للكاتب عزيز لعويسي
بسرعة البرق انتقلت العيون والعدسات الاقلام من الخوض في تفاصيل كبوة الاسود في المونديال الافريقي، إلى دوار إيغران بجماعة تمروت بإقليم شفشاون، حيث سقط الطفل ريان ابن الخمس سنوات بداخل بئر “صوندا” بعمق تجاوز الثالثين مثرا، وبذات السرعة، تحولت قضية ريان المحاصر داخل الثقب بين الحياة والموت، إلى قضية رأي عام وطني تجاوز صداها حدود الوطن، حركت أوتار “تامغاربيت” بكل تفاصيلها وجزئياتها، من خلال ما أحاط بعمليات الانقاذ، من تعبئة جماعية منقطعة النظير لمختلف السلطات الترابية والامنية والقضائية والصحية، من إدارة ترابية ونيابة عامة ووقاية مدنية ودرك ملكي وقوات مساعدة وأعوان سلطة وأطقم صحية، فضلا عن بعض المهندسين الطبوغرافيين والمتخصصين في الاستغوار وسائقي الجرافات وعناصر الانعاش الوطني ومتطوعات ومتطوعي الهلال الاحمر المغربي ومختلف وسائل الاعـلام، ومتطوعين آخرين… وعلى امتداد الخمسة أيام، ظلت أشغال الحفر من قبل فرق الانقاذ جارية على قدم وساق في سباق مع الزمن لانقاذ الطفل ريان، على الرغم من العوائق الطبوغرافية المرتبطة بشكل خاص بهشاشة التربة وهواجس انهيارات كتل الاتربة، وظلت معها مشاعر وقلوب المغاربة والعالم، معلقة وسط زحمة من الدعوات الصادقة في أن يحفظ الله عز وجل الطفل ريان ويشمله بعنايته الواسعة، حتى يعـود حيا يرزق إلى أسرته الصغيرة وأهله وذويه، وإلى فرق الانقاذ التي اشتغلت طيلة خمسة أيام آناء الليل وأطراف النهار لإنقاذه من موت وشيك، وإلى الشعب المغربي بعدما بات ريان، قضية رأي عام وطني ودولي. وفي هذا الاطار، كنا نتمنى أن يكون هذا المقال احتفاء بخبر إخراج الصغير ريان من الثقب، على قيد الحياة، بعد أن عشنا كمغاربة وعاش معنا العالم، ساعات طوال بأيامها ولياليها، من التوجس والترقب والقلق والانتظار، أمام شاشات القنوات التلفزية والمواقع الاخبارية الالكترونية، مواكبين بحرقة ووجع وألم، مجريات عمليات الحفر بعسرها ومشاقها، بآهاتها وآمالها، وكلنا أمل في أن يصل المنقذون إلى ريان المحاصر بين مطرقة الوحدة المرعبة وسندان الظالم الكاسح بعيدا عن أحضان والديه، وأن تزف بشرى بقائه على قيد الحياة للشعب المغربي قاطبة، ولكل من تحركت أوثار إنسانيته عبر العالم وتضامن معنا في هذه المحنة الانسانية غير المسبوقة في المغرب. وبقدر ما كنا نتابع حجم التضحيات الجسام التي تحملتها فرق الانقاذ والسلطات الترابية والامنية في تدبير طقوس المأساة، ونثمن ما بذل من مجهودات شاقة آناء الليل وأطراف النهار في سباق مع الزمن، وفي نوع من التحدي للعوائق الطبوغرافية والجيولوجية، من أجل إنقاذ الصغير ريان، بقدر ما كنا نتابع كغيرنا من المغاربة، تطورات الحفر في إطار من المسؤولية وفي أجواء من التوتر والقلق بعدما بات هذا الصغير ابن الشعب، متمسكين طيلة خمس ليال بكل ما أوتينا من خيوط الامل، في أن تتوقف عمليات الحفر بدون حوادث أو فواجع بشرية عرضية، ويتم زف بشرى إخراج ريان حيا يرزق لاسرته المكلومة وإلى الشعب المغربي قاطبة، وإلى الملايين من المتضامنين والمتعاطفين عبر العالم، وفي ظل هذه الوضعية الصعبة، كنا نمني النفس أن تنتهي المأساة بخبر سار يذيب جليد المشاق والاوجاع والقلق والعناء، كنا نأمل أن تصل فرق الانقاذ إلى الصغير وتخرجه على قيد الحياة، بعد أن وصل صداه كل أرجاء المعمور بشكل عصي على الفهم والادراك، كنا نتوق أن يحتفي به العالم بعدما وحد القلوب وزحزح قارة الاسانية، لكن إرادة