ذكرى استرجاع وادي الذهب المحطة التاريخية الكبرى في ملحمة الوحدة

0

فاطمة سهلي طنجة تقرير
لقد كانت مناسبة تقديم سكان وادي الذهب بيعتهم لجلالة الملك الحسن الثاني نصره الله في شهر رمضان المعظم عيدا وطنيا تجلى فيه أهم مظهر من مظاهر الشخصية المغربية المتميزة بالإيمان بالله والولاء للوطن والطاعة للعرش الذي تحمل مسؤولية الدفاع عن القيم والمقدسات منذ ثلاثة عشر قرنا
ان المغرب الذي استرجع مدينة الداخلة عاصمة إقليم وادي الذهب بحكمة ملكه القائد وشجاعة قواته المسلحة الملكية العتيدة لايمكن أن يفرط في رسالته الإسلامية أو يتنازل عن دوره الحضاري والفكري في القارة الإفريقية
ومن المؤكد أن استكمال تحرير الصحراء المغربية بإقليمها: الساقية الحمراء ووادي الذهب بداية عهد جديد على الصعيد الوطني والقاري،في سبيل الحفاظ على السلم، وحماية الأصالة الهدامة، والايديولوجيات السياسية المتطلعة إلى العودة بإفريقيا المسلمة القهقرى قرونا من الزمن
سجل التاريخ بمداد الفخرالارتباط الوثيق بين العرش العلوي ومختلف ربوع ترابه، ولم يكن هذا الارتباط شفهيا بل دون بحروف من ذهب في وثائق تظل حجة صامدة أمام كيد الكائدين، وألاعيب الحاقدين، كانت ولا تزال حججا ودلائلا تقطع الشك باليقين، وتفند كل المزاعم والطروحات التي ترمي النيل من الوحدة الترابية للمملكة
ولعل أهم هذه الذخائر النفيسة تلك الوثائق ”رسائل سلطانية، ظهائر، بيعات التي تربط المغرب بصحرائه، وتنفي كل المزاعم التي يروج لها خصوم الوحدة الترابية، وتعتبر البيعة أهم دليل يستدل به المغرب على تشبثه بصحرائه، وتشبثها بمغربيتها
ان البيعة تقليد أساسي لتحقيق شرعية الحكم، فالحاكم لا يصبح حاكما إلا
إذا تمت مبايعته، بيعة صغرى وأخرى كبرى، حيث تتم الأولى من طرف أهل الحل والعقد، والثانية من قبل عامة الجمهور
وقد عرفها ابن خلدون قائلا اعلم أن البيعة هي العهد على الطاعة، كأن المبايع يعاهد أميره على أنه سلم له النظر في أمر نفسه وأمور المسلمين، لا ينازعه في شيء من ذلك، ويطيعه فيما يكلفه به من الأمر على المنشط والمكره، وكانوا إذا بايعوا الأمير وعقدوا عهده جعلوا أيديهم في يده تأكيدا للعهد، فأشبه ذلك فعل البائع والمشتري، فسمي بيعة، هذا مدلولها في عرف اللغة ومعهود الشرع، وهو المراد في الحديث في بيعة النبي ليلة العقبة وعند الشجرة
وهي العهد على الطاعة من الرعية للراعي ، وإنفاذ مهمات الراعي على أكمل وجه، وأهمها سياسة والدين والدنيا على مقتضى الشرع، وان البيعة في الاسلام لم تفرق بين الرجل والمرأة أو بين الصغير والكبير
وبالنسبة لأصول البيعة في المغرب فان معالم وأصول وينابيع البيعة المغربية الأولى ترجع إلى رسالة
المولى ادريس الأكبر موجهة للمغاربة عندما حل بأرضهم في سبعينيات القرن الثاني الهجري/8م، ملتمسا منهم البيعة والنصرة
هذه البيعة التي حدثت سنة 172هـ/220م تعد أول بيعة مغربية في سياق الشرعية الإسلامية السنية، على اعتبار أن ما سبقها من بيعات كانت تفتقر إلى الإجماع الوطني، وتخرج من دائرة البيعة المركزية إلى البيعة القاصرة الضيقة التي ولدت أصلا من رحم التشرذم السياسي والمذاهب المتصارعة من خوارج وشيعة وغيرها من التيارات الإيديولوجية التي وفدت من المشرق إلى المغرب
فالبيعة شكلت في تاريخ المغرب منذ الأدارسة ركيزة أساسية بني عليها نظام الحكم ، كما جسدت شرعية الخلافة.
