الانتخابات التشريعية عبر العالم بين الحقيقة والتضليل
فاس: محمد أمقران حمداوي
لم تعد الانتخابات التشريعية مجرد موعد دوري يتوجه فيه المواطنون إلى صناديق الاقتراع لاختيار ممثليهم في المؤسسات المنتخبة، بل أصبحت محطة سياسية وإعلامية بالغة الأهمية، تتقاطع فيها الإرادة الشعبية مع المصالح الحزبية والاقتصادية والإعلامية. ففي مختلف دول العالم، يفترض أن تشكل الانتخابات مناسبة لتجديد الثقة في المؤسسات، ومحاسبة الحكومات، وفتح المجال أمام برامج سياسية جديدة. غير أن هذا الموعد الديمقراطي قد يتحول أحيانا إلى ساحة للتأثير في الناخبين، خصوصا عندما تتداخل الحملات الانتخابية مع الأخبار المضللة، والدعاية السياسية، واستعمال شبكات التواصل الاجتماعي لنشر معلومات غير دقيقة أو مجتزأة. وبينما تظل صناديق الاقتراع التعبير الأبرز عن الاختيار الشعبي، تطرح المرحلة السابقة على التصويت سؤالا جوهريا: هل يختار المواطن بناء على الحقيقة والمعرفة، أم بناء على صورة سياسية جرى تشكيلها بواسطة خطاب انتخابي وإعلامي قد لا يعكس دائما الواقع؟
أولا: الانتخابات التشريعية… حين تتحول البرامج إلى اختبار للحقيقة
تقوم الانتخابات التشريعية في الأنظمة الديمقراطية على مبدأ أساسي يتمثل في تمكين المواطن من الاختيار بين مشاريع وبرامج سياسية مختلفة. ولذلك يفترض أن تكون الحملة الانتخابية مجالا لتقديم الحلول، ومناقشة السياسات العمومية، وتوضيح مواقف الأحزاب والمرشحين من قضايا الاقتصاد والتعليم والصحة والتشغيل والعدالة الاجتماعية وغيرها. لكن الإشكال يبدأ عندما تتراجع لغة البرامج والأرقام والمعطيات أمام لغة الشعارات والوعود الانتخابية. فقد يقدم حزب ما وعودا كبيرة دون توضيح مصادر تمويلها أو الآليات التي ستسمح بتنفيذها، بينما يلجأ آخر إلى استثمار مشاعر الخوف أو الغضب أو الأمل لدى الناخبين من أجل كسب الأصوات. وهنا يصبح المواطن أمام ضرورة التمييز بين ما هو برنامج قابل للتنفيذ وما هو مجرد خطاب انتخابي جذاب.
وتزداد أهمية هذا التمييز عندما يتعلق الأمر بالأرقام والمعطيات الاقتصادية والاجتماعية. فالأرقام قد تكون صحيحة في أصلها، لكنها تصبح مضللة إذا اقتطعت من سياقها أو قدمت بطريقة توحي بنتائج لا تعكس الحقيقة كاملة. وقد يتم استحضار إنجازات حكومية دون الحديث عن جوانب القصور، أو التركيز على الإخفاقات دون الإشارة إلى الظروف التي أحاطت بها. ومن ثم، فإن الحقيقة الانتخابية لا ينبغي أن تختزل في جملة أو شعار، وإنما تحتاج إلى قراءة متأنية للبرامج، ومقارنة الوعود بالحصيلة، وفحص قدرة أصحابها على تحويل الخطاب إلى سياسات عمومية ملموسة.
ثانيا: الإعلام وشبكات التواصل الاجتماعي… بين تنوير الناخب وصناعة الوهم
أصبح الإعلام أحد أهم الفاعلين في الحياة الانتخابية الحديثة، فهو الذي يساهم في ترتيب القضايا المطروحة للنقاش، ويمنح السياسيين مساحة للتواصل مع المواطنين، ويساعد الناخب على فهم البرامج والمواقف. غير أن الإعلام يمكن أن يؤدي الدور المعاكس إذا غابت المهنية، وتحول الخبر إلى دعاية، والرأي إلى حقيقة، والعنوان المثير إلى وسيلة لجذب الانتباه على حساب الدقة. وقد أصبح هذا التحدي أكثر تعقيدا مع الانتشار الواسع لشبكات التواصل الاجتماعي، حيث يستطيع أي شخص نشر معلومة أو صورة أو مقطع فيديو والوصول به إلى آلاف أو ملايين المستخدمين خلال فترة قصيرة.
