الإبداع الأدبي والتميز
لايختلف اثنان في أن الإبداع الأدبي تميز في حد ذاته ، لأن الأدب بمفهومه العام القديم منه والحديث ، يختص بطبيعة تشتغل على أدق جزئيات اللغة في كل الثقافات وسائر الحضارات . وهو ظاهرة إنسانية ترتبط بفنون القول التي أصبحت مع التطور التكنولوجي تنتقل من النصوص الشعرية المطولة كالمعلقات والمذهبات في العصر الجاهلي بالنسبة للأدب العربي ،إلى الومضة والتوقيعات التي لايتجاوز عدد كلماتها بضع كلمات . فإلى أي حد يمكن اعتبار التميز شرطاللإبداع الأدبي؟ وألا يمكن القول :إن الإبداع الأدبي تميز وأي تميز؟
لقد اشتغلت ناقدا مؤخرا على ديوان “الحبيب”صلى الله عليه وسلم للشاعر المكناسي المهندس محمد إمامي ، فشدتني طلاوة هذا الشاعرالمبدع في طريقة تصفيف ديوانه الجامع بين الشعر والنثر. وقد أثارتني فيه قدرته على إرضاء جميع الأذواق الأدبية التقليدية منها والمعاصرة ؛ سواء في الشعر العمودي ، حيث أبدع قصائد من الروعة بمكان ، صنعة وجدة موضوعات ، أو إعرابا منه عن تعلقه الشديد بشخص الرسول محمد عليه أزكى السلام، وهو يشيد بخصاله وفضائله على عقيدة التوحيد ؛ مذكرا إيانا بسيرته العطرة ، بالاختصار المفيد والاطلاع السديد .ثم طاف بنا في ربوع وأزقة الحاضرة الإسماعيلة مكناس ، واصفا ساحة الهديم التاريخية ، والساقي الكراب الذي يعتبر معلمة المدن المغربية العتيقة ، بل جعلنا مع الطبيعة نعيش فصل الربيع من خلال قصيدة “أتانا الربيع” . ثم عرج بنا على القضية الفلسطينية بقطاع غزة ، فنقلنا عبر أثير الحياة العامة إلى تفاصيل القصيدة الحرة ، فشنف أسماعنا وأطربنا بقصيدة “مطر” حيث وقف بإمعان على أهمية الماء في حياة الإنسان ، فعاب علينا تدهور أخلاقنا ووحشية وفحش سلوكاتنا المدمرة للبيئة ، مما تسبب في انحباس المطر . وقد تساءل مع نفسه لما رأى الإنسان ينافس الحيوان في حيوانيته ، ويسأل نفسه سؤالا استنكاريا ، أنت لو كنت قطرة مطر أكنت ترغب في النزول؟ وهو بذلك يؤنب فينا جفاف الروح عندما يشير إلى ذلك بقوله الكل يرجو من السماء قطرة مطر تبلل جفاف الروح ، وتوقظ غفوة القلب !!! ويسافر بنا شاعرنا وهو يهندس خريطة الإبداع بكل الفسيفساء الإبداعية شعراونثرا ؛ فنراه تارة يوقع بحروف التميز روائع من شعر “الهايكو”وأخرى بالقصة القصيرة جدا و الومضة القصصية .وهو بذلك يسجل تميزه في منصات التواصل الإلكتروني على المستوى المحلي والعربي ، حيث تميزت قصة إحباط القصيرة جدا ، ففازت في مسابقة القصة القصيرة جدا النسخة الرابعة والثلاثين على المستوى العربي .
فهل جاء هذا الاحتفاءوالتتويج من محض الصدفة أم أن الإبداع الجاد الذي يحمل هموم الإ نسانية جمعاء شكلاومعنى يمثل تميزا حقيقيا ، لأنه يبلل جفاف الروح ، ويوقظ غفوة القلب…؟
بقلم الكاتب جمال عبد الدين المرزوقي