وما يهمنا في هذه المداخلة هو الوقوف على أهمية بيعة 14 غشت 1979، ودلالاتها التاريخية، لكن لا بأس قبل ذلك من استحضار مجموعة من المحطات التاريخية التي تجسد من خلالها الارتباط بين المغرب وصحرائه، هذا الارتباط ليس وليد اللحظة بل ضارب في أعماق التاريخ، ابتدأ منذ عهد الأدارسة الذين قاموا بتأسيس مدينة تمدولت بين أغمات والتخوم المشرفة على بلاد السودان، مرورا بعهد المرابطين الذين اتخذوا الصحراء منطلقا لدعوتهم و لتأسيس دولتهم
تقوى هذا الارتباط أكثر في عهد السعديين، حيث أرسل المنصور السعدي القائد محمد بن سالم لتمهيد درعة والساقية الحمراء، وصولا إلى نهر السنيغال عبر الطريق الساحلية
وفي عهد الدولة العلوية ازداد اهتمام المغرب بصحرائه، حيث أولى السلاطين العلويون المولى اسماعيل، سيدي محمد بن عبد الله، المولى الحسن الأول، المولى عبد العزيز، المولى عبد الحفيظ بالغ الأهمية لهذا القطر
وتشهد وثائق رسائل سلطانية، ظهائر، بيعات على هذا الارتباط الوثيق، من بينها تلك الظهائر والرسائل السلطانية الموجهة إلى أعيان وشيوخ القبائل الصحراوية، كالرسالة التي وجهها سيدي محمد بن عبد الرحمان إلى الشيخ الحبيب بن بيروك حول مسألة توجيه أسير اسباني قبض عليه الصحراويون إلى تارودانت أو إلى الصويرة، كما نصت نفس الرسالة على وجوب احترام السفن التي تتحطم على سواحل الصحراء وتوجيه ما يوجد بها إلى سلطات المخزن، حرصا على الأمن والتنظيم
كما أن هناك وثيقة لا تقل أهمية عن سابقتها، وهي رسالة ملكية يعود تاريخها لسنة 1883، تحمل خاتم المولى الحسن الأول والتي بموجبها يأذن هذا الأخير للطالب الحبيب بن بيروك بالوفود عليه للتبرك وإطلاعه على أحوال ساكنة الصحراء
وارتباطا بالمولى الحسن الأول، لابد من الاشارة إلى حركته نحو الأقاليم الجنوبية سنة 1886 لإيقاف والتصدي للأطماع الاسبانية في المنطقة، هذه الحركة توجت بوفود أعيان القبائل الصحراوية إليه في منطقة واد نون في 13 ماي 1886 حيث جددوا له الطاعة وعبروا له عن رفضهم للتعامل مع التجار الأجانب والشركات الأجنبية وعن تمسكهم بهويتهم المغربية وبيعتهم للسلاطين المغاربة، وامتثلوا لأوامره فيما يخص حراسة سواحل الصحراء من رسو السفن الأجنبية ، وهو أمر يثبت بالملموس سيادة المغرب على صحرائه منذ عهود لم يكن فيها دخل لا لاسبانيا ولا للجزائر ولا لانفصاليي البوليزاريو في شؤون الصحراء
ونسوق مثالا آخر وهو الظهير الشريف الصادر عن المولى عبد العزيز سنة 1900
والذي بمقتضاه تم تعيين محمد الأمير التكني قائدا على قبائل أولاد
موسى ولعبيبات وأولاد علي
كما أصدر المولى عبد الحفيظ هو الآخر ظهيرا شريفا حاملا لخاتمه، عين بموجبه السيد ابراهيم الخليل بن الحبيب قائدا على آيت موسى وعلى ويكوت والركيبات وأولاد ادريس وأولاد تيدرارين سنة 1911
