فاطمة سهلي طنجة
ان في تاريخ كل أمة من الأمم أحداثا جليلة ومواقف خالدة حقق الله لها فيها نصرا مبينا وفتحا مكينا، وجعلها فاتحة عهد جديد ومفتاح صحوة ويقظة بعد كبوة وغفوة، والأمة الواعية هي التي تجعل من هذه الأحداث والذكريات مناسبات تحتفل بها وتمجدها تمجيدا يليق بجلالها ويتناسب مع قيمتها فتقف عند أحداثها وتستحضر الرجال الذين صنعوا عظمتها كلما دار الحول دورته لتأخذ منها العبر وتقتبس منها النور الذي يضيء طريقها ويفتح أفق العمل أمامها ويمهد سبل النجاح لها، تقيم مناسبات واحتفالات متكررة تدعو فيها إلى تقييم تلك الأعمال وتفسيرها تفسيرا يتلاءم مع العصر وأحداثه تجني منها العظة وتقتبس منها الذكرى النافعة. ولقد دخلت أمتنا التاريخ من أوسع أبوابه وسجل رجالها من الأحداث والمواقف ما يصعب عده ووصفه، فسجلوا صفحات ذهبية فرضت نفسها على جميع الكتاب والمؤرخين، كما تداولت على عرش هذه الأمة دول إسلامية مجيدة أخذت على عاتقها خدمة الدين والعروبة فساهمت في نشر الحضارة الإسلامية بين مختلف الشعوب والأنام، وناضلت من أجل الحفاظ على الدين الإسلامي وتنقيته من الشوائب والزوائد، فوحدت هذا الوطن تحت راية الإسلام وجعلت له دولة وصولة وشخصية فذة بين الأمم، وتحملت كل دولة من الدول الإسلامية المتعاقبة عليه مسؤوليتها التاريخية بالمحافظة على الدين ورعاية مصالح رعاياها المسلمين، وعلى هذا الأساس قامت الدولة العلوية الشريفة التي اختارتها العناية الإلهية الحكيمة لتتسلم مقاليد الأمر بهذه الديار فجمع الله قلوب المغاربة منذ ما يقرب من أربعة قرون على الولاء والطاعة لإمامة البيت العلوي الشريف فكان أهله سندا عظيما للمغرب ورجاله من القادة العظام أهل تدبير وسياسة وبناء، وحرروا ما وجدوه مغتصبا من أطراف المغرب وسواحله وحصنوا المدن وبنوا المعاقل ووحدوا الشمل وأمنوا الديار، يهدون بأمر الله ويطبقون شريعته ويحيون السنن والواجبات ويميتون البدع والضلالات، حتى إذا جاء العصر الحديث وتكالبت قوى الاستعمار على هذا البلد الأمين جاء دور بطل المغرب وفقيد العروبة والإسلام مولانا محمد الخامس طيب الله ثراه الذي ناضل وكافح ووقف أمام تحديات الاستعمار بصبر وأناة، لم ينل منه تهديد ولا نفي وإبعاد، فأعاد للمغرب كيانه واستقلاله ووحدته وشخصيته، حتى إذا جاب داعي ربه رحل إلى رحمة الله ورضوانه آمنا مطمئنا وقد ترك المغرب في أيدي أمينة وتحت ظلال ولي عهده ووارث سره الذي احتفل الشعب بتولية عهده، وبايعه بيعة إسلامية على كتاب الله وسنة رسوله من بعده فانتصب رحمه الله إماما شرعيا للمغاربة وواصل مسيرة الجهاد الأكبر على الصعيد الوطني والعربي والإسلامي، وتابع مسيرة التشييد والبناء والنماء، والعمل الذي لا يعرف الكلل والملل للنهوض بهذا البلد الأمين، فشرع في بناء الاستقلال بإقامة السدود وبناء المساجد والمدارس والمعامل والمستشفيات، وتوحيد البلاد وتحرير صحراء المغرب بمسيرة حسنية تنم عن عبقرية