الصحفي عبد العزيز كوكاس: “المغرب لا يحتاج إلى محترفي الوعود… بل إلى رجال ونساء دولة يقولون الحقيقة
الصحفي عبد العزيز كوكاس: “المغرب لا يحتاج إلى محترفي الوعود… بل إلى رجال ونساء دولة يقولون الحقيقة
دردشة مع ياسمين الحاج 2026/8/3
حين يلتقي القلم الصادق بالفكر الحر، يولد حوار يوقظ الأسئلة، ويقترب من الحقيقة بعيدًا عن الشعارات والضجيج. في هذه الحلقة، نستضيف الصحفي والكاتب المبدع عبد العزيز كوكاس، لنفتح نقاشًا جريئًا حول الانتخابات التشريعية المقبلة، ومستقبل المشهد السياسي المغربي، وثقة المواطن، وتجديد النخب، ودور الإعلام في صناعة الوعي.
حوار صريح… عميق… ومسؤول، يلامس القضايا التي تشغل الرأي العام، ويطرح الأسئلة التي ينتظرها المواطن.
1. بدايةً، نرحب بكم في زاوية «دردشة مع ياسمين الحاج». حبذا لو تعرفون القراء بشخصكم الكريم، وتحدثوننا عن أبرز محطات مساركم المهني والسياسي، والدوافع التي قادتكم إلى الانخراط في العمل العام، وكيف تنظرون اليوم إلى مسؤولية الفاعل السياسي؟
شكرًا لكم على هذه الاستضافة. أنا عبد العزيز كوكاس، صحافي وكاتب ظل مساره موزعًا بين الصحافة والثقافة والانشغال بالشأن العام. اعتبرت الصحافة مهنة لنقل الأخبار، ومساءلة السلطة، والدفاع عن حق المواطن في المعرفة. والثقافة باعتبارها إحدى أدوات بناء الوعي وتحرير الإنسان من الخوف والوصاية والأحكام الجاهزة.
انخراطي في الشأن العام كان تعبيرًا عن قناعة بأن المثقف والصحافي لا يحق لهما الاكتفاء بمراقبة المجتمع من الشرفة. عليهما أن ينخرطا في أسئلته، وأن يسمّيا الاختلالات بأسمائها، من دون ادعاء امتلاك الحقيقة أو التحول إلى صوت دعائي لهذا الطرف أو ذاك.
ومسؤولية الفاعل السياسي اليوم أكبر من مجرد الفوز بمقعد. عليه أن يعيد للسياسة معناها الأخلاقي، وأن يفهم أن تمثيل المواطنين هو عقد ثقة قابل للمساءلة. المغرب يواجه تحديات اجتماعية واقتصادية ومجالية عميقة، ولا يحتاج إلى مزيد من محترفي الوعود، ولكن إلى نساء ورجال دولة يمتلكون الكفاءة والجرأة والنزاهة والقدرة على قول الحقيقة، حتى عندما تكون الحقيقة غير مريحة انتخابيًا.
2. كيف تنظرون إلى أهمية الانتخابات التشريعية المقبلة، وما أبرز الرهانات التي تميزها عن الاستحقاقات السابقة؟
لا ينبغي النظر إلى الانتخابات المقبلة باعتبارها مجرد آلية دورية لتجديد أعضاء البرلمان أو تشكيل أغلبية حكومية جديدة، المغزى العميق لكل انتخابات في تقديري أنها تشكل اختبارًا لقدرة السياسة على استعادة معناها لدى المواطن. ويكون الرهان الحقيقي هو هل سيشعر المواطن بأن صوته قادر فعلًا على التأثير في القرار العمومي وفي شروط حياته اليومية؟
تأتي هذه الانتخابات في سياق تتسع فيه المسافة بين المجتمع والمؤسسات الوسيطة، وتتزايد فيه انتظارات المواطنين في مجالات الشغل والتعليم والصحة والسكن والعدالة المجالية. كما تأتي في زمن أصبحت فيه وسائل التواصل الاجتماعي فضاءً موازيًا لتشكيل الرأي العام، بما تتيحه من إمكانات للتعبير، وما تحمله أيضًا من تضليل وتبسيط وتحريض.