الخالق شاءت أن يخرج ريان من محنته التي دامت خمس ليال بألمها ووجعها وأنينها ووحدتها وظلامها وبردها وقساوتها وجوعها وعطشها، أن يخرج إلينا جثـة هامدة، خلفت وراءها مشاعر لاحدود لها من الحسرة والخيبة والحزن في نفو س المغاربة وكل المتعاطفين والمتضامنين عبر العالم، وخاصة في نفوس والديه وفرق الانقاذ التي أبلت البلاء الحسن لاخراج الصغير حيا يرزق، لكن لله ما أعطى ولله ما أخذ و”إنا هلل وإنا إليه راجعون”. لكن .. من يكون هذا الطفل الصغير الذي أماط اللثام عن “تامغربيت” وكشف عنوة عن المعدن الثمين للمغاربة الشرفاء والاحرار، الذين لا يتقاعسون ولايترددون لما يتعلق الامر بالوطن وقضاياه المصيرية ؟ من يكون هذا الطفل المغربي الشفشاوني الذي وحد قلوب المغاربة قاطبة وحرك أوثار الانسانية التي تجمع شعوب العالم ؟ من يكون هذا الطفل البريء الذي أثار زوبعة غير مسبوقة في مشاعرنا وأحاسيسنا، وانتزع مساحات عريضة من الدعوات والرسائل التضامنية من دول وسفارات ومؤسسات دينية من قبيل الازهر الشريف وكنائس ومنظمات دوليةونجوم ومشاهير عبر العالم ؟ من يكون هذا الصبي الذي حرك كل العيون والعدسات والاقلام في المغرب والعالم العربي الاسالمي وأوربا وأمريكا وكل العالم ؟ من يكون هذا الطفل القروي الذي انتزع الاجماع الوطني والعالمي على مستوى المشاعر الاسانية النبيلة التي لا تعترف بدين ولا لغة ولا لون ولا جنس ولا حدود، الا الصفاء والنقاء والطهر والنبل والرقي ؟ من يكون هذا الطفل المغربي الذي صمد كالجندي المرابط بداخل ثقب طيلة أيام وسط غابة من الظلام ؟ أي طفل هذا الذي تحركت لأجله السلطات وفرق الانقاذ والمتعاطفين والمتضامنين ؟ أي طفل هذا الذي تمت إزاحة جبل والتخلص من الاطنان من الاتربة، من أجل تيسير سبل الوصول إليه وإنقاذه ؟ أي طفل هذا الذي كسب ود وتعاطف الماليين عبر العالم، بدون “بوز” ولا “إثارة” ولا “تفاهة” ولا “سخافة” ؟ تساؤلات من ضمن أخرى، تطاردنا كالشبح المخيف، لانجد لها جوابا ولا وصفا ولا تقديرا، وكل ما نستطيع البوح به، أن رحيل الصغير ريان عن عالمنا أتى سريعا وخاطفا، وانتهت حياته على وقع المحنة والمأساة التي تجاوز صداها حدود الوطن، لحكمة لا يعرفها الا الخالق جل علاه، وكل ما نجازف في الافصاح عنه، أن محنته التي اهتز لها العالم، وحدت القلوب التي تآكلت بسبب الاحقاد والكراهية، وجعلتنا ننتبه عنوة، إلى الاسانية التي تجمعنا، القادرة وحدها على بناء عالم مفعم بالنبل والرقي والسعادة والحياة، ونستشعر بما لا يدع مجالا للشك، أننا ضعفاء بل وضعفاء جدا ، بكل ما أوتينا من قوة وتكنولوجيا وتقدم ورخاء وازدهار، بشكل يفرض علينا العودة الطوعية إلى “إنسانيتنا” التي تفرض علينا تصحيح المسار وتقويم ما نحن فيه من اعوجاج، والجنوح الذي لا محيد عنه، نحو ضفاف الاخوة والمحبة والتضامن والتعايش والسالم والعيش المشترك ، إيمانا منا أننا مجرد عابري سبيل في هذه الحياة الدنيا، وحياتنا وبقاؤنا ورحيلنا، بيد الله رب العالمين الذي يقول للشيء “كن فيكون”. إذا أردنا أن نركب على بساط الفلسفة، ونعرج على عوامل الطبيعة وما فوق الطبيعة، ونخوض في تفاصيل الممكن والا ممكن ونسافر بين محطات التفكر والتأمل، نرى أن قضية ريان، لن تخرج عن نطاق حادث عرضي لطفل صغير سقط ذات يوم في بئـر، على غرار الكثير من الحوادث المماثلة التي وقعت في أماكن متفرقة من العالم، وهذا الحادث العادي المحلي، تحول بقدرة قادر إلى “حادث استثنائي” بكل المقاييس، بعدما