هذا دون أن ننسى استحضار اللقاء التاريخي الذي جمع المغفور له محمد الخامس بأعيان القبائل الصحراوية في محاميد الغزلان وتقاطر أفواج من أعيانها عليه لتجديد البيعة وتقديم الولاء
بعد استحضار هذه المحطات والنماذج التي تؤرخ للارتباط الوثيق بين المغرب وصحرائه، ننتقل إلى النقطة الأساسية للمداخلة، والمتعلقة ببيعة 14 غشت 1979
قبل الحديث عن هذه البيعة لا بد من استحضار سياقها التاريخي، وما سبق من أحداث خاصة اتفاق مدريد 14 نونبر 1975، الذي أسفر عن تقسيم الصحراء المغربية بين المغرب وموريطانيا وأنهى الاستعمار الاسباني بهذا القطر، حصل المغرب بموجبه على إقليم الساقية الحمراء، في حين حظيت موريطانيا بإقليم وادي الذهب
لم ترض مقررات هذا الاتفاق طرفا حشر أنفه في قضية الصحراء، حيث خرج من هذا الملف خاوي الوفاض، ولأسباب معروفة أخذ يمارس شتى أنواع الضغوط وإثارة القلاقل، كما غير جذريا موقفه من طرف مؤيد لحق المغرب في استرجاع أراضيه، إلى موقف معاد ومعاكس وشجع للانفصال، وسخر كل جهوده المادية والعسكرية والديبلوماسية لاستمرارية مشكل الصحراء وقيام كيان وهمي على حساب الوحدة الترابية للمغرب
أمام هذه الضغوطات المتوالية لهذا الطرف المعادي للوحدة الترابية للمغرب، وجدت موريطانيا نفسها مضطرة للتخلي عن إقليم وادي الذهب الذي حصلت عليه بموجب اتفاق مدريد، فتنازلت عليه لصالح الانفصاليين، إلا ان هذا الأمر لم يمر على المغرب مرور الكرام، بل عمل على استرجاع وادي الذهب، خاصة بعد تقاطر وفود من ممثلي هذا الاقليم على القصر الملكي العامر بالرباط لتقديم الولاء وتجديد البيعة لأمير المؤمنين، والاعلان عن التشبث بالعرش العلوي، ورغبتهم في التحاق إقليمهم بحظيرة الوطن، وكان ذلك في 14 غشت 1979
وفيما يلي مقتطف من نص بيعتهم
” اجتمع شرفاؤنا وعلماؤنا وأعياننا ووجهاؤنا، رجالنا ونساؤنا، كبارنا وصغارنا، فاتفق رأينا الذي لا يتطرق إليه اختلال، واجتمعت كلمتنا التي لا تجتمع على ضلال، على أن نجدد لأمير المؤمنين، وحامي حمى الوطن والدين، سيدنا الحسن الثاني، حفظه الله بالسبع المثاني، البيعة التي بايع بها آباؤنا وأجدادنا آباءه وأجداده الكرام … وأقررنا بحكمه والتزمنا طاعته ونصحه في كل وقت وآن، فنحن أنصاره وأعوانه، وعساكره وجنوده، نوالي من والى، ونعادي من عادى، أخذنا بذلك على أنفسنا العهود والمواثيق، راضين مختارين، واعين مستبصرين ”
وقد أجابهم الراحل الحسن الثاني بما يلي
”رعايانا الأوفياء سكان إقليم وادي الذهب، إننا قد تلقينا منكم اليوم البيعة، وسوف نرعاها ونحتضنها كأثمن وأغلى وديعة، منذ اليوم بيعتنا في أعناقكم، ومنذ اليوم من واجبنا الدود عن سلامتكم والحفاظ على أمنكم والسعي دوما في إسعادكم، فمرحبا بكم يا أبنائي في حظيرة وطنكم ”
أسفرت مبايعة قبائل وادي الذهب للراحل الحسن الثاني استعادة المغرب لإقليم وادي الذهب بعد تخلي موريطانيا عليها، وتجرأ شرذمة البوليساريو للدخول إليها، الأمر الذي دفع القوات المسلحة الملكية للدخول إليها، وطرد العناصر الانفصالية
