للمرأة تتمثل في إمتاع الرجل وإشباع رغباته، بالإضافة إلى معتقدات مدعومة بنصوص دينية يساء فهمها، وتصورات أساسها أن الرجل أسبق في الوجود على المرأة مما يؤدي إلى خلق ثقافة التفاوت والاقصاء بين المرأة والرجل داخل المجتمع.
ويمكن القول باختصار، أن الإعلان يساهم في ترسيخ النظرة التبخيسية واختزال كيان المرأة في البعد الجنسي، والتأكيد على أن المرأة مجرد سلعة، مما يؤدي من الناحية السيكولوجية إلى التأثير على السلوك والمخزون المعرفي للإنسان، وللأسف هذه الصورة يتم الحفاظ عليها وتثبيتها، مما يخلق نوعا من العنف الرمزي اتجاه النساء في الفضاء العام والخاص.