بين الإنصاف ونزعة الإقصاء
من الإنصاف أن يكون بِكُلٍّ من مُكوِّنات المُجتمع اعْتراف، ولكن من النَّصَفَةِ ألا يُتَّخَذَ ذلك مَطِية للإقصاء، ذلكم أن بعض المُنظِّرين في بلادنا دأبوا على اهتبال كل مناسبةٍ لتأكيد هُويةٍ، أو تثبيتِ مَطلَعِ سنةٍ أن يَعْزفوا على وَتَر التجاوُز والإقصاء.
فبالأمس غيرِ البعيد كان التنصيصُ على الأمازيغية لغة وطنية جنباً إلى جنب مع العربية، وهذا ترسيمٌ لواقع، وأمْرٌ مُرَحَّبٌ به دون أيِّ اعتراض عليه، ومُؤخَّراً تمَّ الإعلانُ عن رأس السنة الأمازيغية موعداً لعطلة سنوية، وهي مناسبة دأب كل المغاربة على الاحتفال بها تَيَمُّناً بِحُلول السنة الفلاحية.
ما يَسْتوقِفُ ويُثيرُ العَجَب أن تُتَّخذَ كُلُّ مناسبة ـ لدى البعض ـ فرصة لِلنَّيْل من العروبة والعقيدة، وكأن شعبَ البلد الواحد ظل على مَرِّ القرون مُنْفصلاً مُتمايزاً لم يعرف تزاوجاً ولا تصاهُراً ولم يَؤُلْ إلى مُجتمع مُوَلَّدٍ، ولا إلى شعبٍ مُوَحَّد.
ويتكرر الحديث عن التاريخ الأقدم، في نُزُوعٍ إلى محو التاريخ الهجري ومَوْعِدِ تأسيس الدولة الجامعة، والترْحيبِ بالإسلام كَدِيانةٍ مُوَحِّدة.
والحال أن أقطاراً في الشرق والغرب تعددتْ بها اللغات، ولكن كلا منها اختارت لغة معيارية مُسْعِفة لتكون لها اللغة السائدة، فلم ينلْ ذلك من وحدتها، ولا من تَعَدُّد الأطياف والإثنيات فيها.
وفي شبه الجزيرة العربية تعددت اللهجات، ولكنْ سادت لغة المُعلقات، ونزل القرآن بلغة واحدة وحَّدتْ لسان الأمة، وأثبتت حيويتها وغناها برصيد اثني عشر مليون كلمة، وأسهمت في نقل التراث الإنساني وإغنائه، وفي تدوين كشوفات العلم والتنوير به، وأكدت قابليتها للاشتقاق والتجدُّدِ باستمرار.
وهذا الإسلام الذي جاء خاتماً للرسالات والأديان بتقويمه للسلوك، وحفاظه على الأنساب، ونُزوعه نحو إشاعة العدل وتأمين السلام، وإنصاف المرأة، وضمان كرامة الإنسان، هل يصير بدوره مُستهدفاً؟ فقط لأن بعض مُعتنقيه تشبثوا بالشكل وأهملوا منه الجوهر؟
كَم ْيَحِزُّ في النفس أن يتواصل العَزْفُ على وَتَرِ تأجيج الفُرْقةِ والاختلاف، بدلاً من توطيد أسباب الوحدة والائتلاف، ومن عجب أن يدأب البعض على مناهضة العربية، ومحاولة النيل من الإسلام باعتماد بيان لغة القرآن !!
ونخلص إلى القول بأن رسالة المثقف الحق أن يُسهم بفعالية في بناء المجتمع المُتَحرِّرِ من الاِسْتلاب، ومُخلَّفاتِ الاستعمار، سَيْراً به نحو الأخذ بأسباب الوحدة والتقدم والنماء.
عبد الحي الرايس
05/05/2023