انتقل من بعده المحلي الجهوي إلى قضية رأي عام وطني اقتضت تعبئة مجتمعية غير مسبوقة، بل وإلى قضية عابرة لحدود الشعوب والدول والقارات، وحدت القلوب وزحزحت “قارة الانسانية” التي تجمعنا أو التي يفترض أن تجمعنا بكل ما أوتينا من اختلافات، ويكفي قولا أن بعض المواليد الجدد حملوا اسم “ريان”، وأغنيات عرضت وأشعار نظمت من أجل ريان، ومساجد وكنائس صلت من أجل ريان، وإعلاميون ذرفوا الدموع على المباشر تضامنا وتعاطفا مع ريان، ومجموعة من القنوات التلفزية، خصصت ساعات من البث المباشر تفاعلا مع قضية ريان من بداية المأساة إلى أن أخرج الصغير من البئر جثـة هامدة، وجبل تم هدمه بتمامه وكماله من أجل حياة ريـان، ومتطوعون أتوا إلى موقع الحادث خاطروا بحياتهم لانقاذ ريان، وبعضهم قدم الدعم إلى فرق الانقاذ وساهم في عمليات الحفر بدون كلل أو ملل من أجل ريـان، وفي طليعتهم “عمي علي الصحراوي” الذي شارك بروح مواطنة عالية، في عمليات الحفر الافقي في مواجهة مباشرة مع خطر الموت من أجل حياة ريان، و “وسم” ظل حاضرا في مختلف مواقع التواصل الاجتماعي منذ بداية المأساة من أجل إنقاذ ريان، ونجوم ومشاهير في كرة القدم العالمية، عبروا عن تضامنهم مع المغرب وطفله ريان، وملك متضامن ظل “يتابع تطورات هذا الحادث المأساوي، وأصدر تعليماته السامية لكل السطات المعنية، قصد اتخاذ الاجراءات اللازمة، وبذل أقصى الجهود لانقاذ حياة الفقيد ريان”، بل واتصل هاتفيا بوالدي الطفل وقدم أحر العزاء وأصدق المواساة” كما ورد في بلاغ للديوان الملكي. مشاهد وصور من ضمن أخرى، تجعلنا عاجزين كل العجز عن تفسير أو محاولة تفسير ما حدث لهذا الطفل “الاستثنائي” الذي قضى خمس ليال في جوف البئر ورحل عن عالمنا بعد محنة لا يعلمها الا الله ، عن عمر لا يتجاوز الخمس سنوات، بل وصادف رحيله يوم الخامس من شهر فبراير 2022 ،وإذا كان ما حدث لريان، قد يتجاوز حدود التفكير والفهم وعتبات الاستيعاب والادراك ، فما تأكد من خلال طقوس هذه المأساة الانسانية، أن مشيئة الخالق جل علاه، شاءت أن يرحل ريان إلى جنات الخلد بهذه الطريقة وبذات التعبئة المجتمعية وبذات القوة والصـدى الدولي اللافت للنظر، لحكمة لا يعلمها الا الرحمان الرحيم سبحانه وتعالى، وإذا تركنا عالم التفلسف جانبا، ونزلنا إلى مستوى الواقع، فقضية فقيدنا ريان رحمه الله، كانت كافية مرة أخرى لتكشف عن سوءتنا وتزيل الستار عن واقع الحال، وتوضيحا للرؤية، ندلي بالملاحظات التالية : – الصور والفيديوهات التي تناقلتها العديد من وسائل العالم الوطنية والدولية من مكان الحادث، وإن كان الهدف منها رصد مجريات عمليات الحفر والانقاذ الرامية إلى الوصول إلى الطفل ريان، فإنها شكلت مرآة عاكسة لواقع حال ساكنة دوار إمغران بإقليم شفشاون – مكان الحادث-، ومنخلاله لما يعيشه العالم القروي من مظاهر الفقر والبؤس والهشاشة على مستوى العزلة وقلة إن لم نقل انعدام البنيات التحتية والتجهيزات والمرافق الضرورية، وعلى رأسها المدرسة والصحة والكهربة القروية والماء الشروب والطرق التي تعد شرايين الاقتصاد القروي. – الثقب المائي الذي وقع فيه الطفل ريان، يعكس معاناة ساكنة المنطقة خصوصا والساكنة القروية عموما مع معضلة الماء الشروب، وتزداد وضعيتهم تأزما وتعقيدا في ظل سيادة حالة الجفاف وقلة التساقطات، بشكل نقل المغرب من “حالة الخصاص” على مستوى الموارد المائية إلى “حالة الندرة”، وهذا الواقع المقلق جدا، يفرض على الساكنة القروية التحرك