التقدم المحرز للمملكة المغربية في تنفيذ اتفاقية “سيداو”

0

عبيد الحليمي، باحث في سلك الدكتوراه، جامعة سيدي محمد بن عبد الله، فاس.

إن انخراط المملكة المغربية في المنظومة الدولية لحقوق الإنسان ليس وليد اليوم، بل هو نتاج صيرورة تاريخية ومسار انطلقت أطواره منذ تسعينيات القرن الماضي، فاستمر بوثيرة أسرع مع بداية الألفية، وتجلى ذلك من خلال الانضمام والمصادقة على مجموعة من الاتفاقيات الدولية لحقوق الإنسان، وأيضا عبر تكريس الحماية القانونية والمؤسساتية والواقعية (في السياسات العمومية) لحقوق الإنسان.

وقد كانت البداية بالتصديق على مجموعة من الاتفاقيات الدولية لحقوق الإنسان خلال التسعينيات (نموذج اتفاقية القضاء على جميع أشكال التمييز المرأة سنة 1993، واتفاقية حقوق الطفل، واتفاقية مناهضة التعذيب وغيره من ضروب المعاملة أو العقوبة القاسية أو اللاإنسانية أو المهينة)، بالموازاة مع ذلك، تم إرساء العديد من الآليات المؤسساتية الضامنة للحقوق والحريات، أعقبتها مرحلة اتسمت بالمراجعة الشاملة لمجموعة من النصوص القانونية.

في هذا الإطار تندرج التطورات الحاصلة بالمغرب في حقوق المرأة، ليس فقط على مستوى الممارسة الاتفاقية، وإنما على المستوى الواقعي والمؤسساتي، خصوصا بعد المراجعات الشاملة التي مست مجموعة من القوانين الوطنية، وإصدار بعض النصوص القانونية التي تضمن حقوق النساء بما يتلاءم مع الاتفاقيات الدولية ذات الصلة التي صادق عليها المغرب، منها مدونة الأسرة ومدونة الشغل وقانون الجنسية، القانون المتعلق بالعمال والعاملات المنزليين، قانون مناهضة العنف ضد النساء وغيرها.

علاقة بذلك، نظم المركز المغربي للتربية على الحقوق الإنسانية وتعزيز البناء الديمقراطي، ورشة عمل حول التقدم المحرز للمملكة المغربية في تنفيذ اتفاقية “سيداو”، وذلك يوم السبت 2 يوليوز 2022 بدار الشباب الزهور/ فاس، وهي الورشة التي وقفت على أهم التطورات الحاصلة في حقوق النساء، بما في ذلك، مناقشة مختلف التشريعات الوطنية ذات الصلة بحقوق المرأة وأيضا الآليات التي تم إرساؤها لغاية نفس الهدف، منها مثلا، إنشاء مركز الامتياز لميزانية النوع الاجتماعي بوزارة الاقتصاد والمالية، وإحداث المرصد الوطني لتحسين صورة المرأة في الإعلام، ثم إرساء هيئة المناصفة ومكافحة التمييز ولجنة المناصفة بالقناة الثانية، بالإضافة إلى خلايا محاربة العنف ضد النساء..

كما وقفت هذه الورشة على التقدم المحرز في تنفيذ أهم التوصيات التي قدمتها اللجنة المعنية بحقوق المرأة – المنبثقة عن اتفاقية سيداو – إلى المغرب، وذلك بعد تقديم المغرب لتقريريه الثالث والرابع سنة 2008 الخاص بالتقدم المحرز في تنفيذ اتفاقية “سيداو”، حيث عمدت المملكة على بلورتها في العديد من التشريعات، خاصة الوثيقة الدستورية لسنة 2011 التي كرست في ديباجتها والفصل 19 لمنع التمييز والمساواة في الحقوق بين الرجل والمرأة، وضمنت هذه الوثيقة الحماية لحقوق النساء في مقتضياتها الأخرى.

وقد اتسم هذا اللقاء بنقاش مستفيض لبعض التشريعات، نموذج القانون المتعلق بمحاربة العنف ضد النساء، كما اتسم بإثارة العديد من الإشكالات المتعلقة بحماية حقوق المرأة، منها مثلا، أن المشاركة النسائية للنساء تظل ضعيفة، حيث أنه مازال نظام الكوطا هو الآلية التي تمكن النساء من الولوج إلى المؤسسات التمثيلية، وهذا الإشكال يؤكد بأن المشاركة النسائية خارج هذا الإطار تظل ضعيفة إن لكم تكن شبه منعدمة، مما يطرح تساؤلات حول الآلية الممكن أن تضمن المشاركة الواسعة للنساء عبر آلية الاقتراع المباشر وبشكل تتنافس فيه النساء مع الرجال على المقاعد البرلمانية عبر الاقتراع المباشر والمحلي.