لذلك، يتمثل الرهان الأساسي في الانتقال من انتخابات تدور حول الأشخاص والشعارات إلى انتخابات تتنافس فيها مشاريع مجتمعية واضحة. كما يتمثل في ضمان نزاهة الاستحقاق، وتجديد النخب، وربط المسؤولية بالمحاسبة، وإعادة الاعتبار إلى الاختيار السياسي بوصفه اختيارًا بين برامج وتصورات، لا بين شبكات مصالح وانتماءات ضيقة.
3. كيف تقيمون واقع المشهد السياسي المغربي اليوم؟ وهل ترون أنه مهيأ لإفراز نخب قادرة على الاستجابة لانتظارات المواطنين؟
لا يعاني المشهد السياسي المغربي فقرًا في الأشخاص بقدر ما يعاني ضعفًا في آليات إنتاج النخب. لدينا كفاءات كثيرة داخل المجتمع والجامعة والإدارة والمقاولة والعمل المدني، لكن الأحزاب لا تنجح دائمًا في استقطابها أو منحها شروط الفعل والاستقلالية.
المشكلة أن بعض التنظيمات تحولت من فضاءات لإنتاج الأفكار وتأطير المواطنين إلى آلات انتخابية موسمية. وحين تغيب الديمقراطية الداخلية، ويضعف النقاش الفكري، ويصبح الولاء أهم من الكفاءة، لا يمكن انتظار نخب نوعية. الحزب الذي لا يمارس الديمقراطية داخله يصعب أن يكون حاملًا لها في قلب المجتمع.
مع ذلك، لا أعتقد أن المشهد محكوم بالعقم. ثمة طاقات جديدة، ونساء وشباب يمتلكون معرفة عميقة بتحولات المجتمع. لكن ظهور هذه الطاقات يقتضي فتح الأحزاب، وتجديد طرق اختيار المرشحين، وإنهاء منطق التزكية المبني على المال أو القرابة أو النفوذ. تجديد النخب ليس استبدال وجوه متقدمة في السن بوجوه شابة فقط، فقد يكون الشاب حاملًا لأسوأ ما في السياسة القديمة. التجديد الحقيقي هو تجديد القيم والكفاءات وطرق التفكير والممارسة.
4. كيف تقيمون أداء المؤسسة التشريعية خلال الولاية الحالية؟ وهل نجحت في أدوارها التشريعية والرقابية؟
لا يمكن إصدار حكم واحد يلغي كل ما تحقق، فقد شهدت الولاية الحالية إنتاجًا تشريعيًا ومناقشة عدد من الملفات المهمة، كما بذل بعض البرلمانيين جهودًا جدية في التشريع والمراقبة. غير أن التقييم السياسي لا يقوم على عدد القوانين والأسئلة وحده، بل على أثرها في حياة الناس وعلى قدرة البرلمان على التأثير الفعلي في السياسات العمومية.
المواطن يقيس أداء البرلمان بأسئلة ملحة مرتبطة بواقعه: هل تحسنت المدرسة العمومية؟ هل أصبح العلاج متاحًا؟ هل تراجعت البطالة؟ هل جرى ضبط تضارب المصالح وربط المسؤولية بالمحاسبة؟ وهل تمكن البرلمان من تمثيل القلق الاجتماعي، أم ظل بعيدًا عن نبض الشارع؟
تحتاج المؤسسة التشريعية إلى تقوية المبادرة البرلمانية، والرفع من جودة دراسة مشاريع القوانين، وتقييم السياسات العمومية، وتمكين المعارضة من أداء دورها الرقابي الحقيقي. كما تحتاج إلى تحسين التواصل مع المواطنين، لأن جزءًا من ضعف صورتها ناتج عن وجود مسافة بين ما يجري داخل البرلمان وما يصل إلى المجتمع، لكن الجزء الآخر مرتبط أيضًا بممارسات بعض البرلمانيين وبهزالة النقاش السياسي.
5. ما أبرز الأولويات التي ينبغي أن يضعها البرلمان المقبل في صدارة اهتماماته؟
الأولوية الأولى هي إعادة بناء الدولة الاجتماعية على أساس الحقوق، لا على أساس التدابير الظرفية والإحسان العمومي. ينبغي أن يصبح التعليم والصحة والسكن والحماية الاجتماعية خدمات ذات جودة تحفظ كرامة المواطن، لا امتيازات متفاوتة بحسب قدرته المادية أو مكان إقامته.