على أكثر من مستوى، بحثا عن الحلول الممكنة وفق الامكانيات الذاتية المتاحة بحثا عن التزود بالماء سواء للشرب أو لاغراض زراعية، ليكون بذلك، حفر آبار “الصوندا” خيارا لا محيد عنه، بكل ما لذلك من تكلفة ومخاطر وتهديدات، في ظل غياب الحلول التنموية الناجعة. – الطفل ريان ابن الخمس سنوات، كان يفترض أن يكون وقت الحادث المأساوي، بين أحضان المدرسة أو الروض في إطار الحق في التعلم، وبما أن حالة الهشاشة هي الحالة السائدة في بيئته الطبيعية والاجتماعية، وبدل أن يجد مدرسة أو روضا يأويه ويحميه من كل المخاطر المحتملة، أو على الاقل ملعبا صغيرا يدحرج فيه الكرة ببراءة، قادته قدماه بدون قصد أو وعي، نحو ثقب مائي حفره والده ذات يوم بحثا عن نقطة ماء تسقي العباد والبلاد والبهيمة، وكأنه بهذه السقطة العرضية، التي ارتقت إلى مستوى المأساة، يريد أن يصرخ بأعلى صوته في وجه الاعدالة اجتماعية ومجالية التي تعشش في جنبات بيت أسرته ودواره وجماعته وفي عموم المجال القروي، أن يحتج على السلطات والسياسات العمومية، على حقه كطفل في التمدرس والصحة والسكن والماء والكهرباء والانترنيت والطرق وملاعب الرياضة والحياة الكريمة، في ظل محدودية إن لم نقل انعدام سياسات تنموية واضحة تستهدف الرفع من إيقاعات التنمية القروية. – الثقب العميق الذي وقع فيه ريان – منذ الثلاثاء الماضي -، يسائل الكثير من الثقب المائية والابار المهجورة على امتداد جماعات ودواوير العالم القروي عبر التراب الوطني، وهي بذلك تشكل قنابل موقوتة، بل وشبحا مخيفا يتهدد حياة الساكنة القروية وخاصة الاطفال الصغار كما حدث مع صغيرنا ريان رحمه الله وفي ظل هذا الواقع المأسوف عليه، نتساءل من باب المواطنة، هل تخضع عمليات حفر هذه الثقب والابار إلى مساطر قانونية وتدابير وقائية ؟ أم أن كل مواطن قروي يغني على لياله/هواه ؟ من هي الجهة أو الجهات التي تتحمل مسؤولية الابقاء على هذه الثقب والابار المهجورة كما هي، بشكل يجعلها تهدد حياة الساكنة باستمرار؟ لماذا لم تتحرك الجهة أو الجهات المعنية من أجل ردم هذه الثقب والابار المهجورة، من باب الوقاية والاحتراز؟ ألم يكن من الضروري ردم هكذا ثقب وآبار من باب الوقاية والاحتراز حماية لحياة الساكنة ؟ أم كان من اللازم أن نمر من مأساة طفل صغير، حتى ننتبه إلى هذه القنابل الموقوتة التي تهدد حياة السكان وخاصة فئة الاطفال ؟ أي خطر أو تهديد لهذه الثقب والابار العشوائية على الفرشات المائية ؟ وما الجدوى من المخطط الوطني للماء والبرنامج الوطني للتزود بالماء الشروب ومياه السقي، ما لم يتم تزويد الساكنة القروية بالماء الشروب ؟
. – التغطية الاعلامية لمجريات عمليات الحفر والانقاذ، اعترتها بعض الانزالقات المهنية من جانب جملة من المواقع الالكترونية التي زاغت عن المهنة وأخالقياتها، بعدما تم تسجيل عدة مخالفات غير مهنية، فرضت على المجلس الوطني للصحافة التحرك من أجل التنبيه إليها والتنديد بها، عبر نشر بلاغ في الموضوع، وما حدث من مخالفات، يقتضي الرهان مجددا على التكوين المستمر للصحفيين، من أجل ممارسة إعالمية مهنية وأخلاقية تلتزم بضوابط المهنة وأخالقياتها. – بعض الصفحات وقنوات اليوتيوب، قدم أصحابها إلى مكان الحادث كالحجيج، ليس من أجل التضامن ولا التعاطف، بل من أجل “الاسترزاق” على حساب أوجاع ومآسي الاخرين، بحثا عن “لايفات” تشفي غليل ما يبحثون عنه من إثارة ترفع من نسب المتابعة والمشاهدة، سعيا وراء تحقيق أرباح مادية بأساليب