فالواضح بأن المشاركة السياسية للمرأة ما زالت محكومة بنظام التمثيلية النسبية، بل أن الطموح لرفع التمثيلية منذ اعتماد هذه الآلية لم ينتج عنه الرفع من نسبة حضور المرأة بالمؤسسات، وهذا معناه بأنه لابد من التفكير في آليات أخرى لرفع نسبة حضور المرأة بالبرلمان التي لا تصل إلى نسبة الربع من النسبة العامة؛ هذه الآليات لا ترتبط وفقط بالقوانين الانتخابية، بقدر ما أنها تحتاج لوسائل أخرى، تجعل من المرأة فاعلا رئيسيا بالمشهد الانتخابي والسياسي بشكل عام.

من جانب أخر، أبرز هذا اللقاء الإشكالات المتعلقة بحماية الفتيات بالعالم القروي، إذ يتضح بأن هناك تفاوتا بينهن وبين النساء بالعالم الحضري، كما تم التأكيد على أنه ما زالت هناك بعض الثغرات القانونية التي تحول دون ضمان حقوق النساء، منها ما هو متعلق بغياب تشريعات عامة وشاملة خاصة بمناهضة التمييز ضد المرأة، ومنها ما له علاقة ببعض الثغرات القانونية التي يتم استغلالها كمدخل للاستغلال وانتهاك حقوق النساء، بما يتعارض مع التكريس الدستوري لحقوق النساء وأيضا المواثيق الدولية ذات الصلة التي صادق عليها المغرب (خاصة اتفاقية سيداو).

وقد خلص هذا اللقاء إلى مجموعة من الاستنتاجات، لعل أبرزها هي المتعلقة بكون المملكة المغربية عرفت تطورا ملحوظا في حماية حقوق المرأة؛ فقد صادق المغرب على الاتفاقية (سيداو) وانضم إلى البروتوكول الملحق بها، كما تم رفع جميع التحفظات التي وضعتها المملكة خلال التصديق سنوات التسعينيات؛ ناهيك عن إرساء العديد من التشريعات والمؤسسات الضامنة لحقوق النساء؛ لكن ما زال هناك بعض الفراغات التشريعية التي تحول دون ضمان حقوق النساء أو أنها لا تتلاءم مع مقتضيات الاتفاقية الدولية لمناهضة التمييز ضد المرأة، بما في ذلك الجدل الذي يطرح بشأن تزويج القاصرات، وتعدد الزوجات والمساواة في الإرث..

كما أكد هذا اللقاء بأن هناك تقدما ملموسا في ما يخص ولوج المرأة لمناصب المسؤولية والوظائف العمومية، بما في ذلك، بالقطاعات والمؤسسات التي كانت إلى عهد قريب حكرا على الرجال؛ إلا أنه تم الوقوف على بعض الممارسات غير الأخلاقية المتفشية والتي يكون ضحيتها نساء وفتيات قاصرات، منها مثلا، التحرش الجنسي والاستغلال في العمل المنزلي وفي البغاء والأعمال الحاطة بالكرامة الإنسانية، وأيضا الإشكالات التي تواجه النساء العاملات من حيث المساواة في الأجر والحق في الإجازة والحقوق المرتبطة بالمرأة الحامل.

وخلص أيضا هذا اليوم إلى إثارة إشكالية التناقض القائم ما بين النصوص القانونية والواقع، بالإضافة إلى التمثلات الخاطئة للبعض عن حقوق المرأة وفق ما هي مكرسة في القوانين، ناهيك عن الإشكالات التي تتجاوز ما هو تشريعي صرف، حيث تقتضي مداخل أخرى، كالإعلام والتوعية وأدوار جمعيات المجتمع المدني ومراكز البحث المتخصصة وغيرها؛

إذ بقدر ما هناك تطورا في المنظومة التشريعية المتعلقة بحقوق النساء، فإن هناك أيضا إشكالات مجتمعية، منها مثلا، التحايل على النصوص القانونية، التمثلات المغلوطة عن حقوق الإنسان بشكل عام وحقوق المرأة خاصة، ارتفاع زواج القاصر، ثم الإشكالات المرتبطة بالتفكك الأسري الناتجة عن ارتفاع نسبة الطلاق الذي يكون ضحاياه الأطفال، وقد أكد هذا الملتقى على أهمية آليات الوساطة في حل مجموعة من النزاعات التي يكون أحد أطرافها امرأة، خاصة في القضايا المتعلقة بقانون الأسرة، حيث يتضح بأن هناك ضعف أو شبه غياب لهذه الآليات (نموذج مجلس العائلة) في حل النزاعات بين الزوجين.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.