قل أن يجود الزمان بمثلها، وعمل على بناء دولة الحق والقانون وتأسيس الشورى الإسلامية حتى تكون الأمة المغربية أمرها شورى بينها كما وصف الله أصحاب رسوله صلى الله عليه وسلم بقوله تعالى : “وأمرهم شورى بينهم”. يقول رحمه الله في الخطاب الذي ألقاه بمناسبة الذكرى الثالثة عشرة لجلوس جلالته على عرش أسلافه المنعمين “فلما استخلفنا الله على عرش هذه البلاد وتسلمنا مقاليد القيادة شاكرين لله ما أسبغ علينا من أفضال، معتزين أقوى ما يمكن الاعتزاز، بما خصنا به من شريف التكليف، وجسيم الأعباء، التزامنا بأن يكون رائدنا فيما نزاوله من مهام صالحك –شعبي العزيز-وصالح وطننا المحبوب، ولا نهاون، ولا يكل لنا عزم ولا يني لنا تصميم فيما نريده ونبتغيه ونصبوا إليه ونتوق من أسمى المطالب وأجدى المكاسب. وها نحن منذ ذلك العهد، نواصل التفكير والدرس، والرسم والإعداد والإنجاز والتحقيق غير هيابين ولا وجلين من الطرافة والاستحداث والابتكار، ونتابع المسيرة التي توافقت عليها إرادتنا وإرادتك على هدي من الله الذي نستلهم منه الطريقة المثلى، ونتكل عليه في قصد السبيل، ونستمد منه الحول والطول، والتسديد والتوفيق، وعلى هدي من ارتباط أجدادنا المقدسين برغائبك وأراجيك، ومن سيرتهم الحافلة بصالح المساعي وجليل الأعمال”
ولما اختاره الله إلى جواره آلت أمور هذا البلد الكريم على ملك شاب التحم الشعب حوله وبايعه بيعة إسلامية، فشق محجته بتدبير وحكمة، ووفر الرصيد الهائل من وسائل العمل وتطوير الأساليب والطرق، فأعطى لأفراد شعبه القاعدة الصلبة لبسط وجودهم على المستوى القاري والركيزة المنيعة لفرض اعتبارهم في المجال الدولي، وأسدل على الأمة رداء التحرير الفكري والاطمئنان المعنوي، وسهر على التجديد والتربية والتكوين، وتطوير دولة الحق والقانون.
فبين ثنايا هذا التاريخ الطويل نقف على أحداث كبرى ومواقف عظمى سجلها المؤرخون بمداد الفخر والاعتزاز، وفي سجل أعمال هؤلاء الأعلام العظام الذين اختارتهم العناية الإلهية الحكيمة ليتسلموا مقاليد الأمر بهذه الديار مواقف وأعمال ومنجزات يعجز المرء عن إحصائها وتعداد محاسنها، فتاريخ هذه الأمة حافل بالأمجاد والأيام العظام التي تستدعي الاستحضار والاحتفال كل ما دار الحول وحل الأجل لتأخذ منها العبر وتجنى منها العظة وتقتبس الذكرى. وبما أن العرش في المغرب عقيدة واتجاه، ويقين والتزام وتعاقد اجتماعي راسخ الجذور ضارب بأصوله في أعماق التاريخ جميع الأمة على كلمة واحدة ووحد الصفوف على مبدإ واحد فإن المغاربة جعلوا من يوم بيعة ملكهم وتربعه على عرش أسلافه الميامين عيدا يستحضرون فيه تاريخهم الحافل بالأمجاد والمكرمات والزاخر بالعطاءات والخيرات، ويستعرضون المنجزات فيتدفق في شرايينهم دم جديد يوحي بالعزم الصادق والإرادة الصلبة للمضي في مرحلة أخرى من مراحل البناء والتشييد، ويحرك قطار تاريخهم صوب الازدهار والنماء، يعبرون فيه على تعلقهم بملكهم وتوحدهم وراء قائدهم.