الأولوية الثانية هي التشغيل، خصوصًا تشغيل الشباب وحملة الشهادات، عبر ربط التعليم بالتحولات الاقتصادية من دون اختزال الجامعة في مجرد مصنع لليد العاملة. فالتعليم مطالب بإعداد الإنسان للحياة والعمل والمواطنة معًا.
هناك أيضًا العدالة المجالية، فالمغرب لا يمكن أن يسير بسرعات متعددة إلى ما لا نهاية. ينبغي تقليص الفوارق بين المركز والهامش، وبين المدن والقرى، وضمان توزيع منصف للاستثمار والخدمات. كما يتعين وضع إصلاح العدالة، ومحاربة الفساد والريع، وحماية القدرة الشرائية، وإصلاح التقاعد، والأمن المائي والتحول المناخي ضمن الأولويات الكبرى.
لكن البرلمان لا ينبغي أن يكتفي بإنتاج النصوص، بل عليه تتبع تنفيذها وتقييم نتائجها. فكثير من مشكلاتنا ليست ناتجة عن غياب القوانين، وإنما عن ضعف التطبيق والإفلات من المساءلة.
6. كيف يمكن استعادة ثقة المواطن في العمل السياسي وتشجيعه على المشاركة؟
الثقة تأتي تلقائيا من خلال المنجزات والأفعال القابلة للقياس. عندما يرى المواطن أن المسؤول يُحاسب، وأن الكفاءة لها موضع اعتبار، وأن القانون يطبق على الجميع، وأن صوته يغيّر شيئًا في واقعه، ستعود الثقة تدريجيًا. ينبغي أيضًا أن تكون الأحزاب حاضرة بين الناس طوال الولاية، لا أن تزور الأحياء والقرى قبل الانتخابات بأسابيع وتقطع أي تواصل معهم. المواطن مَن يصغي إليه ويعود إليه ليشرح ما أنجزه وما تعذر إنجازه.
ومن الضروري التمييز بين أزمة الثقة في السياسة وأزمة الثقة في بعض ممارسيها. المواطن المغربي ليس غير مهتم بالشأن العام، فهو يناقش الأسعار والتعليم والصحة والعدالة باستمرار. لكنه لا يرى دائمًا أن القنوات الحزبية والمؤسساتية قادرة على تحويل انشغالاته إلى قرارات. لذلك، فالمطلوب ليس إلقاء اللوم عليه بسبب العزوف، ولكن ينبغي إصلاح العرض السياسي الذي يدعوه إلى المشاركة.
7. هل استطاعت المرأة المغربية فرض حضورها السياسي؟ وما السبل الكفيلة بتعزيزه؟
حققت المرأة المغربية تقدمًا مهمًا على مستوى الحضور العددي داخل المؤسسات المنتخبة، لكن الانتقال من الحضور إلى التأثير ما يزال غير مكتمل. القضية أن أكبر من ترشيح النساء للوصول إلى المؤسسة التشريعية، بل أن تشارك في صنع القرار، وأن تقود اللجان والهيئات، وأن تصل إلى مواقع المسؤولية على أساس الكفاءة والاستحقاق. ما تزال النساء يواجهن عوائق مرتبطة ببنية الأحزاب، والتمويل الانتخابي، والصور النمطية، وتقسيم الأدوار داخل الأسرة، وأشكال العنف الرمزي والرقمي. كما أن بعض التنظيمات تتعامل مع تمثيلية النساء باعتبارها استجابة قانونية، لا خيارًا ديمقراطيًا.
تعزيز الحضور النسائي يتطلب دعم المناصفة، وتوفير شروط عادلة للترشح، ومحاربة العنف السياسي، وتقوية الاستقلال الاقتصادي للنساء، وإعادة بناء التربية والثقافة على أساس المساواة. فالمجتمع الذي يقصي نصف كفاءاته يحكم على نفسه بأن يفكر بنصف عقله ويعمل بنصف طاقته.
8. ما الرسائل التي تودون توجيهها إلى الشباب الذين سيشاركون في الانتخابات لأول مرة؟
أقول لهم: صوتوا، مارسوا حقكم وواجبكم الدستوري، لا تمنحوا أصواتكم بوصفها هدية لأحد، ولا تتعاملوا معها باعتبارها ورقة بلا قيمة. الصوت موقف ومسؤولية، لكنه ليس شيكًا على بياض. اسألوا المرشح عن برنامجه، ومصدر تمويل وعوده، وموقفه من قضايا التعليم والشغل والحريات والعدالة الاجتماعية، ثم تابعوا أداءه بعد انتخابه.
