ياسين الجاني: «الثقة لا تُستعاد بالشعارات… والسياسة تُصنع بالذين يحضرون لا بالذين ينسحبون»

0

ياسين الجاني: «الثقة لا تُستعاد بالشعارات… والسياسة تُصنع بالذين يحضرون لا بالذين ينسحبون»

دردشة مع ياسمين الحاج

الانتخابات التشريعية بين تجديد النخب واستعادة ثقة المواطن
بين صناديق الاقتراع وثقة المواطن، وبين تجديد النخب السياسية وانتظارات الشباب، تقترب الانتخابات التشريعية المقبلة حاملة معها أسئلة أكبر من مجرد التنافس على المقاعد؛ أسئلة تتعلق بمستقبل العمل السياسي، ونجاعة المؤسسات، وقدرة النخب على تحويل البرامج والوعود إلى سياسات ملموسة يشعر المواطن بأثرها في حياته اليومية.
في هذه الحلقة من «دردشة مع ياسمين الحاج»، نستضيف الأستاذ ياسين الجاني، الفاعل السياسي والاقتصادي والمدني، الذي راكم تجربة مهنية في قطاع الاتصالات وتدبير المقاولة الاقتصادية، ومسارا سياسيا بدأ من القواعد وتدرج عبر المسؤوليات المحلية والجهوية وصولا إلى المكتب السياسي، إلى جانب تجربة في العمل الجماعي والجمعوي.
نفتح معه نقاشا صريحا حول رهانات الانتخابات التشريعية المقبلة، وتجديد النخب، وأداء المؤسسة التشريعية، واستعادة ثقة المواطن، ومشاركة المرأة، ودور الشباب، ومواجهة العزوف الانتخابي والمال السياسي، ومعايير اختيار المرشح القادر على حمل ثقة الناخبين.
ياسين الجاني: من عالم المقاولة إلى الفعل السياسي
ياسين الجاني:
أهلا بكم، وشكرا جزيلا لجريدة «الإنماء» وللإعلامية ياسمين الحاج على هذه الدعوة الكريمة وهذه النافذة الحوارية الراقية.
أخوكم ياسين الجاني، فاعل سياسي واقتصادي ومدني. ينطلق مساري المهني من تجربة كإطار سابق في قطاع الاتصالات، قبل الانتقال إلى تدبير مقاولة اقتصادية، وهي تجربة مكنتني من استيعاب نسيج عالم المقاولة والتحديات التنموية الميدانية.
أما على المستوى السياسي، فقد تدرجت في الفعل السياسي والحزبي من القواعد؛ إذ كانت البداية من تنظيمات القرب كرئيس للشبيبة الحزبية، مرورا بعضوية المكتب المحلي، ثم تحمل المسؤولية على المستوى الجهوي، وصولا إلى عضوية المكتب السياسي للحزب.
وهي تجربة أغنيتها بالممارسة الميدانية كمستشار جماعي حالي، وخوض غمار الترشح لمجلس المستشارين، إلى جانب مسار متواصل كفاعل جمعوي مساهم في العديد من المبادرات والأعمال الاجتماعية.
إن الدافع الأساسي الذي قادني للانخراط في العمل العام هو الإيمان الراسخ بضرورة التغيير من الداخل، ونقل تجربة التدبير المهني والاقتصادي والعمل الميداني القريب من المواطنين إلى ساحة القرار السياسي.
واليوم، أنظر إلى مسؤولية الفاعل السياسي في ظل الاستحقاقات التشريعية المقبلة باعتبارها أمانة وطنية ثقيلة ومحطة مفصلية؛ إذ لم يعد مسموحا بالاكتفاء بالخطابات والشعارات، بل أصبحت المسؤولية تفرض تقديم نخب تجمع بين الخبرة التدبيرية، والنزاهة، والواقعية في طرح الحلول الاستراتيجية لمواجهة التحديات الاقتصادية والاجتماعية التي يمر بها المغرب، واستعادة ثقة المواطن في المؤسسات التمثيلية.
1. التعريف والمسار والدوافع
ياسين الجاني:
أهلا بكم، وشكرا لجريدة «الإنماء»ولجريدة كنز نيوز وللإعلامية ياسمين الحاج على هذه الاستضافة الكريمة.
إنسانا وفاعلا في الشأن العام، جاء انخراطي في العمل المدني والسياسي نابعا من إيمان راسخ بأن المواطنة ليست مجرد صفة قانونية، بل هي ممارسة وإسهام فعلي في تنمية الوطن وإصلاح الواقع.
ننظر اليوم إلى مسؤولية الفاعل السياسي بكثير من التواضع والأمانة؛ فالاستحقاقات التشريعية المقبلة تأتي في ظرفية وطنية ودولية دقيقة ومملوءة بالتحديات الاقتصادية والاجتماعية والمناخية، مما يجعل العمل السياسي ليس مجرد تنافس على المقاعد، بل التزاما أخلاقيا ووطنيا يستوجب إنتاج حلول مبتكرة ومصداقية في التفاعل مع انتظارات المواطنين.