وضيعة، والبعض وبكل وقاحة، سارع وهرول إلى خلق صفحات على الفيسبوك باسم والد ريان، مطالبا من خلالها بتقديم الدعم والمساعدة للاسرة المكلومة، وممارسات “حيوانية” من هذا القبيل، لا بد من التصدي لها بحزم وصرامة وبما يلزم من الزجر. – لا يمكن إلا أن ننوه بالعمل الجبار الذي قدمته فرق الانقاذ، ونثمن الحضور القوي لمختلف السلطات الجهوية والاقليمية من إدارة ترابية وأجهزة أمنية وقضائية وأطقم صحية ومهندسين وخبراء ومتطوعين، ونشيد بما تم تسخيره من موارد بشرية ووسائل لوجستية وتقنية، لكن في ذات الآن، سجل الكثير من المتتبعين، غياب الحكومة الاجتماعية عن مسرح الاحداث المتسارعة، وكان يفترض أن يحضر وفد وزاري إلى عين المكان للتعبير عن مشاعر المواساة لاسرة ريان وتقديم الدعم المعنوي لفرق الانقاذ وللقوات الامنية المرابطة، خاصة بعد أن باتت القضية قضية رأي عام وطني تجاوز صداها حدود الوطن، لكن وكالعادة حضرت عناية الملك محمد السادس الذي ظل يتابع تطورات هذا الحادث، وأصدر تعليماته إلى السلطات المعنية، قصد اتخاذ الاجراءات اللازمة، وبذل ما يلزم من الجهـود، لانقاذ حياة الراحل ريـان. – مأساة ريان رحمه الله، تفرض العناية بجهاز الوقاية المدنية، ودعم وتحفيز موارده البشرية، وتمكينه بما يلزم من العتاد اللوجستي والتجهيزات الحديثة ذات الصلة بعمليات الانقاذ، بما يضمن الرفع من القدرات الذاتية، حتى يكون هذا الجهاز، في أتم الجاهزية والاستعداد لمواجهة مختلف الازمات والحوادث الفجائية في إطار من الحرفية والنجاعة والفاعلية. – محنة الصغير ريان، وجهت البوصلة نحو أبطال ونجوم المغرب الحقيقيين، وفي طليعتهم عناصر الوقاية المدنية والدرك الملكي والقوات المساعدة، والمهندسين والخبراء والتقنيين وسائقي الجرافات والمتطوعين، الذين أبلوا البلاء الحسن ونجحوا في الوصول إلى الطفل المحاصر رغم العوائق الطبوغرافية والجيولوجية، ولا يمكن الا الانحناء شكرا واحتراما وتقديرا لكل من شارك في هذه المأساة الانسانية الخالدة، وعبر هذا المقال، نطالب الجهات المختصة، باستعجال تخصيص علاوات أو تعويضات “بريمات” لكل هؤلاء النجوم والابطال، من باب المكافئة والاعتراف بما صنعوه طيلة خمسة أيام، من إنجاز مغربي خالص، ويكفي قولا، أنهم هدموا جبال في وقت قياسي من أجل إنقاذ ريان، ومن الخجل، الا يتم الاعتراف بجميل عملهم وببلائهم الحسن، وهي مناسبة لنؤكد أن الشدائد والمحن، يحضر فيها الابطال والنجوم الحقيقيين، لا العابثون والتافهون والمنحطون، ونظن، يكفي رعاية لثقافة العبث والتفاهة والانحطاط، وتحويل أموال الشعب التي تهدر يمينا وشمالا، لخدمة الساكنة القروية والرفع من مستوى تنميتها. –
المواطنون الذي تجمهروا في مكان الحادث، ومنهم أصحاب صفحات فيسبوكية وقنوات على اليوتيوب وصحفيين، شكلوا مصدر إزعاج للسلطات الامنية المعنية بحفظ النظام، ومصدر خوف وقلق لفرق الانقاذ مخافة حدوث انهيارات ترابية من شأنها أن تتسبب في كارثة إنسانية، وما كان يصدر عن الجمهور من صراخات وهتافات ومن دعوات، ومن خرق واضح للتدابير الوقائية والاحترازية، هي ممارسات فاقدة لحس المسؤولية والانضباط والالتزام، لأن الوضعية كانت تقتضي الابتعاد عن مكان الحدث والالتزام بأقصى درجات الحذر والصمت والانضباط، لترك فرق الاقاذ تشتغل بناء على ما رسمته من خطط تدخلية، ونرى أن الصرامة الامنية لم تكن حاضرة بالشكل المطلوب، مما عبد الطرق أمام بعض العابثين والطفيليين للقدوم إلى المنطقة.