شكلت هذه الخطوة لأعيان إقليم وادي الذهب مكسبا ونصرا عظيما على خصوم الوحدة الترابية الذين مارسوا ألوانا من الضغوطات وحاكوا آلاف الخطط الرامية إلى فصل وادي الذهب عن التراب المغربي، وقد توج الراحل الملك الحسن الثاني هذا النصر بخطوة لا تقل أهمية عما سبقها من أحداث، حيث قام بزيارة ملكية رسمية لمدينة الداخلة حاضرة وادي الذهب يوم 4 مارس 1980 وترأس هناك مراسيم تجديد البيعة والولاء من طرف ممثلي سكان المملكة، وأعاد الكرة في شهر مارس 1985، حيث قام بزيارة ثانية للأقاليم الصحراوية
هكذا تم استرجاع إقليم وادي الذهب إلى حظيرة الوطن بعد إبداء ممثليه لرغبة جامحة في ذلك، عبروا عنها ببيعة 14 غشت 1979، التي تعتبر وثيقة أساسية وكافية لإخراس الأفواه التي تدعي أن هناك شعبا مستعمرا في الصحراء، وفي حاجة لاستقلال أو ما شابه
ان ذكرى استرجاع إقليم وادي الذهب إلى حظيرة الوطن الأم التي يخلدها الشعب المغربي في 14 غشت من كل سنة مناسبة لاستحضار محطة تاريخية كبرى في ملحمة الوحدة وتكريس لمسار تنموي متواصل
ويستحضر المغاربة وهم يخلدون هذه الذكرى المجيدة جملة من الدلالات القوية التي تجسد عمق ومتانة الروابط التاريخية القائمة بين المغرب وصحرائه في تماسك ظل على امتداد قرون من الزمن السمة البارزة في تعامل المغاربة قاطبة مع محيطهم الطبيعي في بنيته الجغرافية والقبلية والثقافية والسياسية المتماسكة.
وكانت هذه البيعة تعبيرا من قبل وفود هذه المناطق المسترجعة عن تشبثهم الأكيد والثابت بمغربيتهم وبوحدة التراب الوطني من طنجة إلى الكويرة محبطين بذلك كل مخططات ومناورات خصوم الوحدة الترابية للمملكة.
وبتجديد سكان وادي الذهب بيعتهم فإنهم لم يقصدوا سوى إرجاع الحق إلى نصابه وتزكية حقيقة تاريخية أقرها الشرع والقانون وتتمثل في رابطة البيعة لإمارة أمير المؤمنين التي جسدت منذ المولى إدريس الأول شرعية الخلافة في المغرب والركيزة الأساسية التي بنى عليها النظام السياسي في المغرب بالإضافة إلى أن بيعتهم لإمارة المؤمنين تمت برغبة صادقة وإرادة حرة في الالتحاق بالوطن الأم .
ودخلت المنطقة منذ ذلك الحين في مجهود يروم وضع قطار التنمية على السكة الصحيحة وإدماجها في المجهود الوطني للتنمية الشاملة وسط تعبئة وطنية للدفاع بحكمة وتبصر عن مشروعية حقوق المغرب على أقاليمه الجنوبية وصيانة هذه الحقوق الراسخة والذود عنها ومواجهة كل المناورات والدسائس التي تحاول المس بالوحدة الترابية للمملكة.
ويعيش إقليم وادي الذهب منذ استرجاعه تطورا ملموسا في مختلف المجالات ذلك أن المستوى المعيشي لسكان الإقليم انتقل إلى مراتب متقدمة قياسا بما كان عليه قبل وهو تطور مرتبط بالنمو السكاني الذي عرفه الإقليم بسبب تنامي فرص الشغل فيه وانتقاله من نقطة عبور كما كان عليه الأمر خلال الاحتلال الإسباني إلى مركز حضري جاذب للاستقرار.
