الانتخابات التشريعية في المغرب ورهانات الخطاب الإعلامي المسؤول
فاس: محمد أمقران حمداوي
تُعد الانتخابات التشريعية إحدى أهم المحطات الديمقراطية في حياة الأمم، لأنها تمثل مناسبة دستورية وسياسية يختار من خلالها المواطنون ممثليهم في المؤسسة التشريعية، ويعبرون عن تطلعاتهم ورؤيتهم لمستقبل البلاد. وفي المغرب، تكتسي الانتخابات التشريعية أهمية خاصة، بالنظر إلى المكانة التي يحتلها البرلمان في البناء الدستوري، وإلى الدور الذي تضطلع به الأحزاب السياسية ووسائل الإعلام في تأطير المواطنين وتوجيه النقاش العمومي.
ومع اقتراب الاستحقاقات التشريعية لسنة 2026، المقرر تنظيمها يوم 23 شتنبر، يبرز الإعلام باعتباره أحد أهم الفاعلين في إنجاح هذه المحطة الديمقراطية. فالانتخابات لا تُحسم فقط في صناديق الاقتراع، بل تسبقها معركة أخرى لا تقل أهمية، وهي معركة الأفكار والبرامج والخطابات والصور والمعلومات. ومن هنا تبرز الحاجة إلى خطاب إعلامي مسؤول يجعل من المواطن محور العملية الانتخابية، ويساعده على الاختيار الحر والواعي بعيداً عن التضليل والتأثير غير المشروع.
أولا: الانتخابات التشريعية محطة لترسيخ الاختيار الديمقراطي
لا ينبغي النظر إلى الانتخابات التشريعية باعتبارها مجرد عملية تقنية تهدف إلى انتخاب أعضاء مجلس النواب، بل هي قبل ذلك ممارسة سياسية ومدنية تجسد حق المواطنين في المشاركة في تدبير الشأن العام. فمن خلال صناديق الاقتراع، يمنح المواطن ثقته لبرنامج سياسي معين، أو يحجبها عنه، ويختار من يراه أكثر قدرة على تمثيل مصالحه والدفاع عن قضاياه داخل المؤسسة التشريعية.
وتبرز أهمية الانتخابات التشريعية في كونها تساهم في تجديد النخب السياسية، وإعادة تشكيل الخريطة الحزبية، وإفراز أغلبية ومعارضة، وفتح المجال أمام تنافس البرامج والتصورات المختلفة حول قضايا التنمية والتعليم والصحة والتشغيل والعدالة الاجتماعية وغيرها من القضايا التي تهم حياة المواطنين.
غير أن نجاح الانتخابات لا يقاس فقط بنسبة المشاركة أو بعدد الأصوات التي يحصل عليها هذا الحزب أو ذاك، وإنما يقاس أيضاً بمدى توفر المواطن على معلومات صحيحة ومتوازنة تساعده على اتخاذ قراره عن وعي واقتناع.
وهنا تتجلى المكانة المحورية للإعلام.
ثانيا: الإعلام شريك أساسي في العملية الديمقراطية
أصبح الإعلام في العصر الحديث قوة مؤثرة في تشكيل الرأي العام، بل إن تأثيره تجاوز في بعض الأحيان تأثير الخطابات السياسية التقليدية. فالصحافة المكتوبة، والإذاعة، والتلفزيون، والمواقع الإلكترونية، ومنصات التواصل الاجتماعي، أصبحت جميعها فضاءات لتداول الأفكار والمواقف والبرامج السياسية.
وفي الفترات الانتخابية، تتضاعف مسؤولية وسائل الإعلام، لأنها تتحول إلى منبر لعرض البرامج الحزبية، ومناقشة القضايا الوطنية، ومساءلة المرشحين، ومقارنة الوعود بالإنجازات.
ولهذا، فإن الإعلام المسؤول لا ينبغي أن يكون مجرد ناقل للخطابات الانتخابية، بل عليه أن يؤدي وظيفة أكثر عمقاً، تتمثل في تفسير البرامج السياسية وتحليلها ومقارنتها، وإتاحة الفرصة للمواطن من أجل فهم الرهانات الحقيقية للاستحقاق الانتخابي.
وقد أكدت الهيئة العليا للاتصال السمعي البصري في تأطيرها للانتخابات التشريعية لسنة 2026 أن التعددية الإعلامية ترتبط أساساً بحق المواطنين في الحصول على خبر متنوع ومتوازن وموثوق، بما يساعدهم على تكوين رأي حر وممارسة حقهم في التصويت عن وعي ودراية.
