قصة طريفة بعنوان: فوضى تسجيل الأجراء في الصندوق الوطني للضمان الاجتماعي
بقلم: محمد أمقران حمداوي
في أحد المقاهي الفاخرة بمدينة الدار البيضاء المغربية، جلس ثمانية مفتشين للشغل حول طاولة مزخرفة تعكس فخامة المدينة. كان النقاش يدور حول موضوع يقض مضجع الأجراء في القطاع الخاص: فوضى التسجيل في الصندوق الوطني للضمان الاجتماعي.
بدأ المفتش الأول، المعروف بخفة ظله، حديثه قائلاً:
“يا جماعة، إن خزينة الدولة تتكبد خسائر فادحة بسبب عدم التصريح بالأجراء في الصندوق الوطني للضمان الاجتماعي. العدد يفوق أربعة ملايين في نهاية سنة 2024! لا أستطيع تصديق ذلك! أين الخلل؟ أهو في الحكومة أم في المشغٌِلين أم في الأجراء أنفسهم؟”
تبادل المفتشون النظرات، ولكن المفتش الثاني، الذي كان دائما يبدو وكأنه يحاول إنقاذ الموقف، قال بحزن:
“قرأت في جريدة واسعة التوزيع أن وزارة الإدماج الاقتصادي والمقاولة الصغرى والشغل والكفاءات بصدد إعداد آلية رقمية لتفعيل إلزامية التصريح بالأجراء في الصندوق الوطني للضمان الاجتماعي. لكن السؤال الذي يطرح نفسه: لماذا لم يتم التفكير في هذه الآلية منذ سنوات؟ أليس هذا تأخراً كبيراً؟”
ضحك الجميع بشكل غير متوقع، فالمفتش الثالث، الذي بدا عليه الاستياء العميق، قاطع الحديث قائلاً:
“إحصائيات المندوبية السامية للتخطيط تقول إن 12.171.000 مغربي من الفئة النشيطة في المجتمع منهم 10.591.00 نشيطون يشتغلون، أي أن ما يقارب ثلث المغاربة لا يستفيد من الحماية الاجتماعية. وهذه المعادلة تسر وتعلن عن أن فئة واسعة من الأجراء غير مؤمنة على مستقبلها وكرامتها خاصة وأن غلاء الأسعار وتكاليف العلاج في تفاقم مستمر. هذه فوضى قانونية حقيقية!”
المفتش الرابع، الذي بدا وكأن أحدهم رش على وجهه مسحوق الصدمة، قال متفاجئا:
“يا له من رقم مخيف! عدم التصريح يحرم الصندوق من أموال طائلة شهرياً. لماذا لا تتحرك الحكومة لحل هذه المعضلة؟ أنا مقتنع أن هناك من يستفيد من هذا التسيب كما يستفيد البعض من مياه عكرة لا تصلح حتى للغسيل.”
في تلك اللحظة، تململ المفتش الخامس وقال بغصة:
“الموضوع معقد أكثر مما نتصور. الأمر ليس مسؤولية الحكومة فقط، بل يجب أن يشترك الجميع في هذا الالتزام: الحكومة، النقابات، المشغِّلون، والأجراء أنفسهم. إنها لعبة جماعية تحتاج إلى استراتيجية محكمة.”
أما المفتش السادس، الذي بدا وكأنه يحمل هموم الكون على كتفه، قال بصوت حاد:
“صحيح! ولكن الحكومة هي من يجب أن يشرع وينفذ القوانين التي تنهي هذا العبث. أما إذا استمر الوضع كما هو، فإنني أراه مجرد هروب للأمام.
إن هذه الفوضى تسائل المشغلين باعتبارهم المسؤولين القانونيين عن التصريح بأجرائهم.
إن هذه الفوضى تسائل أيضا الأجراء على اعتبار أنهم مطالبون بالتوجه إلى القنوات المتاحة قانونيا من خلال مدونة الشغل.
إن هذه الفوضى تسائل النقابات على اعتبار أنها المدافعة الأولى عن حقوق الشغيلة. ولكن كالعادة، الكل مشغول بلعبة ‘من يملك كرة اللوم’. القانون موجود، والإرادة السياسية غائبة. وكلما طالت هذه الغيبة زادت امتيازات المشغٌِلين كأنهم يعيشون في عالم موازٍ، حيث القوانين تُقرأ ولا تُنفَّذ!”
المفتش السابع، الذي كان جاداً كعادته، أضاف قائلاً:
“ولكننا في جهاز تفتيش الشغل لا نستطيع فعل الكثير بسبب نقص الموارد البشرية. لا يتجاوز عددنا خمسمئة (500) مفتش على الصعيد الوطني! نحن أشبه بفريق كرة قدم مكون من خمسة لاعبين يواجهون منتخب البرازيل! إننا نتعرض من حين لآخر لمضايقات كثيرة من طرف المشغِّلين. نتعرض للسب والشتم والقذف بعبارات يندى لها الجبين. لا أعرف إذا كنا نعزز الحماية الاجتماعية أم أننا بحاجة إلى حماية اجتماعية لأنفسنا!”
أما المفتش الثامن، فقد ابتسم ابتسامة خبيثة وقال:
“قرأت في جريدة مغربية واسعة الانتشار أن وزارة الإدماج الاقتصادي والمقاولة الصغرى والشغل والكفاءات تُحَمِّل الوضعية المأساوية التي يعيشها الأجراء في القطاع الخاص لحزب العدالة والتنمية الذي قاد الحكومة لولايتين متتاليتين! يبدو أنه لم يهتم بتعزيز جهاز التفتيش، فهل نلقي اللوم عليه الآن؟ الحكومة الحالية تلقي اللوم على الحكومات السابقة وكأن الحكومات السابقة كانت تلعب الغميضة مع المشكلة. إن هذه الأعذار تشبه مسلسلا تركيا طويلا، ونهاية الحلقة فيه تؤجل دائما للموسم القادم!”
وفي نهاية الجلسة، وبعد شاي آخر، وصل المفتشون إلى قناعة مشتركة:
“لن يتغير شيء. ستبقى دار لقمان على حالها إلى حين أن تتوفر إرادة سياسية حقيقية، ونوايا صادقة.
غادروا المقهى وكل واحد منهم يحمل سؤالا واحدا في ذهنه: هل نحن مفتشون للشغل، أم مجرد مراقبين لصناعة العبث؟