ونحن ندلي بهذه المعطيات والملاحظات، ليس القصد هو إشهار سالح الادانة أو توزيع صكوك الاتهام هنا وهناك، لأننا الآن أمام أسرة مكلومة، فقدت ابنا صغير حرك مشاعر الانسانية، وهي تستحق إحاطتها بما يلزم من الدعم المادي والاجتماعي والنفسي، بشكل قد يخفف عنها جانبا من المأساة، وفي هذا الاطار ووفاء لروح الفقيد ريان، نقترح أن تتم الالتفاتة إلى دوار ايغران بجماعة تمروت حيث عاش ريان، عبر استعجال بناء مدرسة تحمل اسمه ومركز صحي وبناء ملعب قرب وتعبيد طريق لفك العزلة عن الدوار والجماعة، والتحرك في اتجاه هدم كل الثقب والابار المهجورة بالمنطقة ككل وعلى الصعيد الوطني، من باب الوقاية والاحتراز حماية للطفولة، حتى لا تتكرر المأساة مرة أخـرى، أما على المستوى العام، فما حدث من مأساة إنسانية، يقتضي التحرك على أكثر من مستوى لتحريك آليات التنمية القروية، لانتشال شرائح عريضة من الساكنة القروية، مما تعيشه من هشاشة وبؤس وفقر وتهميش ومعاناة مستدامة، وإشهار سلاح “ربط المسؤولية بالمحاسبة” في وجه بعض الفاسدين والعابثين بالمال العام. نختم بالقول، وداعا ريان .. وداعا أيها الطفل المغربي الشفشاوني الذي شد انتباه العالم لحكمة لا يعلمها الا الخالق جل علاه .. وداعا أيها الصغير الذي نجح في “زحزحة الانسانية” التي نخرها الحقد والعداء والنزاع والدمار، وأحدث ثورة ناعمة في مشاعرنا، جعلتنا نستشعر مشيئة الله وقوة إرادته، وننتبه كم نحن ضعفاء وضعفاء جدا رغم ما أوتينا من قوة وتقدم ورخاء وازدهار .. وداعا أيها الصغير الذي كشف عن سوءة تواضعنا القيمي والاخالقي والانساني .. وداعا أيها الصغير الذي فضح برحيله، ما يعيشه دواره وجماعته من “العدالة” اجتماعية ومجالية، ووجه البوصلة كاملة نحو ما يعيشه العالم القروي والطفل القروي من مشاهد الفقر والبؤس والهشاشة والتهميش .. وداعا أيها الطفل الاستثنائي الذي كشف عن سوءتنا ولقننا كيف يكون الانسان وكيف تكون الانسانية التي تجمعنا .. وداعا عزيزي ريان، فقد تركت الرسائل مفتوحة، فهل من قارئ ؟ ارقد بسلام آمنا مطمئنا بمشيئة الخالق الواحد الاحد .. لله في ما أعطى ولله في ما أخذ، و”إنا لله وإنا إليه راجعون” .. ارقد بسلام عزيزي ريان، فالمغاربة لن ينسوك أبدا .. لانك فقيد المغرب والانسانية جمعاء … وداعا يا من أزاح المنقذون جبال من أجله .. وداعا يا من “زحزح قارة الانسانية” في زمن الانانية المفرطة والتواضع الاخلاقي والقيمي والبؤس الإنساني.
بقلم عزيز لعويسي المحمدية المغرب