التوجهات الجديدة للتعاون بين المغرب ودول الجنوب

0

بقلم: د.فاطمة لمحرحر

باحثة في الدراسات السياسية والعلاقات الدولية.

شهد التعاون بين بلدان الجنوب تطورا محتشما منذ مؤتمر (باندونغ) لسنة 1955م، غير أنه مع الظهور القوي للبلدان الناشئة خلال السنوات الأخيرة، يحاول هذا التعاون إعادة التوازن في العلاقات التقليدية مع بلدان الشمال، بعد اعتبار البلدان النامية لمدة طويلة أضعف البلدان المساهمة في التبادلات العالمية، وأصبحت البلدان الصاعدة فاعلين أساسيين في الاقتصاد العالمي.

وفي هذا الصدد، أشار خبراء من مكتب شمال إفريقيا التابع للجنة الاقتصادية للأمم المتحدة المكلفة بإفريقيا، أن وزن البلدان الغنية الذي كان يقدر ب 60% من الناتج الداخلي الخام مطلع القرن، قد لا يتجاوز 43% من الثروة العالمية في سنة 2030م.

وعليه، فإن بلدان الجنوب تمثل من الآن فصاعدا أكثر من نصف الناتج الداخلي العالمي، وترى بلدان الجنوب أن التعاون مع بلدان الشمال يحافظ على قاعدة تخصص تقليدي يبقي على استخلاص القيمة المضافة من تحويل المواد الأولية للشمال؛ كما نلاحظ أن التعاون جنوب-جنوب يسمح للبلدان النامية خاصة في إفريقيا بالتأثير على المفاوضات سواء على الصعيد السياسي أو الاقتصادي.

وتأسيسا على هذا المنطق، يُقدم لنا تعاون الجنوب مع الجنوب في المحيط العالمي السائد وسيلة استراتيجية للأقطار النامية لكي تسعى وراء سبل تنموية مستقلة ذاتيا نسبيا تلائم حاجات شعوبها وطموحاتهم، إذ أن خبرة العقود القليلة الماضية في أمور التنمية تعطي دروسا للمستقبل، ولعل من أهم هذه الدروس أن الجنوب بحاجة إلى تنشئة روح الكبرياء، برفع مستوى الوعي في الجنوب، بالإضافة إلى دعم هذه العملية بجهود ترمي إلى خلق رأي عام واسع من أجل تعاون الجنوب مع الجنوب.

هذا، ويتميز التعاون جنوب-جنوب بالعديد من الخصائص التي تضعه في موقع مختلف عن أساليب التعاون التقليدية بالنسبة للدول النامية، وتَنتج هذه الخصائص أساسا من طبيعة هيكل الاقتصاديات النامية، إضافة إلى نوعية وقيمة الأهداف الموضوعة من أجل تحقيقها.

وفي هذا السياق، يساهم الموقع الجغرافي الذي يتميز به المغرب في الشمال الإفريقي بين ضفتي البحر المتوسط والمحيط الاطلسي، وفي مفترق الطرق بين إفريقيا وأوروبا والعالم العربي، في أن يضطلع المغرب بدور أساسي في مجال التعاون جنوب- جنوب.

واستنادا إلى هذا المنطق، يحاول المغرب الانفتاح على شراكات جديدة ومتنوعة تجعل من التعاون جنوب- جنوب مرتكزها الأساسي، وقائمة على مقاربة مندمجة ومتعددة الأبعاد؛ إن التعاون جنوب- جنوب الذي انتهجه المغرب في سياسته الخارجية يسعى من خلاله، اكتشاف تجارب وخبرات وتبادل موارد مع دول الجنوب، وترجمتها إلى واقع يهم كل المجالات الاقتصادية والسياسية والثقافية والاجتماعية.

وبالتالي، يبرز التعاون جنوب-جنوب كخيار متاح من أجل تخلص دول الجنوب من التبعية السلبية لبلدان الشمال، واستثمار ما لديها من مقومات طبيعية ومادية وبشرية في الرقي باقتصاداتها إلى مصاف الاقتصاديات المتقدمة، ويحمل هذا الخيار في طياته العديد من الايجابيات التي يمكن أن تتوفر في آليات هذا النوع من التعاون، وخاصة فيما يتعلق بإمكانية الدخول والاندماج في الأسواق الدولية بمردودية عالية، ويتخذ التعاون جنوب-جنوب ثلاثة أشكال للتعاون، التعاون الثنائي والتعاون الثلاثي ثم التعاون الجهوي.