وقد تأسس الاحتفال بهذا اليوم العظيم أثناء غمرة النضال والتضحية والفداء من أجل تحرير الوطن واستقلال البلاد، فقد ارتأى الوطنيون الأحرار الاحتفال بهذا اليوم الأغر للتعبير عن التلاحم الوثيق بين العرش والشعب وللتعبير عن المحبة الصادقة والولاء الدائم والوفاء المستمر الذي يكنه المغاربة لملكهم، واستعدادهم الدائم للتضحية والكفاح من أجله وتظهر عمليا عواطف الوطنيين الحقيقية نحو ملكهم العظيم من جهة، وتفضح الفرنسيين وتكشف عن نفاقهم من جهة أخرى، فاهتدت إلى فكرة سديدة هي تأسيس عيد العرش المغربي يوم 18 نونبر الذي هو يوم جلوس جلالة الملك سيدي محمد، وقد حل ذلك اليوم وبدأت البلاد تحتفل، ولكن الإقامة وقفت موقف المنذهل الذي يريد منع الاحتفال ولكنه لا يستطيع التجرؤ في التنفيذ، وفعلا لم تستطع الوطنية المغربية أن تجعل من الاحتفال الأول عيدا رسميا ولكنه على كل حال يوما تمهيديا للعيد الرسمي الذي أسس في السنة الموالية أي سنة 1934، وهكذا انكشف للجميع أن الكتلة الوطنية لا تمثل إلا الوفاء والإخلاص الذين يحملهما الشعب المغربي نحو عرشه المجيد وملكه العظيم ومنذ ذلك اليوم والمغاربة يعبرون كل سنة عن تعلقهم بملكهم ويحتفلون بذكرى بيعته ويجددون ولاءهم وإخلاصهم له، فكانوا يغتنمون هذه المناسبة أيام الاستعمار للتعبير عن ارتباطهم بعرش البلاد والدفاع عن مقدساته، وكان الشعراء ينطقون بمشاعر المغاربة ويترجمون شعورهم وما يتطلعون إليه،
و المرمى الحقيقي للاحتفال بهذه الذكرى والمغزى الكامن في استحضار هذا الحدث كل ما مر الحول هو التشخيص الدائم وعلى مر الحقب والأزمان لعرى التلاحم الوثيق بين العرش والشعب والولاء الدائم والوفاء المستمر الذي يكنه الشعب المغربي لعاهله، والتعبير الصريح عن القيم والأصالة والارتباط بالحرية والديمقراطية، والاستعداد الدائم للدود عن حرية الوطن واستقلاله والثورة ضد كل أشكال القهر والتخلف، لذا كان الشعراء يجتهدون في هذه المناسبة ويتنافسون في نظم القريض للتعبير عن هذا الشعور وترجمة هذه المعاني، فكانوا يقدمون التهاني لملك البلاد ويستعرضون منجزاته وأعماله ويعبرون عن آمال الشعب وتطلعاته،
.وبعد مجيء الاستقلال وتحرير البلاد من قيود الاستعمار وأغلاله ظل الاحتفال بهذا العيد حاضرا كل سنة شاهدا على تعلق المغاربة بالعرش العلوي وولائهم وإخلاصهم للجالس عليه الذي اختاره الله ليتسلم مقاليد الحكم في هذا البلد السعيد، قائما على أسس دينية ووطنية وتاريخية.
1- قائما على أسس دينية باعتباره بيعة متجددة كل سنة وحمدا لله على ما هيأ لنا في هذا البلد الأمين وأبقى لنا من شروط إمارة المؤمنين بشروطها المعروفة، ونستحضر في هذا الباب ما رواه الإمام “أحمد” في مسنده و”ابن سعد” في الطبقات عن “عبد الله بن عمر” أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : “من مات ولا بيعة عليه مات ميتة جاهلية” وما رواه “أبو داوود الطيالسي” في مسنده عن “ابن عمر” أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : “من مات بغير إمام مات ميتة جاهلية، ومن نزع يدا من طاعة، جاء يوم القيامة لا حجة له” وما رواه “الإمام أحمد” عن أبي بكر رضي الله عنه قال : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول “من أكرم سلطان الله تبارك وتعالى في الدنيا أكرمه الله يوم القيامة، ومن أهان سلطان الله عز وجل في الدنيا أهانه الله يوم القيامة”.
2- قائما على أسس وطنية باعتباره تجسيدا لعلاقة الشعب بالعرش وتعلقهم بأسبابه وارتباطهم بملكهم وتجندهم وراءه، ذلك بأن المغاربة منذ أن وعوا الحياة السياسية اقتنعوا بأن الملكية الدستورية هي الأصلح والأبقى وأن العرش هو الرباط المقدس بين الملك والشعب.