ومن ثم، فإن الإعلام الانتخابي الناجح هو الذي ينتقل من منطق الترويج للأشخاص إلى منطق مناقشة الأفكار، ومن منطق الإثارة إلى منطق التوعية، ومن البحث عن السبق الصحفي فقط إلى البحث عن الحقيقة وخدمة المصلحة العامة.
ثالثا: الحياد والإنصاف أساس الخطاب الإعلامي المسؤول
من أهم رهانات الخطاب الإعلامي خلال الانتخابات احترام مبدأ الحياد. فالوسيلة الإعلامية لا ينبغي أن تتحول إلى أداة للدعاية لحزب سياسي أو مرشح معين، كما لا ينبغي أن تستعمل نفوذها من أجل التأثير الخفي في اختيارات المواطنين.
ولا يعني الحياد أن يتخلى الإعلام عن حقه في النقد والتحليل، بل يعني أن يمارس هذا الحق وفق قواعد مهنية واضحة، تقوم على احترام الحقيقة والتوازن وإتاحة الفرصة لمختلف الآراء.
فالصحفي المسؤول يستطيع أن ينتقد برنامجاً انتخابياً دون أن يتحول إلى خصم سياسي، كما يستطيع مساءلة المرشح دون أن يتحول إلى داعم لمنافسه.
وقد وضعت الهيئة العليا للاتصال السمعي البصري ضوابط خاصة بالفترة الانتخابية لسنة 2026 تروم ضمان تعددية التعبير السياسي ونزاهة النقاش العمومي وحيادية وسائل الإعلام، مع التأكيد على ضرورة الفصل بين الخبر والتعليق، واحترام الحياد المهني للصحفيين والمنشطين، وعدم إخراج تصريحات الفاعلين السياسيين من سياقها.
وهذا يفرض على المؤسسات الإعلامية اعتماد معايير مهنية دقيقة، من بينها:
التحقق من صحة الأخبار قبل نشرها؛
احترام حق الرد والتصحيح؛
التمييز الواضح بين الخبر والرأي؛
منح مختلف المتنافسين فرصاً عادلة للتعبير؛
تجنب التشهير والإهانة والمس بالحياة الخاصة؛
تقديم البرامج الانتخابية بلغة واضحة ومفهومة للمواطنين.
إن الحياد الإعلامي ليس موقفاً سلبياً، وإنما هو التزام إيجابي بالحقيقة والإنصاف.
رابعا: مواجهة الأخبار الزائفة والتضليل الانتخابي
من أكبر التحديات التي تواجه الانتخابات في العصر الرقمي انتشار الأخبار الزائفة. فقد أصبحت المعلومة تنتشر بسرعة كبيرة عبر شبكات التواصل الاجتماعي، وأصبح بإمكان أي شخص أن ينشر خبراً أو صورة أو تسجيلاً دون التأكد من صحته.
وفي فترة الانتخابات، قد تتحول الأخبار الزائفة إلى وسيلة خطيرة للتأثير في الناخبين، من خلال نشر اتهامات غير صحيحة، أو اختلاق تصريحات، أو الترويج لاستطلاعات مضللة، أو نشر صور ومقاطع فيديو خارج سياقها.
وتزداد خطورة هذا التحدي مع التطور الكبير للذكاء الاصطناعي، الذي أصبح قادراً على إنتاج صور وأصوات ومقاطع فيديو تبدو في ظاهرها حقيقية، رغم أنها قد تكون مصطنعة بالكامل.
ولهذا، أولت الهيئة العليا للاتصال السمعي البصري في قرارها الخاص بالانتخابات التشريعية لسنة 2026 أهمية خاصة لمكافحة التضليل الإعلامي، ولتأطير المحتويات الانتخابية المولدة بواسطة الذكاء الاصطناعي، ومنع المضامين المزيفة التي يمكن أن تؤدي إلى تغليط الجمهور أو المساس بنزاهة النقاش الديمقراطي.
وأمام هذه التحديات، يصبح من واجب وسائل الإعلام القيام بدور أساسي في:
التحقق من الأخبار قبل نشرها؛
كشف المعلومات المضللة وتصحيحها؛
توعية المواطنين بمخاطر الأخبار الزائفة؛
تعليم الجمهور كيفية التمييز بين المصادر الموثوقة والمصادر المشبوهة؛
الكشف الواضح عن المحتويات المولدة بواسطة الذكاء الاصطناعي عند استعمالها في سياقات إعلامية مشروعة.
فالمعركة الانتخابية اليوم ليست فقط معركة أصوات، بل أصبحت أيضاً معركة ضد التضليل.
خامسا: من إعلام الأشخاص إلى إعلام البرامج
من المظاهر التي يمكن أن تضعف الخطاب الانتخابي تركيز بعض التغطيات الإعلامية على الأشخاص أكثر من تركيزها على البرامج.