لا تسمحوا لأحد بأن يقنعكم بأن السياسة شأن لا يعنيكم، فحين تبتعدون عنها لا تبتعد هي عنكم. السياسة موجودة في جودة جامعتكم، وفرصة عملكم، وثمن السكن، ووسيلة النقل، والمستشفى الذي تقصدونه، والفضاء الذي تمارسون فيه حريتكم.
لكن المشاركة لا تبدأ يوم التصويت ولا تنتهي عنده. يمكن للشباب أن يشاركوا عبر الأحزاب والجمعيات والنقابات والمبادرات المدنية والإعلام والمساءلة الرقمية. وأدعوهم إلى ألا يستبدلوا التبعية الحزبية بالتبعية لخوارزميات التواصل الاجتماعي، فالديمقراطية تحتاج إلى مواطن يتحقق ويفكر ويناقش وغلى فعل مادي في لواقع الاجتماعي، لا إلى متلقٍّ يعيد نشر ما يوافق غضبه في العالم الافتراضي.
9. هل أصبحت البرامج الانتخابية معيارًا حقيقيًا في اختيار الناخب؟
ما تزال البرامج الانتخابية أضعف من أن تكون المعيار الحاسم لدى قطاع واسع من الناخبين. تؤثر في السلوك الانتخابي اعتبارات القرابة والانتماء المحلي والخدمات الشخصية والمال الانتخابي وصورة المرشح، فضلًا عن ولاءات تاريخية أو عاطفية. لكن المسؤولية لا تقع على الناخب وحده، فكثير من البرامج متشابهة، مكتوبة بلغة عامة، وممتلئة بوعود لا توضح كلفتها أو آجالها أو طرق تنفيذها. عندما تتشابه البرامج، يتحول الاختيار إلى الأشخاص والشبكات.
لكي يصبح البرنامج معيارًا حقيقيًا، يجب أن يكون واضحًا وقابلًا للقياس، وأن يبين الأولويات والموارد والجدول الزمني. كما ينبغي أن تقدم الأحزاب حصيلة صريحة لما نفذته من التزاماتها السابقة. البرنامج عقد سياسي يتيح للمواطن أن يسأل بعد خمس سنوات: ماذا وعدتم، وماذا أنجزتم، ولماذا أخفقتم؟
10. كيف يمكن الحد من العزوف والتصدي للممارسات التي تمس نزاهة الانتخابات؟
العزوف ليس مرضًا يصيب المواطن من تلقاء نفسه، إنه في جانب منه حكم سياسي صامت على ضعف العرض الانتخابي. لذلك لا تكفي الدعوة الأخلاقية إلى التصويت، يجب جعل المشاركة ذات معنى، عبر مرشحين ذوي مصداقية وبرامج واضحة ومؤسسات تستجيب للمساءلة.
أما نزاهة الانتخابات فتقتضي الحزم في مواجهة استعمال المال وشراء الأصوات واستغلال النفوذ والموارد العمومية. ويجب أن تكون المراقبة فعالة، والعقوبات سريعة ومتناسبة، وأن تُنشر المعطيات المتعلقة بتمويل الحملات ومصاريفها بدرجة أكبر من الشفافية.
كما ينبغي مراجعة طرق اختيار المرشحين داخل الأحزاب، لأن فساد الانتخابات يبدأ أحيانًا قبل فتح مكاتب التصويت، عندما تباع التزكيات أو تمنح وفق منطق الولاء والنفوذ. لا يمكن تنظيف يوم الاقتراع من دون تنظيف الطريق المؤدية إليه. ومن خلال ما بدا لنا حتى اليوم فإن منطق استمرارية نفس الوجوه ومنطق أن الدائرة الانتخابية في الجيب هو المتحكم.
11. ما الصفات التي ينبغي أن يتحلى بها المرشح الجدير بثقة المواطنين؟
ينبغي أن تتوافر فيه ثلاثة شروط أساسية: النزاهة والكفاءة والقرب من الناس. النزاهة من دون كفاءة قد تنتج ممثلًا حسن النية لكنه عاجز، والكفاءة من دون نزاهة قد تتحول إلى أداة أكثر فعالية لخدمة المصالح الخاصة، أما القرب من دون رؤية فينتهي إلى توزيع الوعود والخدمات الفردية.
