المحمدي يكتب : الزمن السياسي وسؤال الاستحقاقات التشريعية المقبلة بالمغرب
الزمن السياسي وسؤال الاستحقاقات التشريعية المقبلة بالمغرب “2” …
* الدستور ك “بنية إنقادية” والعقل الدستوري ك “أفق” لإعادة إنتاج المعنى السياسي *
ليست الاستحقاقات التشريعية المقبلة بالمغرب مجرد لحظة انتخابية تُقاس بمنطق الأغلبية العددية أو بإعادة ترتيب خرائط التموقع الحزبي داخل المجال المؤسساتي، لأن اختزال السياسة في بعدها الانتخابوي التقني يعكس، في عمقه، أزمة وعي بطبيعة الدولة الحديثة ذاتها. فالدولة لا تستمر فقط عبر انتظام مؤسساتها، بل عبر قدرتها المستمرة على إنتاج المعنى الجماعي للعيش المشترك، وعلى تحويل التوترات البنيوية داخل المجتمع إلى ديناميات عقلانية قابلة للتدبير التاريخي.
ومن هنا، فإن سؤال الانتخابات لا ينفصل عن سؤال الزمن السياسي؛ أي عن طبيعة اللحظة التي يتحرك داخلها المغرب:
. هل نحن أمام زمن إصلاحي يتجه نحو إعادة بناء التعاقد السياسي والاجتماعي بصورة متدرجة وعقلانية،
. أم أمام زمن تدبيري يكتفي بإعادة تدوير التوازنات دون القدرة على إنتاج تحول نوعي في بنية الثقة والمعنى داخل المجال العمومي؟
ذلك أن السياسة، حين تفقد بعدها الرمزي، تتحول إلى إدارة تقنية للسلطة، وتفقد قدرتها على تأطير القلق الجماعي للمجتمع. وهنا تحديدًا يبرز الدستور المغربي لا باعتباره مجرد وثيقة لتنظيم السلط والعلاقات المؤسساتية، بل باعتباره “بنية إنقادية” داخل الحقل السياسي المغربي؛ أي باعتباره “آلية تاريخية” لحماية الدولة من الانغلاق السلطوي، وحماية المجتمع من الانفجار العدمي في الآن نفسه.
إن “البنية الإنقادية” للدستور لا تكمن فقط في هندسته القانونية، بل في روحه الفلسفية العميقة؛ تلك الروح التي تسعى إلى إنتاج توازن دقيق بين الاستمرارية والتحول، بين الشرعية التاريخية والحاجة إلى التحديث، بين استقرار الدولة وحركية المجتمع. فالدستور، في معناه المتعالي، ليس مجرد نص فوقي، بل عقل معياري ينظم الاختلاف ويحول الصراع من تهديد وجودي إلى إمكان للتدافع العقلاني داخل النسق السياسي.
ولهذا، فإن القيمة الحقيقية للعقل الدستوري لا تتجلى حين يسود الانسجام، بل حين تتصاعد التوترات الاجتماعية والسياسية والاقتصادية، لأن الدستور هنا لا يشتغل كنص جامد، بل كبنية تأويلية لحماية المجال العمومي من الانهيار داخل أحد تطرفين:
. تطرف الفوضى باسم الحرية،
. أو تطرف الهيمنة باسم الاستقرار.
ومن ثم، فإن الاستحقاقات المقبلة ليست فقط امتحانًا للأحزاب، بل امتحانًا لقدرة الفاعل السياسي على الارتقاء من منطق التدبير الانتخابي الظرفي إلى مستوى الوعي التاريخي بوظيفة الدولة داخل مجتمع متحول. فالمأزق الحقيقي الذي يطبع جزءًا من الفعل الحزبي المعاصر لا يكمن في ضعف البرامج وحده، بل في انقطاع السياسة عن إنتاج المعنى؛ أي في تحولها التدريجي من مشروع جماعي للتاريخ إلى مجرد تنافس تقني حول السلطة.
لقد دخل المجتمع المغربي تحولات عميقة مست بنية الوعي الاجتماعي ذاته. لم يعد المواطن يتحرك داخل التصورات التقليدية نفسها، كما لم تعد الشرعية السياسية تُنتج فقط عبر الرمزية الخطابية أو التعبئة الحزبية الكلاسيكية. هناك صعود متزايد لانتظارات جديدة مرتبطة بالكرامة، والعدالة المجالية، والحماية الاجتماعية، والاستحقاق، وفعالية المؤسسات، وجودة الخدمات العمومية، وربط المسؤولية بالكفاءة.
غير أن خطورة المرحلة لا تكمن فقط في ارتفاع سقف الانتظارات، بل في اتساع المسافة بين المجتمع والسياسة؛ أي بين التحولات العميقة التي يعرفها الإنسان المغربي وبين اللغة السياسية التي ما تزال، في كثير من الأحيان، تتحرك داخل مفاهيم مستهلكة فقدت قدرتها على إنتاج الأفق.
وهنا يظهر سؤال “النخب الوسيطة” باعتباره أحد أكثر الأسئلة جوهرية داخل الزمن السياسي المغربي المعاصر. لأن الأزمة ليست دائمًا أزمة دولة، بل قد تكون أزمة وسائط عاجزة عن تحويل المطالب الاجتماعية إلى رؤى إصلاحية عقلانية. فحين تفقد النخب قدرتها على التأويل التاريخي للتحولات، يتحول المجال العمومي إلى فضاء للضجيج الشعبوي أو للتكنوقراطية الباردة، ويصبح المواطن معلقًا بين خطاب عاطفي لا يملك حلولًا، وخطاب تدبيري لا يملك روحًا.
إن الديمقراطية لا تنهار فقط بالعنف أو السلطوية، بل قد تنهار أيضًا حين تفقد قدرتها على إنتاج الثقة الرمزية في جدوى السياسة ذاتها. ولذلك فإن الرهان الحقيقي للاستحقاقات المقبلة لا يتعلق فقط بمن سيفوز انتخابيًا، بل بمن يمتلك القدرة على إعادة بناء “الوساطة الأخلاقية” بين الدولة والمجتمع.
ف”السياسة” ، في معناها الحضاري، ليست مجرد تنافس على السلطة، بل فن لإدارة القلق الجماعي داخل أفق المعنى. والدولة لا تصبح قوية فقط حين تمتلك المؤسسات، بل حين تمتلك القدرة على تحويل القانون إلى شعور جماعي بالإنصاف، وتحويل المشاركة السياسية إلى أفق للاندماج لا مجرد ممارسة شكلية.
وفي العمق، فإن العقل الدستوري المغربي، بوصفه “بنية إنقادية” ، لا يسعى فقط إلى حماية الدولة من التفكك، بل إلى حماية المجتمع من فقدان المعنى السياسي ذاته؛ أي من السقوط في لحظة تصبح فيها الانتخابات مجرد طقس دوري بلا روح، والسياسة مجرد إدارة تقنية للانتظار الجماعي.
هناك فقط يتحول سؤال الاستحقاقات المقبلة من سؤال انتخابي ضيق إلى سؤال فلسفي يتعلق بمستقبل المجال العمومي المغربي نفسه:
. هل تستطيع السياسة أن تستعيد وظيفتها الأخلاقية كوساطة بين الإنسان والدولة والتاريخ؟
. أم أننا ندخل تدريجيًا زمنًا سياسيًا يفقد فيه المجتمع ثقته الرمزية في قدرة الفعل العمومي على إنتاج العدالة والمعنى معًا؟ …
الدكتور عبد الصمد المحمدي