2. أهمية الانتخابات التشريعية المقبلة ورهاناتها
تكمن أهمية هذه الاستحقاقات في كونها محطة لتقييم المسار وتجديد الدماء في المؤسسات الدستورية.
وأبرز الرهانات التي تميزها تتمثل في:
الرهان الاقتصادي والاجتماعي: تثبيت دعائم الدولة الاجتماعية، من خلال تعميم التغطية الصحية، وإصلاح التعليم والصحة، وتوفير فرص الشغل.
تجاوز الرهانات التقليدية: الانتقال من الوعود الانتخابية العامة إلى نجاعة التنزيل الميداني للسياسات العمومية.
إعادة بناء الثقة: إثبات قدرة الصناديق على إحداث الفارق الحقيقي في الحياة اليومية للمواطن.
3. كيف تقيمون المشهد السياسي المغربي؟ وهل يحتاج إلى تجديد النخب؟
المشهد السياسي المغربي يعيش حالة من الدينامية والتجاذب في آن واحد. هناك جهود تبذل، لكن التحدي الأكبر يكمن في قدرة الأحزاب السياسية على القيام بأدوارها المؤطرة والمكونة للنخب.
المشهد اليوم يحتاج إلى تجديد آليات التنشئة السياسية وفتح الأبواب أمام الكفاءات الطموحة والطاقات الشابة والجامعية.
تجديد النخب ليس خيارا، بل ضرورة ملحة لإيجاد نخب تمتاز بالحكامة والنزاهة والاستيعاب الدقيق لمتطلبات العصر.
4. كيف تقيمون أداء المؤسسة التشريعية؟
شهدت الولاية الحالية أدوارا مهمة للمؤسسة التشريعية في تنزيل مجموعة من النصوص القانونية الهيكلية.
ومع ذلك، يظل هناك تباين بين حجم التشريع وبين النجاعة في الرقابة البرلمانية وتقييم السياسات العمومية.
المواطن ما يزال يشعر أحيانا بوجود مسافة بين النقاش البرلماني وتفاصيل معاناته اليومية.
المطلوب مستقبلا هو تفعيل أكبر لآليات الرقابة، وحضور أكبر للبرلمانيين في مناطق نفوذهم الانتخابي للتواصل المستمر، ليكون التشريع استجابة مباشرة لنبض الشارع.
5. ما أولويات البرلمان المقبل؟
يجب أن تتركز الأولويات حول ثلاثة أبعاد رئيسية:
أولا: التنمية الاقتصادية التشغيلية، من خلال تشجيع الاستثمار، ودعم المقاولات الصغرى والمتوسطة، وخلق فرص شغل مستدامة للشباب.
ثانيا: الأمن المائي والغذائي، عبر التشريع والتتبع الصارم لقضايا الإجهاد المائي ومواجهة التغيرات المناخية.
ثالثا: تجويد الخدمات الأساسية، عبر التمكين الاجتماعي لجميع الفئات، وحكامة قطاعي الصحة والتعليم، وتنزيل ورش حماية الطبقة المتوسطة.
6. كيف يمكن استعادة ثقة المواطن في العمل السياسي؟
الثقة لا تستعاد بالشعارات، بل بالمصداقية والإنجاز.
ويستلزم ذلك:
الوفاء بالالتزامات الواردة في البرامج الانتخابية.
اعتماد شفافية مطلقة في تدبير الشأن العام وتخليق الحياة السياسية.
ربط المسؤولية بالمحاسبة بشكل فعلي وملموس.
التواصل السياسي المستمر وغير المرتبط بالمواسم الانتخابية فقط.
7. المرأة المغربية والمناصفة السياسية
حققت المرأة المغربية مكاسب مهمة بفضل الرعاية الملكية السامية والتعديلات التشريعية وآلية الكوتا، لكن الوصول إلى المناصفة الفعلية ومواقع القرار التنفيذي والسياسي ما زال يصطدم بعوائق ثقافية واجتماعية، إضافة إلى تمثلات بعض الأحزاب المسكونة بأساليب التدبير التقليدية.
تعزيز حضور المرأة يتطلب مراجعة وتطوير القوانين المنظمة للأحزاب والمجالس المنتخبة، وإتاحة الفرص لها بناء على الكفاءة والاستحقاق داخل الهياكل القيادية للأحزاب.
8. ما رسالتكم للشباب الذين سيشاركون لأول مرة؟
رسالتي لهم:
«صوتكم هو أداة التغيير الأكثر سلمية ونجاعة».
المقاطعة والعزوف لن يغيرا الواقع، بل يتركان المساحة للآخرين ليقرروا نيابة عنكم.