المرشح الجدير بالثقة هو من يعرف اختصاصات البرلمان، ويميز بين ما يستطيع النائب إنجازه وما لا يدخل ضمن صلاحياته، فلا يبيع للناس أوهامًا انتخابية. وهو من يمتلك القدرة على التشريع والرقابة والتفاوض والإنصات، ويقبل بأن يقدم حسابًا دوريًا عن عمله.
والأهم أن يكون مستقل الضمير، حتى وهو منضبط لحزبه، لأن الانتماء الحزبي لا ينبغي أن يلغي المسؤولية الأخلاقية. النائب يمثل الأمة، ولا يجوز أن يتحول إلى مجرد رقم لاستكمال الأغلبية أو إلى موظف في خدمة زعيم أو شبكة مصالح.
12. ما الدور الذي ينبغي أن تضطلع به وسائل الإعلام في مواكبة الانتخابات ومحاربة التضليل؟
الإعلام ليس ملحقًا بالحملات الانتخابية، ولا منصة محايدة بالمعنى السلبي للكلمة. مسؤوليته أن يوفر للمواطن المعلومات التي تمكّنه من الاختيار الحر والواعي، وأن يفحص البرامج والوعود والسير الذاتية للمرشحين، وأن يكشف تضارب المصالح ومصادر التمويل والمعلومات المضللة.
الحياد المهني لا يعني مساواة الحقيقة بالكذب، ولا منح المساحة نفسها للمعلومة الموثقة والإشاعة. وظيفة الصحافي ليست ترديد تصريحات السياسيين، بل مساءلتها ووضعها في سياقها ومقارنتها بالوقائع.
كما ينبغي ضمان تعددية حقيقية في الولوج إلى وسائل الإعلام، وعدم اختزال النقاش في الأحزاب الكبرى أو الوجوه المألوفة. ويجب الاستثمار في صحافة البيانات والتحقق الرقمي، لأن الانتخابات المقبلة ستدور أيضًا داخل فضاء إلكتروني يمكن أن تنتشر فيه الأخبار الزائفة والصور المصطنعة وحملات التشهير بسرعة هائلة.
غير أن محاربة التضليل لا ينبغي أن تتحول إلى ذريعة لتقييد حرية التعبير. الرد على الكلام الرديء هو المزيد من المعلومات الدقيقة والنقاش الحر، مع تطبيق القانون على التشهير والتحريض والتلاعب المنظم.
13. في ختام الحوار، ما الرسالة التي تودون توجيهها إلى المواطنات والمواطنين؟
أقول لهم إن الديمقراطية بناء يومي يقوم على الحرية والمسؤولية والمشاركة والمحاسبة. قد يكون صوت واحد غير كاف لتغيير كل شيء، لكن التخلي الجماعي عن الأصوات يتيح للآخرين أن يقرروا نيابة عنا.
لا تبحثوا عن المرشح الكامل، فهو غير موجود، بل عن الأكثر نزاهة وكفاءة ووضوحًا واستعدادًا للمحاسبة. لا تبيعوا أصواتكم لمن يشتري لحظة من حاجتكم ليملك سنوات من قراركم. ولا تجعلوا الخيبة سببًا للتنازل عن حقكم، بل اجعلوها دافعًا إلى اختيار أدق ومراقبة أشد.
وفي المقابل، أقول للأحزاب والمرشحين إن المواطن لم يعد يقبل لغة الوصاية أو الوعود السهلة. إنه يريد سياسة تحترم ذكاءه، وتعترف بمشكلاته، وتقول له ما تستطيع فعله وما تعجز عنه. مستقبل الديمقراطية يتوقف ليس على عدد المتوجهين إلى صناديق الاقتراع، وإنما على مقدار الثقة التي يشعرون بأن أصواتهم تستحقها.
فالانتخابات ليست نهاية السياسة، وإنما لحظة من لحظاتها. وبعد إغلاق صناديق الاقتراع تبدأ المسؤولية الحقيقية: مسؤولية المنتخب في الوفاء والمحاسبة، ومسؤولية المواطن في المتابعة والنقد، ومسؤولية الإعلام في كشف الحقيقة، ومسؤولية المؤسسات في جعل القانون أقوى من المال والنفوذ. عندها فقط يصبح التصويت مشاركة في صناعة المستقبل، لا مجرد وضع ورقة في صندوق حتى ولو كان من زجاج.