فقد يتحول النقاش الانتخابي إلى متابعة للخلافات الشخصية، أو تبادل الاتهامات، أو البحث عن الجمل المثيرة، بينما تضيع القضايا الحقيقية التي تشغل المواطن المغربي.
إن المواطن لا يحتاج فقط إلى معرفة أسماء المرشحين، بل يحتاج إلى معرفة:
ماذا يقترحون؟
كيف سيتعاملون مع البطالة؟
ما تصورهم لإصلاح المدرسة العمومية؟
كيف سيساهمون في تحسين الخدمات الصحية؟
ما رؤيتهم للتنمية المجالية وتقليص الفوارق الاجتماعية؟
كيف سيتعاملون مع قضايا الشباب والسكن والقدرة الشرائية؟
هنا تتجلى قيمة الإعلام المسؤول، لأنه يحول الانتخابات من منافسة بين الصور والشعارات إلى منافسة بين المشاريع والبرامج.
فالمواطن الواعي لا ينبغي أن يصوت لمن يملك أفضل شعار، أو أكثر حضوراً في وسائل التواصل الاجتماعي، وإنما لمن يملك تصوراً واضحاً وقابلاً للتنفيذ.
سادسا: شبكات التواصل الاجتماعي بين حرية التعبير والمسؤولية
لا يمكن الحديث اليوم عن الخطاب الانتخابي دون التوقف عند الدور المتزايد لشبكات التواصل الاجتماعي.
فهذه المنصات منحت المواطنين إمكانية التعبير المباشر عن آرائهم، وسمحت للمرشحين والأحزاب بالوصول إلى جمهور واسع دون الحاجة إلى الوسائط الإعلامية التقليدية.
لكن هذه الحرية، على أهميتها، أصبحت في بعض الأحيان مصدراً للفوضى الإعلامية.
ففي العالم الرقمي تختلط الأخبار الصحيحة بالإشاعات، والرأي بالمعلومة، والتحليل بالتشهير، والنقد المشروع بالإساءة.
ولهذا، فإن المسؤولية لا تقع على المؤسسات الإعلامية وحدها، بل تشمل أيضاً مستخدمي شبكات التواصل الاجتماعي.
فالمواطن بدوره مطالب بأن يكون مسؤولاً في استهلاك المعلومات ونشرها، وألا يتحول إلى مجرد ناقل للإشاعات.
كما أن الأحزاب السياسية والمرشحين مطالبون بالابتعاد عن الحملات الرقمية التي تقوم على السب والقذف والتشهير واستعمال الحسابات الوهمية.
إن حرية التعبير حق دستوري ومكسب ديمقراطي، لكنها لا تعني حرية نشر الأكاذيب أو الإساءة إلى كرامة الآخرين.
سابعا: الصحفي بين الحرية والمسؤولية المهنية
الصحفي خلال الفترة الانتخابية يوجد في موقع حساس، لأنه مطالب بالحفاظ على استقلاليته المهنية في ظل تنافس سياسي قوي وضغوط متعددة.
وقد يتعرض الصحفي لمحاولات التأثير أو الاستقطاب، سواء من الأحزاب السياسية أو من بعض المرشحين أو حتى من الجمهور نفسه.
ولهذا، فإن الصحافة المهنية مطالبة بالتمسك بأخلاقيات المهنة، وفي مقدمتها:
الاستقلالية، والدقة، والموضوعية، والنزاهة، واحترام الحقيقة.
فالصحفي ليس منشطاً لحملة انتخابية، وليس خصماً للأحزاب، كما أنه ليس قاضياً يصدر الأحكام السياسية.
إن مهمته الأساسية هي تقديم المعلومات وطرح الأسئلة ومساءلة المسؤولين، وتمكين المواطن من معرفة الحقائق.
وكلما كان الصحفي مستقلاً ومهنياً، ازدادت ثقة المواطنين في وسائل الإعلام.
ثامنا: ضرورة تمكين مختلف فئات المجتمع من التعبير
لا يكتمل الخطاب الإعلامي المسؤول إذا اقتصر على السياسيين والمرشحين فقط.
فالانتخابات قضية تهم جميع المواطنين، ولذلك ينبغي أن تفتح وسائل الإعلام المجال أمام مختلف فئات المجتمع للتعبير عن تطلعاتها وانتظاراتها.
ويجب أن يجد الشباب مكاناً في النقاش الانتخابي، باعتبارهم قوة أساسية في المجتمع، كما ينبغي تعزيز حضور النساء، ومغاربة العالم، والأشخاص في وضعية إعاقة.