وتعززت المنجزات التنموية بالإقليم خلال السنوات الأخيرة بمشاريع أخرى همت قطاعات الإسكان والسياسة العمرانية حيث خصصت لها الاستثمارات لتصحيح الاختلالات وتحقيق تنمية ترابية متوازنة وذلك من خلال تفعيل عدة برامج في إطار مقاربة استباقية تروم التأهيل الحضري وتصحيح ما يمكن تصحيحه في النسيج العمراني والمنشآت المينائية وتندرج هذه العملية في إطار تحسين جودة البنيات التحتية لميناء الداخلة على اعتبا ر الأهمية التي يكتسيها قطاع الصيد البحري في الرفع من الاقتصاد الإقليمي والجهوي.
وبالموازاة مع هذه المنجزات استفاد الإقليم في إطار مخطط المغرب الأخضر الذي أعطى مثالا واضحا للمجهودات المبذولة لرفع تحدي إصلاح وتثمين الأراضي الصحراوية حيث تم تطوير فلاحة مكثفة مخصصة أساسا لإنتاج البواكر الطماطم والبطيخ والخيار عن طريق تهيئة مساحات مسقية مغطاة ومجهزة بتقنيات هيدروفلاحية من أجل الرفع من القيمة المضافة للمنتوج وكذا خلق فرص جديدة للشغل.
وبخصوص الشبكة الاستشفائية فقد تمت ترقية مستشفى الحسن الثاني إلى مستشفى جهوي تم تجهيزه بمعدات متطورة وتعزيز طاقمه بأطر طبية متخصصة.
وبالموازاة مع هذه المشاريع الإنمائية شهد قطاع التعليم تطورا مهما من حيث الكم والنوع وذلك منذ إنشاء الأكاديمية الجهوية للتربية والتعليم في المنطقة
وبفضل هذه المجهودات التنموية أصبح الإقليم يتوفر على بنيات تحية حديثة ومرافق اجتماعية في مستوى التطلعات جعلت منه منطقة استقطاب لاستثمارات وطنية وأجنبية همت مجالات السياحة والصيد البحري وتربية الإبل وزراعة الخضروات بالإضافة إلى بعض الأنشطة الرياضية التي تجلب روادا من داخل البلاد وخارجها وبعض اللقاءات الدولية والوطنية.
ان إقليم وادي الذهب اليوم يفخر بالقفزة النوعية التي شهدتها مدينة الداخلة عاصمة الجهة في مجالات الاقتصاد والتعمير والحقل الاجتماعي حيث أصبحت من بين الأقطاب الحضرية الكبرى بالأقاليم الجنوبية للمملكة .
وتتواصل بمدينة الداخلة عاصمة جهة وادي الذهب الكويرة تحت القيادة الرشيدة لصاحب الجلالة الملك محمد السادس مسيرة البناء والتشييد وصيانة وحدته الترابية في تعبئة تامة للمغاربة لتثبيت الوحدة الراسخة في ظل الإجماع الوطني من طنجة إلى الكويرة للذود عن حوزة الوطن والدفاع عن مقدساته.

أن المنطقة منذ عودتها إلى الوطن تعيش مسارا تنمويا قويا حيث تشكل تنمية الأقاليم الجنوبية وتحصين الوحدة الترابية للمملكة أولوية في كافة الخطب الملكية السامية وزياراته المتعددة للأقاليم الجنوبية ومبادرته الشجاعة المتمثلة في الحكم الذاتي لهذه الأقاليم تحت السيادة المغربية والتي لقيت دعما دوليا متناميا كمبادرة واقعية وذات مصداقية.
وأن هذه الذكرى مناسبة تستدعي التأمل في واقع منطقة وادي الذهب والأدوار الكفيلة بتعزيز دور هذه الجهة على مستوى دعم وتطوير وتنمية موقعها ليس فقط على المستوى الداخلي ولكن أيضا على مستوى إشعاع المغرب في محيطه الإقليمي خصوصاً في المجال الإفريقي.
