شعرية التشكيل ما وراء القمر وماتحت الجمرة
بقلم الفنانة والكاتبة : هناء ميكو
الفراغات التي لم تسلم مني، تلك التي سكنت التشكيل، كنت أملؤها شعرا……
مارست الفن كمن يحاور الظل، ويزرع الضوء في وجوه الألوان، سنوات طويلة.
ولولا ذلك الاكتئاب وعشق الحرف والمعنى. ماتسنّت لي مصافحة الكلمة بعمق، ولا التشبت بها كقارب نجاة في يمِّ التجربة.
لقد كانت الكلمة خلاصا، لا تزويقا.
بوابة للتجدد، واكتشاف المجهول، واحتضان الفنون. إيمانا بأنها مهما تباعدت، لا تنفصل…
بل تتلاقح.
روحي. تلك الملحة، المتوهجة، تمتد لها سموات في كل الاتجاهات، كما تمتد جذوري في جمرة الأرض، حيث البدء والانتماء
أنا ابنة اليعاسيب. كما النسور. يالا المفارقة
عمقي لا يخلو من موسيقى الوجد، ومن رقصة الريح بحبوب لقاح الورد.
يشذني نور الفجر كما يفتنن بدجى الغروب…. في كل تجلياتهما، حيث النقيض لا يلغي، بل يُكمل.
تجدني دودة قز. دائمة التوق لحرير فراشاتها، أبحث عن بسمة أطعم بها نسوري الكاسرة …
ذلك الواقع الذي يثيرني كما الحلم، بكل مافيه من هيبة وجمال. وفلسفة.
أبصر الأشياء في كوسموسها، في انتظامها وعشوائيتها، بصفتي إنسانة تشكلت روحها بالإحساس المتبادل مع كل ما في الوجود: الإنسان، النبات، الروح وحتى الصمت.
يثيرني الجمال، كحلم يُصاغ، وكواقعٍ يُعاش ، بكل ما يحمله من دهشة وعمق.
ولأنني مازلت أحتفظ ببراءة الطفل، تكونت لدي ملكة تذوق كل الفنون بكل ثرائها البصري والمادي والحسي والخفي، حتى ذاك الجانب المظلم الذي يترائى حين تسكن الأضواء
حتى الأخطاء، تلك المرتبكة بعفوية، ساهمت في تشكيل ذائقتي.
خاصة حين تقع في طريق فنان معلم، متجدر في المعرفة، يعي أن الخطأ جزء من الإكتشاف، ومن الشغف أيضا.
ذلك أن الفنان أو الناقد الحقيقي هو من يمتلك ذائقة لا تُلتقط على الطرقات، بل تُصاغ من صبر التجربة، ومثابرة اليد. وذكاء الروح.
ذائقة تتجاوز البصر إلى البصيرة. وتتخطى التلقين إلى التجلي، وتولد فقط عند أولئك الذين عبروا المدى، وسكنوا اللحظة بكل مافيها من صدق وخطر وجمال.
وهكذا تحلق داخلي إنسان ذو حس متفرد، متمكن من ملكة التذوق قادر على الحوار مع العمل الفني، في كل مراحله، مدارسه، تنوعه، وتحولاته المتشابكة مع ارتقاء الحضارات.