ونرى من جهتنا وتوافقا مع هذا المنطق، أن المغرب وبحكم اقتصاده النامي وموقعه الجغرافي في الضفة الجنوبية للعالم، يجعله بالضرورة معنيا بالتعاون جنوب- جنوب، خاصة وأن علاقاته مع بلدان الجنوب تمتد جذورها إلى ما قبل الاستقلال.

هذا، وعرفت العلاقات الثنائية مع دول الجنوب نموا مضطردا خلال السنوات الأخيرة، وتجلى ذلك في ارتفاع حجم المبادلات التجارية؛ كما تطورت بشكل ملحوظ العلاقات الاقتصادية بين المغرب والبرازيل، فهذه الأخيرة تعد أول شريك للمغرب في أمريكا الجنوبية، وهي تعد اليوم أحد اللاعبين الدوليين حيث استطاعت البرازيل الاستفادة من المقومات الذاتية والاقتصادية التي تتوفر لها، فعالميا تحتل المرتبة الخامسة من حيث عدد السكان وأيضا من حيث المساحة، إلى جانب ذلك، فالبرازيل أضخم اقتصاد في أمريكا الجنوبية وثاني اقتصاد في الأمريكيتين.

إضافة إلى ذلك، فإن دول الجنوب ومنها المغرب تَعتبر أن أهمية تجديد الحركة في سياق النظام العالمي الحالي، تكمن في إعادة التوازن إلى العالم بعد أن أثرت على أمنه واستقراره هيمنة القوى العظمى.

وفي ظل هذه التحولات الهامة، تطورت العلاقات بين المغرب ودول الجنوب بشكل ملحوظ، حيث يقدم التعاون جنوب- جنوب في المحيط العالمي السائد وسيلة استراتيجية للأقطار النامية لكي تسعى وراء سبل تنموية مستقلة ذاتيا نسبيا تلائم حاجات شعوبها ومصالحهم، ومن هنا فإن التضامن والتعاون هما من الأمور اللازمة للأقطار الجنوب.

وفي هذا الإطار، وقع المغرب 191 اتفاقية مع شركائه الدوليين في الجنوب، منها 88 مع إفريقيا و4 مع آسيا، بالتعاون مع برنامج الأمم المتحدة الإنمائي (PNUD)، من أجل نقل الخبرات بين بلدان الجنوب وتطوير مهارتهم في مجال تنسيق التعاون اللامركزي وضمان نموذج للحكم الديمقراطي التشاركي.

وفي الختام، نستطيع القول أن هاجس التنمية الاقتصادية احتل دائما مكانة متزايدة في العلاقات بين البلدان النامية والاقتصاديات الناشئة، غير أن التحديات الثقافية والسياسية ماتزال تعرقل العلاقات الجديدة بين بلدان الجنوب؛ إلى جانب ذلك، تم التأكيد في آخر اجتماع لمجموعة (BRICS) بالبرازيل على ضرورة تبني مشاريع جديدة للبنية التحتية وتبادل المعرفة، وإيلاء الكثير من الاهتمام للتكاليف البيئية والاجتماعية.

لائحة المراجع:

الهوامش والمراجع

“التعاون جنوب- جنوب يسعى بعد مرور ستين سنة على مؤتمر باندونغ إلى إعادة التوازن في التبادلات العالمية”، النهار الجديد، 26 ماي 2014، ennaharonline.com www.، (30 غشت 2015).

Zacharie BAENDA FIMBO, ” Emergence de la coopération Sud-Sud, vers une rupture avec le Nord ?”, Perspectives internationales, 2013″, op.cit., pp.4-5.

محمد يعقوب/ محمد زيدان،”التعاون الاقتصادي جنوب- جنوب بين معالم تطور اقتصاديات الجنوب واتجاهات” تشكل الجغرافيا الجديدة للعلاقات الاقتصادية الدولية”، مجلة الباحث الاقتصادي، العدد 5، يونيو، 2016، ص12.

محمد بوبوش، التوجهات السياسية الخارجية البرازيلية في عهد ديلما روسيف، تقرير أمريكا اللاتينية 2014، المرصد الالكتروني لأمريكا اللاتينية، وجدة، 2015، ص.11.

Jawad KARDOUDI, Géopolitique du Maroc, nouveau positionnement dans un monde qui change, Al Madariss, Casablanca, 2014, pp.19-20.

التحدي أمام الجنوب، تقرير لجنة الجنوب، مركز دراسات الوحدة العربية، الطبعة الأولى، يبروت، 1990، ص.70.

 

 

 

 

 

 

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.