و في هذا الصدد أن “ثقافة البيظان” والأدب والفن واللباس ومجمل العادات والتقاليد وأيضا الامتداد القبلي لساكنة وادي الذهب كفيل بأن يجعل منها فاعلا قويا ضمن استراتيجية البعد الإفريقي للسياسة الخارجية للمغرب.
و إلى تعزيز الدبلوماسية الثقافية وتكريسها لتحقيق هذه الأهداف باعتبارها مدخلا من مداخل الإشعاع والجذب والتفاعل في هذا العمق الحيوي خصوصا أن منطقة وادي الذهب هي نقطة تماس واقعية وحضارية للمغرب مع المجال الإفريقي ومنطقة الساحل والصحراء.
و إلى أن الإطارات الدستورية والتشريعية والمؤسساتية خاصة منها المعنية بالتنمية وبالإصلاحات السياسية والحقوقية وعلى رأسها المجلس الوطني لحقوق الإنسان والمجلس الاقتصادي والاجتماعي والبيئي من شأنها أن تؤهل هذه المنطقة أكثر من غيرها للاستفادة من الحق في التنمية.
ان الإصلاحات العميقة التي عرفتها المنطقة في شتى الميادين شكلت أرضية صلبة نحو استثمار المؤهلات الاقتصادية والسياحية والفلاحية والصيد البحري من أجل تحقيق النموذج التنموي المعلن وتمكينه من لعب دور “منصة انطلاق” نحو علاقات المملكة المغربية جنوب- جنوب من جهة بالإضافة إلى تعزيز الموقع التفاوضي للمغرب في دعم الطرح الوطني دوليا حول نزاع الصحراء من جهة ثانية.
من جهة اخرى تعتبر ذكرى استرجاع وادي الذهب محطة هامة لاستحضار للأدوار البطولية لحركة المقاومة والتحرير من أجل استكمال الاستقلال وتحقيق الوحدة الترابية
والتي تأكد على إجماع الشعب المغربي على التعبئة المستمرة تحت القيادة الحكيمة والمتبصرة لصاحب الجلالة الملك محمد السادس دفاعا وصونا للوحدة الترابية في ظل السيادة الوطنية وتثبيت المكاسب الوطنية ومواصلة أوراش العمل التنموية الاقتصادية والاجتماعية بموازاة مع الإصلاحات السياسية والمؤسساتية والديمقراطية المفتوحة عبر التراب الوطني وعلى امتداد الأقاليم الجنوبية التي تشهد طفرة نوعية في سياق التنمية الشاملة والمستدامة بكل أبعادها الاقتصادية والاجتماعية والثقافية والبشرية
حيث يواصل باني المغرب الجديد صاحب الجلالة الملك محمد السادس نصره الله حمل مشعل الدفاع عن وحدة التراب الوطني موليا عنايته القصوى للأقاليم المسترجعة ورعايته الكريمة لأبنائها تعزيزا لأواصر العروة الوثقى والتعبئة الوطنية لمواجهة كل مؤامرات خصوم الحق المشروع للمغرب في صحرائه ومجسدا حكمة المغرب وتبصره وإرادته في صيانة وحدته الترابية المقدسة.
ان تخليد الذكرى المجيدة لاسترجاع وادي الذهب تشكل رصيدا مشرقا في تاريخ النضال الوطني الذي خاضه المغاربة في مسيرة استكمال الاستقلال الوطني وتحقيق الوحدة الترابية التي تبرز قيم الروح الوطنية والمواطنة الصالحة التي تنطق بها بطولات وروائع الكفاح الوطني دفاعا عن المقدسات الدينية والثوابت الوطنية والمقومات التاريخية والحضارية واستظهار دروسها وعبرها واستلهام قيمها وعظاتها لمواصلة مسيرات الحاضر والمستقبل التي يرعاها ويقودها صاحب الجلالة الملك محمد السادس نصره الله في سبيل تحقيق التنمية الشاملة والمستدامة وإنجاز المشروع المجتمعي الحداثي والديمقراطي والنهضوي بالبلاد.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.