إسبانيا أمام اختبار التعايش: حين تتحول أزمة الحدود إلى توتر داخل المجتمع

0

بقلم: لبنى حنين
لم تعد التطورات الأخيرة في إسبانيا، وما رافقها من مظاهرات واحتقان حول ملف الهجرة والحدود، مجرد قضية أمنية عابرة. فالأحداث أعادت إلى الواجهة سؤالاً أكثر حساسية: إلى أي حد يمكن أن تتحول أزمة سياسية مرتبطة بالحدود إلى توتر يمس الجالية المغربية ويؤثر في العلاقات بين الشعبين المغربي والإسباني؟
وسط هذا المشهد، يبرز خطاب اليمين المتطرف باعتباره أحد أبرز الأصوات التي تحاول توظيف أزمة الهجرة والحدود في المعركة السياسية الداخلية، عبر تقديم الملف باعتباره قضية أمن وسيادة وهوية، وربطه بشكل مباشر أو غير مباشر بالمغرب.
لكن خلف الشعارات السياسية توجد جالية مغربية تعيش واقعاً مختلفاً؛ جالية تعمل وتدرس وتؤسس الأسر وتساهم في الاقتصاد الإسباني، ولا ينبغي أن تتحول إلى طرف في خلاف سياسي بين الحكومات.
عمر كعواشي: الجالية لا يجب أن تتحول إلى ضحية للتجاذبات
وفي قراءة لهذا المشهد من زاوية الجالية المغربية، يرى عمر كعواشي، رئيس جمعية عالم المغاربة بفرنسا والمهتم بقضايا الجالية المغربية، أن المرحلة تتطلب قدراً كبيراً من الهدوء والوعي، خصوصاً في ظل تصاعد الخطاب المتشنج المرتبط بالهجرة والمغرب.
ويؤكد كعواشي، في هذا السياق، أن الجالية المغربية ليست امتداداً لأي صراع سياسي، وإنما هي مكوّن اجتماعي يعيش داخل البلدان الأوروبية ويساهم في بنائها، وبالتالي فإن تحميلها مسؤولية الخلافات السياسية أو تحويلها إلى هدف للخطاب المتطرف من شأنه أن يهدد سنوات من التعايش.
وتزداد أهمية هذا الموقف في ظل مخاوف من أن يؤدي ارتفاع منسوب التوتر إلى احتكاكات اجتماعية، خصوصاً إذا انتقلت الخطابات المتطرفة من المنابر السياسية إلى الشارع ومواقع التواصل الاجتماعي.
الخطر يبدأ عندما يصبح الاختلاف كراهية
المشكلة ليست في أن يختلف الإسبان حول سياسة الهجرة، فهذا جزء طبيعي من النقاش الديمقراطي.
المشكلة تبدأ عندما يتحول النقاش من انتقاد السياسات إلى استهداف الأشخاص بسبب أصولهم.
فالمغربي المقيم في إسبانيا ليس مسؤولاً عن تدبير الحدود، كما أن المواطن الإسباني العادي ليس مسؤولاً عن القرارات التي تتخذها الحكومات.
وبين الطرفين توجد علاقات إنسانية واقتصادية واجتماعية أقوى بكثير من الخطابات التي تحاول زرع القطيعة.
بين مدريد والرباط… لا ينبغي أن يدفع الشارع الثمن
إن استمرار التوتر دون خطاب مسؤول قد يجعل الجالية المغربية أمام وضع حساس، خصوصاً في المدن التي تعرف حضوراً مغربياً كبيراً.
وهنا تصبح مسؤولية المؤسسات الإسبانية والأحزاب السياسية مضاعفة: حماية الحق في الاحتجاج، مع التصدي في الوقت نفسه لأي خطاب يحرض على العنصرية أو الكراهية.
كما أن مسؤولية الفاعلين المغاربة وممثلي الجالية لا تقل أهمية، من خلال الدعوة إلى ضبط النفس، ورفض الاستفزاز، وفتح قنوات الحوار مع المجتمع الإسباني.
الكلمة الأخيرة
قد تختلف الحكومات، وقد تتوتر العلاقات، وقد ترتفع أصوات الاحتجاج.
لكن الشعوب لا ينبغي أن تتحول إلى رهينة لهذه الخلافات.
فالمغاربة والإسبان يتقاسمون جغرافيا واحدة تقريباً، ومصالح مشتركة، وروابط اقتصادية وإنسانية متشعبة.
ولهذا فإن التحدي الحقيقي اليوم ليس في معرفة من سيرفع صوته أكثر، وإنما في معرفة من يستطيع أن يمنع الأزمة السياسية من التحول إلى أزمة بين الناس.
وإذا كانت الحدود تحتاج إلى الأمن، فإن المجتمعات تحتاج قبل كل شيء إلى الحكمة.
لأن الخلاف بين الحكومات يمكن أن ينتهي باتفاق… أما الجرح الذي تتركه الكراهية بين الشعوب فقد يحتاج سنوات حتى يلتئم.

ads
اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.