3 قائما على أسس تاريخية باعتبار لحظة التأسيس التي تعود إلى أيام النضال من أجل استقلال البلاد والكفاح من أجل الحرية، وباعتبار الاحتفال السنوي هو استحضار لماضي هذه الأمة وأمجادها الغابرة، ووصف للحاضر ومنجزاته، واستشراق للمستقبل بما يبعثه من دم جديد في نفوس المغاربة من أجل البناء والتشييد.
فيوم الاحتفال هو محطة تاريخية نقف فيها على أعمال الماضي ونتأمل الحاضر ونستعد لانطلاقة جديدة نتمم فيها ما بدأناه في السنة الماضية ونبسط السبل لأعمال جديدة ننطلق في إنجازها بعزم وثبات.
ونقف في الخطب والقصائد التي تلقى بهذه المناسبة على ما يجسد هذا القول ويدل عليه، فبعدما يهنئون الملك بالعيد السعيد، وبعد حديثهم عن المنجزات والأماني المحققة ويستحضرون اللحظات التاريخية الخالدة يبسطون آمال الشعب ومتمنياته، وتطلعاته وما يرنوا إليه،
واليوم وقد حلت الذكرى السابعة والعشرين لاعتلاء صاحب الجلالة الملك محمد السادس على عرش أسلافه المنعمين نحتفل بهذا الحدث الغالي ونجدد البيعة لهذا الإمام المقتدر، شاكرين الله الذي وهبنا هذا العصر الملئ بالاضطرابات والمفاجآت في شتى أنحاء المعمور، وفي هذه الفترة المليئة بالتغيرات والتطورات ملكا مقتدرا في مستوى الأحداث العالمية من جهة، وفي مستوى طموحات الشعب المغربي من جهة ثانية، فلقد اعتلى نصره الله هذا العرش العلوي المجيد وهو مزود برصيد وطني وسياسي عظيم ورصيد ثقافي جامع، فعالج المسؤوليات الجسام وكرس جهوده لمعالجة المسائل الوطنية والقومية الكبرى بعقلية علمية وفكر متنور، فواصل مسيرة البناء والتشييد بعزم وثبات، وجدد أسس ودعائم دولة الحق والقانون، واهتم بالضعيف والمحتاج فتربع على عرش أسلافه المنعمين بالصدق والإخلاص والرأفة، فكان خير خلف لخير سلف أحبه شعبه كما أحبه، فإذا تكلم عانق كلامه القلب والوجدان قبل أن يلج الأسماع والآذان.
ولا تقتصر أهمية عيد العرش على الرمزية السياسية أو الجوانب الاحتفالية، بل إنه يُعد محطة سنوية لتقييم منجزات الدولة وتوجهاتها المستقبلية. يُعيد هذا اليوم التأكيد على مكانة الملك كرمز للوحدة الوطنية وضامن للاستقرار، ويُحفّز المواطنين على التمسك بقيم المواطنة والمشاركة الفعّالة في بناء الوطن. كما يشكل مناسبة لتكريم الكفاءات الوطنية والاحتفاء بالنجاحات الجماعية، مما يعزز الشعور بالفخر والانتماء.
يظل عيد العرش في المغرب أكثر من مجرد احتفال رسمي، فهو مناسبة وطنية عميقة الجذور تجسد ولاء الشعب للعرش، وتعكس تطور الدولة المغربية في مختلف المجالات. كما يشكل جسرًا بين الماضي المجيد والحاضر المزدهر، مؤكدًا أن العهد المتجدد بين الشعب والملك هو الركيزة الأساسية لمسيرة التنمية والاستقرار في المملكة المغربية.
فهنيئا لنا بهذه الذكرى الغالية وهنيئا لنا بهذا الملك العظيم، ونسأل الله أن ينصره ويعينه على ما يصبو إليه من خير ونماء لهذا الوطن العزيز، وأن يعيد عليه أمثال هذا العيد وهو يتمتع بالسلامة والعافية والعمر ا.لمديد