مشاركتكم واختياركم الواعي المبني على البرامج والكفاءة هو الخطوة الأولى لبناء المغرب الذي تطمحون إليه.
كونوا فاعلين ومسائلين ومشاركين، فالسياسة تصنع بالذين يحضرون لا بالذين ينسحبون.
9. هل أصبحت البرامج الانتخابية معيارا حقيقيا لاختيار الناخب؟
واقعيا، نعيش في مرحلة انتقالية. البرامج الانتخابية أصبحت تحظى باهتمام متزايد لدى الفئات المتعلمة والشباب، لكن الاعتبارات الشخصية والروابط المحلية والتأثيرات المالية أو العلاقات الاجتماعية ما تزال تلعب دورا كبيرا في توجيه السلوك الانتخابي لدى شرائح أخرى.
الرهان هو رفع مستوى الوعي ليصبح البرنامج القابل للتطبيق والحكامة هما المعيار الأساسي للاختيار.
10. كيف نحد من العزوف ونواجه الممارسات التي تمس بالنزاهة؟
مواجهة العزوف والممارسات غير المشروعة تتطلب:
صرامة قانونية وقضائية: التطبيق الصارم للقانون ضد استخدام المال السياسي أو الضغط على الناخبين.
التوعية والتحسيس: دور الإعلام والمجتمع المدني في تبيان خطورة «بيع الصوت» على مستقبل الخدمات العمومية بالمنطقة.
تخليق الأحزاب لذواتها: تزكية مرشحين ذوي سمعة طيبة وكفاءة عالية يفرضون الاحترام والنزاهة تلقائيا.
11. ما صفات المرشح الذي يستحق ثقة المواطن؟
ينبغي أن يتحلى بـ:
النزاهة ونظافة اليد: كشرط أساسي لا تنازل عنه.
الكفاءة والتكوين: قدرة على فهم النصوص التشريعية والسياسات العمومية والترافع عنها.
القرب والإنصات: أن يكون متواجدا مع المواطنين ومدركا لمعاناتهم الحقيقية.
الشجاعة والمسؤولية: القادرة على قول الحق والدفاع عن المصلحة العامة دون حسابات ضيقة.
12. ما دور الإعلام في الاستحقاقات الانتخابية؟
الإعلام مسؤولية وطنية وسلطة رابعة رصينة.
دوره يتجلى في:
تنوير الناخبين: شرح البرامج السياسية ومقارنتها بموضوعية بدلا من الترويج السطحي.
محاربة الشائعات والأخبار المضللة: التحري الدقيق وإتاحة المعلومة الصحيحة للجمهور.
التثقيف الديمقراطي: تشجيع المواطنين، وخاصة الشباب، على المشاركة وحثهم على التدقيق في الاختيارات.
13. أحداث سبتة وقضايا الشباب: هل نحن أمام جرس إنذار؟
أحداث سبتة وما شهدته من محاولات هجرة جماعية لفئات شابة وقاصرين هي جرس إنذار قاطع وتنبيه اجتماعي وسياسي عميق.
هذه الأحداث تعكس حالة من اليأس وفقدان الأمل لدى بعض الشباب، وضغط الهشاشة الاقتصادية والاجتماعية.
وهي رسالة مؤلمة تؤكد أن السياسات العمومية الموجهة للشباب تحتاج إلى مراجعة جذرية وعاجلة.
التحدي اليوم ليس أمنيا فقط، بل هو رهان تنموي يتطلب خلق الفرص، وتجويد منظومة التربية والتكوين المهني، وتأسيس استراتيجيات إدماج حقيقية تمنح الشباب أفقا للعيش الكريم داخل وطنهم.
14. رسالتكم الختامية للمواطنات والمواطنين
إلى كل مواطنة ومواطن:
الاستحقاقات الانتخابية المقبلة هي أمانة في أعناقنا جميعا وفرصة لتشكيل مستقبل بلدنا ومجالسنا.
لا تستهينوا بصوتكم، ولا تتركوا أحدا يقرر نيابة عنكم.
شاركوا بكثافة، واختاروا الأكفأ والأنزه والأقدر على خدمتكم وخدمة هذا الوطن العزيز.
الوطن يتقدم بمشاركة أبنائه وبوعيهم المسؤول.
كلمة أخيرة
في هذا الحوار، لا يقدم ياسين الجاني الانتخابات باعتبارها مجرد سباق نحو المقاعد، بل يضعها في إطار أوسع: اختبار حقيقي لمصداقية العمل السياسي وقدرته على استعادة المواطن من حالة الشك والعزوف إلى دائرة المشاركة والفعل.
ويبقى السؤال الذي يفرض نفسه:
هل ستنجح الانتخابات المقبلة في إنتاج نخب جديدة قادرة على الإنصات للمواطن وتحويل انتظاراته إلى سياسات وقرارات، أم سنظل ندور في الحلقة نفسها بين الوعود، والانتظار، وفقدان الثقة؟

ads
اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.