ولا تكمن خطورة التضليل الانتخابي دائما في اختلاق معلومات كاذبة بالكامل؛ فقد يكون التضليل أحيانا أكثر من ذلك، من خلال نشر معلومة صحيحة في سياق خاطئ، أو إعادة نشر تصريح قديم على أنه حديث، أو اجتزاء خطاب سياسي من سياقه، أو استعمال صورة لا علاقة لها بالحدث، أو تضخيم قضية هامشية وإهمال قضية أساسية. كما يمكن للخوارزميات أن تساهم في حصر المستخدم داخل دائرة من المحتويات التي تتوافق مع آرائه السابقة، فيجد نفسه محاطا بمعلومات تؤكد قناعاته ولا تعرضه بالقدر نفسه للآراء المخالفة. وفي هذه البيئة يصبح الناخب معرضا للتأثير العاطفي أكثر من اعتماده على التحليل العقلاني.
ومن هنا تبرز مسؤولية الإعلام المهني في تقديم المعلومة الانتخابية الدقيقة، والتحقق من الأخبار، والتمييز الواضح بين الخبر والتعليق والدعاية. كما تبرز مسؤولية المواطن نفسه، لأن مواجهة التضليل ليست مهمة الصحفي وحده. فالمواطن الواعي لا يشارك كل ما يصله، ولا يجعل من عدد الإعجابات والمشاركات معيارا للحقيقة، بل يسأل عن مصدر المعلومة، وتاريخها، وسياقها، ومدى توافقها مع مصادر موثوقة أخرى. وفي زمن السرعة الرقمية، أصبح التحقق من الخبر جزءا من المواطنة الديمقراطية.
ثالثا: من الناخب المتلقي إلى الناخب الواعي… حماية الديمقراطية تبدأ من الوعي
إن أخطر ما يمكن أن يصيب الانتخابات التشريعية ليس اختلاف المواطنين في اختياراتهم، فهذا الاختلاف طبيعي وصحي في المجتمعات الديمقراطية، وإنما أن يتخذ المواطن قراره بناء على معلومات كاذبة أو مضللة أو على صورة مشوهة للواقع. فالديمقراطية لا تكتمل بمجرد وجود صناديق الاقتراع، وإنما تحتاج إلى مواطن قادر على اتخاذ قرار حر ومستقل، وإلى أحزاب تقدم برامج واضحة، وإلى إعلام يتحمل مسؤوليته المهنية، وإلى مؤسسات تضمن تكافؤ الفرص واحترام قواعد المنافسة. ولذلك فإن المعركة الحقيقية في الانتخابات الحديثة لا تدور فقط حول عدد الأصوات التي يحصل عليها كل حزب، وإنما تبدأ قبل ذلك بكثير، في الفضاء الذي تتشكل فيه قناعات الناخبين.
والتصدي للتضليل الانتخابي لا يعني تقييد حرية التعبير أو منع الاختلاف السياسي، بل يعني بناء ثقافة انتخابية تجعل الحقيقة قيمة أساسية في المنافسة السياسية. ويقتضي ذلك تعزيز التربية الإعلامية والرقمية، وتعليم المواطنين كيفية التحقق من الأخبار والصور والمقاطع المتداولة، وتشجيع المناظرات القائمة على البرامج والمعطيات، ومساءلة المرشحين عن وعودهم، والاحتكام إلى الحصيلة بدل الاكتفاء بالشعارات. كما أن الأحزاب السياسية مطالبة بأن ترتقي بخطابها، فتنافس على أساس المشاريع والحلول لا على أساس التشويه الشخصي أو استثمار المخاوف والانقسامات.
وفي النهاية، تبقى الانتخابات التشريعية مرآة لدرجة نضج المجتمع السياسي والإعلامي. فإذا كان الناخب حرا في اختياره، وكان الإعلام دقيقا في نقل المعلومة، وكانت الأحزاب صادقة في عرض برامجها، وكانت المؤسسات حريصة على نزاهة العملية الانتخابية، فإن صندوق الاقتراع يصبح تعبيرا حقيقيا عن الإرادة الشعبية. أما إذا اختلطت الحقيقة بالتضليل، والبرنامج بالشعار، والخبر بالدعاية، فقد يصبح المواطن أمام اختيار لا يستند بالضرورة إلى معرفة كاملة بالواقع. ولذلك فإن حماية الانتخابات من التضليل ليست مسؤولية يوم الاقتراع وحده، بل مسؤولية تبدأ من الكلمة والصورة والمعلومة، وتمتد إلى المدرسة والإعلام والأسرة والحزب والمؤسسة، لأن الديمقراطية لا تحميها صناديق الاقتراع وحدها، وإنما يحميها أيضا وعي الناخب الذي يضع صوته فيها.