وقد أكدت الضوابط الإعلامية الخاصة بالانتخابات التشريعية لسنة 2026 على أهمية إشراك النساء والشباب ومغاربة العالم والأشخاص في وضعية إعاقة، وضمان ولوجهم إلى البرامج الانتخابية والنقاش العمومي.
فالخطاب الديمقراطي الحقيقي لا ينبغي أن يتحدث باسم المواطنين فقط، بل يجب أن يمنحهم فرصة التعبير عن أنفسهم.
تاسعا: التربية الإعلامية مدخل لمواطن انتخابي واع
لا يكفي أن تكون وسائل الإعلام مسؤولة، بل يجب أن يكون المواطن نفسه قادراً على التعامل الواعي مع ما يتلقاه من معلومات.
ومن هنا تبرز أهمية التربية الإعلامية.
فالمواطن يحتاج إلى تعلم كيفية:
التحقق من مصدر الخبر؛
التمييز بين الخبر والرأي؛
كشف العناوين المضللة؛
مقارنة المعلومات بين أكثر من مصدر؛
عدم الانجراف وراء الصور والمقاطع المثيرة؛
فهم أهداف الدعاية السياسية.
إن الناخب الواعي هو أفضل ضمانة ضد التضليل الانتخابي.
ولهذا، فإن المدرسة والجامعة والأسرة ووسائل الإعلام ومؤسسات المجتمع المدني مطالبة جميعها بالمساهمة في تكوين مواطن يمتلك القدرة على التفكير النقدي.
فالديمقراطية لا تحتاج فقط إلى صناديق اقتراع، بل تحتاج أيضاً إلى مواطنين قادرين على الاختيار الحر.
عاشرا: نحو ميثاق أخلاقي للخطاب الإعلامي الانتخابي
إن الرهان الحقيقي خلال الانتخابات التشريعية ليس فقط ضمان وصول الأحزاب إلى وسائل الإعلام، بل ضمان أن تكون هذه الوسائل فضاءً للحوار الديمقراطي الراقي.
ولذلك، فإن الخطاب الإعلامي المسؤول ينبغي أن يقوم على مجموعة من المبادئ الأساسية:
أولاً: الحقيقة قبل السبق الصحفي.
ثانياً: البرامج قبل الأشخاص.
ثالثاً: الحوار قبل الصراخ.
رابعاً: النقد المسؤول قبل التشهير.
خامساً: التعددية قبل الاحتكار الإعلامي.
سادساً: المصلحة العامة قبل المصالح الحزبية.
سابعاً: احترام المواطن باعتباره صاحب القرار النهائي.
إن هذه المبادئ ليست شعارات أخلاقية فقط، بل هي شروط أساسية لبناء الثقة بين المواطن والإعلام والسياسة.
خاتمة
إن الانتخابات التشريعية في المغرب تمثل لحظة ديمقراطية مهمة، لكنها في الوقت نفسه اختبار حقيقي لمدى نضج الخطاب السياسي والإعلامي.
فوسائل الإعلام قادرة على أن تجعل من الانتخابات مدرسة للمواطنة، كما يمكنها، إذا غابت المسؤولية المهنية، أن تتحول إلى مصدر للتضليل والاستقطاب والتوتر.
ومن هنا، فإن الرهان الأساسي لا يكمن فقط في تنظيم انتخابات سليمة من الناحية القانونية، وإنما في توفير بيئة إعلامية سليمة تساعد المواطن على الاختيار الحر والواعي.
إن المغرب، وهو مقبل على استحقاقاته التشريعية لسنة 2026، يحتاج إلى إعلام قوي، حر ومستقل، ولكنه في الوقت نفسه مسؤول وملتزم بأخلاقيات المهنة.
نحتاج إلى إعلام لا يصنع الأصنام السياسية، ولا يهدم الأشخاص بالشائعات، ولا يبيع الإثارة على حساب الحقيقة.
نحتاج إلى إعلام يسأل الأحزاب: ماذا ستقدمون للمغرب؟
ويسأل المرشحين: كيف ستترجمون وعودكم إلى واقع؟
ويسأل المواطنين: هل اخترتم عن وعي أم تحت تأثير الخطاب والشعار والصورة؟
فحين يصبح الإعلام فضاءً للحقيقة والنقاش المسؤول، تتحول الانتخابات من مجرد منافسة على المقاعد إلى فرصة حقيقية لتجديد الثقة في السياسة وتعزيز المشاركة وبناء مستقبل ديمقراطي أكثر نضجاً.
إن الخطاب الإعلامي المسؤول ليس مجرد خيار مهني في زمن الانتخابات، بل هو واجب وطني؛ لأن صوت الإعلام قد يؤثر في الاختيار، والاختيار يرسم ملامح المستقبل.
